تخطى إلى المحتوى

ترشيد الإنفاق العام.. كيف تعيد الحكومة ترتيب الأولويات؟

ترشيد الإنفاق العام.. كيف تعيد الحكومة ترتيب الأولويات؟

تعمل الحكومة السورية على إعادة ضبط مسار الإنفاق، عبر حزمة إجراءات تنظيمية تستهدف تقليص المصروفات القابلة للخفض، ومراجعة المشاريع الاستثمارية، وتوجيه الموارد المتاحة نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً وأثراً. وتأتي هذه الخطوات في ظل ضغوط متزايدة على الموازنة، فيما تحافظ الإجراءات على استمرارية الرواتب والخدمات الحيوية، لتطرح المرحلة المقبلة توازناً دقيقاً بين تحقيق وفر مالي ورفع كفاءة الإنفاق والحفاظ على استمرارية الخدمات والمشاريع ذات الأولوية.

وفي هذا الإطار، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، أمس الإثنين، بلاغاً يتضمن إجراءات عاجلة لضبط وترشيد الإنفاق العام والحد من النفقات غير الضرورية، بناء على مقترح من وزارة المالية، بهدف المحافظة على توازن الموازنة العامة للدولة، وتعزيز الانضباط المالي، وترشيد استخدام الموارد العامة ورفع كفاءة الإنفاق، مع توجيه الاعتمادات المتاحة نحو الأولويات والخدمات الأساسية بما يضمن استمرارية عمل الجهات العامة وقدرتها على أداء مهامها الأساسية.

وتأتي هذه الإجراءات في إطار رؤية تنظيمية لإدارة الإنفاق العام، تستهدف إعادة ترتيب استخدام الموارد داخل المؤسسات الحكومية، والحد من النفقات الإدارية والاستهلاكية التي يمكن الاستغناء عنها أو تأجيلها، بما يعزز توجيه الإنفاق نحو الاستخدامات الأكثر أولوية.

ويُنظر إلى الوفورات الناتجة عن هذه الإجراءات باعتبارها مورداً يمكن إعادة تخصيصه وفقاً للقوانين والأنظمة النافذة، بما يتيح توجيه الموارد المتاحة إلى الأولويات العامة والخدمات الأساسية، وفقاً لنتائج تنفيذ الإجراءات واحتياجات الإنفاق.

وفرض البلاغ ضوابط على استخدام هذه الوفورات، إذ حظر على الجهات العامة استخدامها في ترتيب نفقات أو التزامات جديدة، أو إجراء مناقلات لتغطية نفقات غير ذات أولوية.

وأوضح وزير المالية محمد يسر برنية، أن الإجراءات تأتي في ضوء المتغيرات الجيوسياسية والإقليمية الراهنة، وما تفرضه من ضغوط على تكاليف الطاقة والنقل وتأمين الاحتياجات الأساسية، وانعكاس ذلك على المالية العامة.

وأكد برنية أن ترشيد الإنفاق يستهدف رفع كفاءته وتحسين توجيه الموارد المتاحة، مع الحفاظ على الخدمات الأساسية للمواطنين واستمرارية عمل الجهات العامة، بما يشمل الرواتب والأجور والنفقات الضرورية المرتبطة بالصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة والصيانة التشغيلية الضرورية.

وتوضح الإجراءات أن خفض بعض بنود الإنفاق يستهدف الجهاز الإداري للدولة والنفقات القابلة للترشيد، مع استمرار الإنفاق المرتبط بالرواتب والأجور والخدمات الأساسية والمهام الضرورية للجهات العامة، بما يحافظ على استمرارية الخدمات والمرافق العامة.

تفاصيل الإجراءات

وبموجب بلاغ الأمانة العامة للرئاسة، الذي يستند إلى أحكام القانون المالي الأساسي الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 54 لعام 2006 وتعديلاته، لا سيما الفقرة «ب» من المادة 7، يتعين على الجهات العامة، اعتباراً من تاريخ صدوره وحتى إشعار آخر، اتخاذ إجراءات عاجلة لضبط الإنفاق وإيقاف عقد النفقات الجديدة غير الضرورية، وخفض النفقات القابلة للترشيد إلى الحد الأدنى الممكن.

