
المقال الثالث من سلسلة: إدارة النفس قبل إدارة المؤسسة
بقلم: إبراهيم عمر الطيب
—
في أحد الاجتماعات، قبل سنوات، دار نقاش حاد حول قرار كنت قد اتخذته. أحد المدراء الشباب، وكان ذكياً وجريئاً، وقف وقال بكل وضوح: “أعتقد أن هذا القرار خاطئ. واسمح لي أن أشرح لماذا.”
شرح. وكان كلامه منطقياً. بل كان كلامه صحيحاً. كنت أعرف في داخلي أنه محق. لكن شيئاً في داخلي رفض. لم يكن عقلي هو من رفض. كان شيء آخر، شيء أعمق، شيء لا يريد أن يُهزم.
فقلت له ببرود: “شكراً على رأيك. سنمضي في القرار كما هو.”
وبعد شهر، انفجرت المشكلة. وتبين أن الشاب كان محقاً. وأن قراري كان خاطئاً. وأن الأنا التي منعتني من الاستماع، كلفت الشركة وقتاً ومالاً وثقةً لا تعوّض.
يومها، تعلمت الدرس الأصعب في حياتي الإدارية: ليس عدوك من يخالفك. عدوك أناك.
—
ما هي “الأنا الإدارية”؟
الأنا الإدارية ليست مجرد غرور. وليست تكبراً بالمعنى العادي. إنها شيء أخطر من ذلك بكثير.
الأنا الإدارية هي أن تربط قيمتك الذاتية بمنصبك، وتربط منصبك بقراراتك، وتربط قراراتك بكونك “على حق دائماً”. هي أن يصبح كيانك كله معلقاً على فكرة واحدة: أنا لا أخطئ. أنا لا أتراجع. أنا أعرف أكثر من الجميع.
وعندما تصل إلى هذه النقطة، يختلط الحابل بالنابل. لم تعد تدافع عن الصواب، بل تدافع عن نفسك. لم تعد تبحث عن الحقيقة، بل عن الانتصار. ولم تعد تسمع صوت العقل، بل صوت الأنا.
وهنا يبدأ السجن. سجن من صنع يديك.
—
كيف تعرف أن الأنا تسكنك؟
الأنا الإدارية لا تأتي بلافتة. إنها تتسلل إليك بصمت. وتظهر علاماتها في سلوكيات صغيرة، لكنها قاتلة:
أولاً: لا تستطيع أن تقول “كنتُ مخطئاً”
هذه هي العلامة الأولى. إذا كنت تجد صعوبة في الاعتراف بالخطأ، فأنت لست خائفاً من الخطأ نفسه، بل من التراجع. التراجع عنده ليس تصحيحاً للمسار، بل هزيمة شخصية. فتصبح متمسكاً بقرارك الخاطئ، مبرراً، مدافعاً، لا لأنك تؤمن به، بل لأنك لا تستطيع أن تظهر أمام الفريق بمظهر المهزوم.
وتدفع الثمن. القرار الخاطئ يكبر. والمشكلة تتفاقم. وأنت لا تتراجع. حتى ينهار كل شيء. وحينها، تكون قد خسرت المعركة والجيش والأرض.
ثانياً: لا أحد يخالفك… لأنهم تعبوا
هذه العلامة الثانية. عندما لا يتحدث أحد في الاجتماع. عندما لا يعترضك أحد. عندما تصدر قراراً، فلا تجد إلا الأصوات المؤيدة.
أنت تظن أنك نجحت. تظن أن الفريق مقتنع. الحقيقة أن الفريق تعب. تعب من المجادلة، وتعب من الاستماع إلى “أنا أعرف”، وتعب من أن يراه أحدهم، ثم لا يُسمع. فسكت. والسكوت ليس اقتناعاً. السكوت استسلام.
وهذا أخطر نوع من العزلة. أن تكون بين الناس، وحدك.
ثالثاً: تفهم كل شيء على أنه موجه إليك
المدير الذي لديه أنا متضخمة يفهم كل شيء على أنه موجه إليه. سؤال بريء يتحول إلى اتهام. ملاحظة عابرة تصبح مؤامرة. صمت موظف يعني تحدياً. حتى ضحكة خفيفة في الاجتماع قد يفسرها على أنها سخرية منه.
هذا الحساسية المفرطة ليست دليلاً على قوة. إنها دليل على هشاشة. وأنت تحاول أن تحمي شيئاً ضعيفاً في الداخل، فتصير حساساً لكل ما حولك.
رابعاً: تصبح العقل الوحيد
“أنا أعرف أكثر من الجميع”. “أنا وحدي من يفهم السوق”. “لا أحد يفكر مثلي”.
هذه العبارات تتردد في عقلك قبل أن تنطق بها. وفي النهاية، تصبح أنت العقل الوحيد، والباقي مجرد أيادٍ تنفذ.
لكنك لا تدرك أنك كنت تظن أنك تقود فريقاً، بينما أنت تقود مجموعة أوتوماتيكية. لا مبادرة، لا اجتهاد، لا فكرة جديدة. فقط أوامر. وأنت في الأعلى، وحيد، تسأل نفسك: لماذا لم يعد أحد يبتكر؟ وكأنك تظن أنهم لم يعد لديهم عقول، بينما هم فقط لم يعد لديهم إذن للتفكير.
خامساً: تتحدث عن نفسك أكثر مما تتحدث عن الفريق
عندما تنجح الخطة، من يذكرها أولاً؟ عندما يُنفذ المشروع، من يتصدر الحديث؟ عندما يُطلب منك أن تحكي، كم مرة تقول “فعلتُ” وكم مرة تقول “فعلنا”؟
الأنا الإدارية تدير كل شيء حول “أنا”. الفريق يعمل في الخفاء، وأنت في الواجهة. وهذا يبني لك صورة عظيمة. لكنها صورة مبنية على جهود الآخرين، لا على جهودك أنت.
—
الثمن الذي يدفعه الجميع
الأنا الإدارية ليست مشكلتك الشخصية. إنها مشكلة الجميع. وثمنها يدفعه كل من حولك:
يدفعه القائد نفسه… فينهك
لأن الأنا لا تستريح. تحتاج دائماً إلى مزيد من الانتصارات، ومزيد من الإثبات، ومزيد من الاعتراف. القائد الذي يحمل أنا متضخمة يعيش في معركة دائمة، حتى مع نفسه. حتى في لحظات النوم، عقله لا يهدأ. يفكر في المعركة القادمة. يفكر في من سيخالفه غداً. يفكر في كيف سيرد. يعيش في جحيم لا يراه أحد.
يدفعه الفريق… فيغادر
عندما يُسكت الفريق، يفقد صوته. يتحول من شركاء في الفكر إلى منفذين للأوامر. لكن الإنسان لا يُسكت إلا مؤقتاً. ثم يفقد الحماس. ثم يرحل.
والذين يرحلون أولاً هم الأفضل. لأنهم الأكثر قدرة على الرحيل. يجدون مكاناً آخر يحترم عقولهم، ويسمع أفكارهم، ويراهم لا كأيادٍ، بل كعقول.
فيبقى معك من لا يريد الرحيل. ليس لأنه مخلص، بل لأنه لا يملك خياراً. وهؤلاء لا يبنون شركة. هؤلاء ينفذون أوامر.
تدفعه المؤسسة… فتفقد قدرتها على التطور
التطور يحتاج إلى أصوات متعددة، وإلى جدل، وإلى أخطاء تُصحح. أما الأنا المتضخمة فتقتل الجدل، وتخفي الأخطاء، وتغلق باب الابتكار.
أنت لا تدري أنك عندما تمنع أحداً من الكلام، فأنت لا تسكته فقط. أنت تقتل فكرة كانت ستوفر عليك سنة كاملة من العمل. أنت تقتل قراراً كان سيفتح لك سوقاً جديدة. أنت تقتل نمواً كان سيغير مستقبل المؤسسة.
كل كلمة “أنا أعرف” تقولها، هي فرصة تدفنها بيدك.
—
من أين تأتي هذه الأنا؟
من أين يأتي هذا الخوف من التراجع، هذا التمسك بالرأي، هذا احتكار المعرفة؟
في كثير من الأحيان، الأنا المتضخمة ليست قوة، بل هي ضعف مقنّع. المدير الذي لديه أنا هشة في الداخل، يحاول أن يعوضها بأن يبني جداراً صلباً من الخارج. كلما كان الجدار عالياً، كان الجرح أعمق في الداخل.
هذا ما تعلمته من دراستي للإرشاد النفسي. الأنا التي تراها في المدراء المتسلطين ليست غروراً في الغالب، بل هو خوف. خوف من أن يكونوا أقل من المطلوب، فيخافون من الاعتراف بأخطائهم. خوف من أن يكونوا عاديين، فيصرخون “أنا الأقوى”. خوف من أن يكونوا غير محبوبين، فيفرضون الاحترام بالقوة.