وتشمل الإجراءات نفقات السفر والإيفاد والمهمات الداخلية والخارجية التي يمكن الاستغناء عنها، على أن تقتصر المهمات التي تستلزم استخدام السيارات والآليات الحكومية على الحالات الضرورية والملحة وبموافقة مسبقة من الوزير المختص. كما تشمل نفقات المؤتمرات والفعاليات والاحتفالات والضيافة والمطبوعات والقرطاسية والمستلزمات المكتبية، والصحف والمجلات والاشتراكات والمنصات الرقمية غير الضرورية، إلى جانب نفقات الاتصالات والإنترنت وأرصدة خطوط الهاتف المحمول وغيرها من النفقات الإدارية القابلة للترشيد أو الاستغناء عنها، بما لا يؤثر في متطلبات العمل الأساسية.

ويوقف كذلك شراء أو استبدال الأثاث والتجهيزات المكتبية من الاعتمادات الجارية أو الاستثمارية، باستثناء ما تثبت ضرورته لاستمرارية العمل، كما يوقف شراء أو استبدال السيارات والآليات المخصصة للأغراض الإدارية وترتيب أي التزام جديد بهذا الخصوص.

وفيما يخص المحروقات، ينص البلاغ على خفض الكميات المخصصة من البنزين والمازوت للسيارات والآليات الحكومية بنسبة 30 بالمئة من الكميات المخصصة لكل سيارة أو آلية بتاريخ نفاذه، باستثناء ما لا تتجاوز مخصصاته 70 لتراً شهرياً ووسائل النقل الجماعي، مع تنظيم ودمج التنقلات الرسمية قدر الإمكان. وتتولى وزارة الطاقة متابعة تنفيذ إجراءات ترشيد استهلاك المحروقات ورفع تقرير شهري إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية يتضمن استهلاك الجهات العامة ونسب الوفر المتحقق.

ويتركز خفض مخصصات المحروقات على الاستخدامات الحكومية القابلة للترشيد، مع استمرار المخصصات المستثناة بموجب البلاغ، بما يجعل الإجراء موجهاً أساساً إلى ضبط استهلاك الجهات العامة وتنظيم التنقلات الرسمية، من دون أن يستهدف وسائل النقل الجماعي.

كما يشمل الترشيد نفقات استئجار الأبنية والمكاتب والمستودعات والسيارات والآليات والتجهيزات والمعدات، إذ لا تبرم عقود إيجار جديدة أو تجدد العقود القائمة عند توافر بديل مملوك للدولة وصالح للاستخدام لدى الجهة العامة أو لدى جهة أخرى تملك الدولة أصولها، ما لم تقتضِ الضرورة خلاف ذلك.

ويشمل أيضاً أعمال الصيانة والتأهيل والتحسين غير الضرورية، بما فيها تجديد المكاتب والمقرات والديكورات والواجهات، مع تأجيل أعمال الصيانة غير العاجلة التي لا يؤدي تأجيلها إلى تعطيل العمل أو الخدمة أو الإضرار بالأصول العامة أو زيادة جوهرية في تكاليف إصلاحها لاحقاً.

وتتضمن الإجراءات كذلك خفض نفقات الدراسات والاستشارات والخدمات الخارجية غير الضرورية، لا سيما ما يمكن تنفيذه بالكوادر المتوافرة لدى الجهات العامة أو تأجيله من دون تأثير جوهري في سير العمل.

وفي الجانب الاستثماري، ألزم البلاغ الجهات العامة بإجراء مراجعة عاجلة لجميع المشاريع الاستثمارية المعتمدة وإعادة ترتيب أولوياتها وفق درجة الضرورة ونسبة الإنجاز والالتزامات التعاقدية القائمة والأثر المالي والاقتصادي والخدمي. وتُصنّف المشاريع إلى مشاريع ذات أولوية، ومشاريع قابلة للتأجيل، ومشاريع غير ذات أولوية.

وتشمل المشاريع ذات الأولوية تلك المرتبطة باستمرارية الخدمات الأساسية والسلامة العامة وحماية الأصول والبنى التحتية الحيوية، أو التي يترتب على توقفها ضرر محقق، إضافة إلى المشاريع التي تحقق مردوداً اقتصادياً أو مالياً، من خلال زيادة الإيرادات العامة أو خفض تكاليف التشغيل أو توفير القطع الأجنبي والحد من استخدامه أو زيادة الإنتاج وتحسين استثمار الأصول العامة. ويستمر تنفيذ هذه المشاريع ضمن الاعتمادات المرصدة لها بعد التحقق من أولويتها وجدواها وتوافر التمويل اللازم.