وبعض المدراء يحملون جرحاً قديماً من طفولة لم يتلقوا فيها الاعتراف الكافي. فيأتون إلى المنصب ليعوضوا. يريدون أن يكونوا ذلك الرجل الذي يعرف كل شيء، والذي لا يخطئ أبداً. يريدون أن يسمعوا من الآخرين ما لم يسمعوه من آبائهم. “أنت رائع.” “أنت تفهم.” “أنت مهم.”
فيتحول المنصب إلى مسرح. وأنت تؤدي دورك. وكل من لا يصفق، فهو عدو.
—
كيف تروّض أناك؟
الحل ليس في أن تقتل أناك. الحل في أن تروّضها. أن تجعلها في خدمتك، لا أن تكون أنت في خدمتها.
وهذا يحتاج إلى أربع خطوات:
الخطوة الأولى: افصل بين ذاتك وقراراتك
قرارك ليس أنت. إذا نُقد قرارك، فلم يُنقد كيانك.
تعلم أن تقول: “هذا قرار، ومن حقي أن أغير رأيي.” الفرق بين “أنا مخطئ” و”قراري خاطئ” هو الفرق بين السجن والحرية.
لا أحد يظن أنك ضعيف إذا غيرت رأيك. بالعكس. من يغير رأيه عندما يظهر خطؤه هو رجل شجاع، واثق، ويعرف كيف يبحث عن الصواب.
الخطوة الثانية: اجعل “لا أعرف” و”ربما أنت محق” عاداتك اليومية
هاتان الجملتان لا تجرحان القائد، بل ترفعانه. من يقول “ربما أنت محق” هو من يبحث عن الحقيقة، لا عن الانتصار. ومن يعترف بأنه لا يعرف، يعطي فريقه فرصة أن يعلّمه. وهذا هو التواضع الحقيقي.
جربها غداً. في الاجتماع القادم، قل لرجل من فريقك: “ربما أنت محق. دعني أفكر في كلامك.” راقب وجهه. راقب نظرات الفريق. سترى احتراماً لا يُشترى بالمال.
الخطوة الثالثة: اطلب النقد بنفسك
لا تنتظر أن يأتيك النقد. اذهب إليه. اسأل فريقك: “ما الذي يمكنني أن أحسّنه؟”
قد يصمت الفريق في البداية. لأنهم تعودوا على العكس. لكن إن استمريت في السؤال، وإن شكرت من ينتقدك، وإن لم تعاقب من يقول الحقيقة، سيتعلمون. سيثقون. سيتحدثون. وحينها ستصبح قائداً حقيقياً، لا لأنهم يخافونك، بل لأنهم يحترمونك.
الخطوة الرابعة: تذكر أنك ستموت
ليست هذه جملة قاسية، بل هي أصدق ما يمكن أن يقال.
كلنا نمضي. والمنصب سيبقى بعدنا. فلماذا نتمسك به كأنه هويتنا؟ تذكر أن ما سيبقى ليس قراراتك، بل أثرك. وأثرك يُبنى بالحب والتواضع، لا بالسيطرة والانتصار.
المدير الذي يسيطر يترك ذكرى خوف.
المدير الذي يحب يترك ذكرى أمان.
المدير الذي يصرخ يُنسى بعد أشهر.
المدير الذي يسمع يُذكر في أجيال.
فاختر أي الأثرين تريد.
—
💎 الخلاصة
أن تكسب معركة على فريقك، فهذه ليست قيادة، بل هزيمة مؤجلة.
وأن تكسب نفسك من أناك، فهذه هي القيادة الحقيقية.
القائد الذي ينتصر على نفسه هو من يعرف أنه لا يحتاج أن يكون على حق دائماً، ولا أن يكون أعلم من الجميع، ولا أن يكون فوق النقد. هو من يعرف أن قوته الحقيقية ليست في صوته العالي، بل في قدرته على الإنصات.
فمن ينتصر على فريقه… يخسر فريقه. ومن ينتصر على نفسه… يربح كل شيء.
—
في المقال القادم، سنفتح باباً آخر من أبواب النفس القيادية:
“الاحتراق الوظيفي: حين يموت الموظف وهو على قيد الحياة”