أما المشاريع القابلة للتأجيل، فهي التي لا يترتب على تأجيلها أثر جوهري في الخدمات العامة أو النشاط الاقتصادي، ولا تنشأ عنه خسائر مالية أو أعباء تعاقدية جوهرية، ويوقف مؤقتاً عقد النفقات أو ترتيب الالتزامات الجديدة عليها. وتشمل المشاريع غير ذات الأولوية تلك التي لا تقتضي الضرورة تنفيذها في المرحلة الراهنة أو لا تتناسب جدواها الاقتصادية أو المالية أو الخدمية مع تكلفتها في الظروف الحالية، على أن يوقف عقد النفقات وترتيب الالتزامات الجديدة عليها، وتحدد وزارة المالية الاعتمادات غير المعقودة الناتجة عن ذلك وفقاً للقوانين والأنظمة النافذة.

ويحظر البلاغ خلال مدة سريانه إبرام عقود أو ترتيب التزامات جديدة على المشاريع الاستثمارية التي لم يبدأ تنفيذها، باستثناء المشاريع المصنفة ذات أولوية، كما يحظر طلب إدراج مشاريع استثمارية جديدة أو زيادة الاعتمادات المرصودة للمشاريع القائمة، إلا في الحالات الضرورية لتأمين خدمة أساسية أو منع ضرر محقق أو تحقيق منفعة اقتصادية أو مالية مثبتة وبعد الحصول على الموافقات اللازمة.

كما يحظر عقد نفقات جديدة على الدراسات والأعمال التحضيرية والتصاميم المرتبطة بالمشاريع القابلة للتأجيل أو غير ذات الأولوية، أو تجزئة المشاريع والنفقات أو إعادة توصيفها أو نقلها بين البنود بهدف استثنائها من أحكام البلاغ. ويهدف هذا القيد إلى ضمان تطبيق إجراءات الترشيد على الالتزامات المالية فعلياً، ومنع إعادة ترتيب النفقات بصورة شكلية للإبقاء على بنود جرى تصنيفها ضمن الإنفاق القابل للتأجيل أو التخفيض.

وفي المقابل، نص البلاغ على مراعاة استمرارية الخدمات العامة الأساسية وعدم المساس بالمهام الجوهرية للجهات العامة، مع استثناء الرواتب والأجور والنفقات اللازمة لاستمرار خدمات الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة، إضافة إلى أعمال الصيانة التشغيلية والوقائية الضرورية، شريطة أن تكون مبررة ومؤيدة بالوثائق أصولاً.

وسمح البلاغ باستثناء بعض الحالات من إيقاف عقد النفقات أو تخفيضها، ومنها الالتزامات المعقودة أصولاً قبل تاريخ نفاذه، والمشاريع التي بلغت مراحل متقدمة من التنفيذ إذا كان وقفها أو تأخيرها يؤدي إلى خسائر أو تكاليف إضافية أو مخاطر تعاقدية تفوق الوفر المتوقع، إضافة إلى المشاريع الممولة كلياً أو جزئياً من منح أو تمويل خارجي إذا كان وقفها أو تأخيرها يؤدي إلى فقدان التمويل أو ترتيب أعباء على الدولة، شريطة ألا يترتب على استمرارها أعباء مالية غير مغطاة على الخزينة العامة.

ويشمل الاستثناء أيضاً المشاريع ذات العائد المالي أو الاقتصادي المباشر، متى ثبت أن استمرار تنفيذها يحقق إيرادات أو وفورات أو منافع اقتصادية تتناسب مع تكلفتها، وثبتت جدوى استمرارها، على أن يخضع أي استثناء للتحقق من مبرراته وتوثيقه أصولاً.

كما منع البلاغ الجهات العامة من استخدام الاعتمادات التي أوقف عقد النفقات عليها أو الوفورات الناتجة عن تطبيقه في ترتيب نفقات أو التزامات جديدة، أو إجراء مناقلات لتغطية نفقات غير ذات أولوية، على أن تتولى وزارة المالية حصر هذه الاعتمادات والوفورات واقتراح نقلها بين البنود أو إعادة تخصيصها لغايات أخرى عند الاقتضاء وفقاً للقانون المالي الأساسي والأنظمة النافذة.

وألزم البلاغ الجهات العامة بموافاة وزارة المالية، خلال 15 يوماً من تاريخ نفاذه، ببيان يوضح النفقات والمشاريع التي أوقف عقد نفقات جديدة عليها أو خفضت، وتلك التي ترى الجهة ضرورة استمرارها مع بيان مبررات ذلك، إضافة إلى المبالغ المرصدة والمتعاقد عليها والمنفقة والمتبقية غير المعقودة، والوفر المالي المتوقع تحقيقه حتى نهاية السنة المالية نتيجة تطبيق الإجراءات.

وتتولى وزارة المالية متابعة تنفيذ أحكام البلاغ والتحقق من البيانات الواردة إليها وتقييم الوفورات المتحققة، ورفع تقرير دوري بنتائج التنفيذ إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، فيما تلتزم الجهات العامة بتنفيذ أحكامه كل فيما يخصه وفقاً للصلاحيات والمسؤوليات المحددة في القوانين والأنظمة النافذة.

ويعمل بالبلاغ اعتباراً من تاريخ صدوره وحتى إشعار آخر، مع إخضاع أحكامه للمراجعة الدورية في ضوء تطورات الوضع المالي والاقتصادي ونتائج التنفيذ.

تعزيز كفاءة الإنفاق

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر، أن الهدف المعلن من إجراءات ترشيد الإنفاق يتمثل في تحقيق التوازن بين الانضباط المالي ومصلحة المواطن، من خلال تعزيز كفاءة الإنفاق، وحماية الخدمات الأساسية، وإعادة ترتيب أولويات المشاريع الاستثمارية.

وأوضح اسمندر لصحيفة «الثورة السورية»، أن هذه الإجراءات يمكن أن تسهم في تحسين كفاءة إدارة المالية العامة، وتوجيه موارد إضافية نحو التنمية، ودعم مسار التعافي الاقتصادي، إلا أن تطبيقها قد يترتب عليه تأجيل بعض المشاريع التنموية أو التأثير في مستوى بعض الخدمات، كما أن إجراءات الترشيد وحدها قد لا تكون كافية لمعالجة العجز المالي، الذي يبلغ، بحسب موازنة العام 2026، نحو 1.8 مليار دولار.

ويضيف اسمندر أن فعالية الإجراءات ترتبط بكفاءة تنفيذها، إلى جانب الحاجة إلى زيادة الإيرادات الفعلية وإجراء إصلاحات هيكلية تتولاها كوادر مؤهلة، بما يعزز قدرة المالية العامة على معالجة الاختلالات القائمة.

ويشير إلى أن نجاح سياسة الترشيد يتطلب العمل بالتوازي على تحسين الإيرادات العامة، وتطوير الإدارة الضريبية والجمركية، والحدّ من الهدر، وتحسين إدارة أصول الدولة، بما يحقق توازناً بين الإيرادات والنفقات ويعزز استدامة المالية العامة.

خفض الإنفاق والترشيد

من جهته، يؤكد المحلل الاقتصادي شادي سليمان، ضرورة التمييز بين ترشيد الإنفاق وخفضه، فخفض النفقات بصورة شاملة قد يؤدي، إذا لم يكن مدروساً، إلى تراجع مستوى الخدمات العامة أو تعطيل مشاريع ضرورية، بينما يقوم الترشيد على تحديد أوجه الإنفاق ذات الأولوية، وتقليص الهدر والنفقات غير الضرورية، وتحقيق أكبر منفعة اقتصادية واجتماعية ممكنة من كلّ وحدة إنفاق حكومي.

ويقول سليمان لصحيفة «الثورة السورية» :إن وزارة المالية أوضحت أن إجراءاتها لا تستهدف الرواتب والأجور أو النفقات الضرورية لاستمرار عمل الجهات العامة، كما تشمل حماية القطاعات والخدمات الأساسية، وفي مقدّمتها الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة، إلى جانب الصيانة التشغيلية الضرورية، وهذا التوجه يعكس مبدأ مهماً في الإدارة المالية العامة، يتمثل في حماية الإنفاق الذي يرتبط مباشرة بحياة المواطنين واستمرارية المرافق العامة، مقابل إعادة تقييم النفقات التي يمكن تأجيلها أو تخفيض كلفتها دون إحداث أثر جوهري في النشاط الاقتصادي أو مستوى الخدمات.

ويشير إلى أن مراجعة المشاريع الاستثمارية وإعادة ترتيب أولوياتها تمثلان أحد أبرز محاور ترشيد الإنفاق، إذ ترتبط كفاءة إدارة الموازنة بكيفية توجيه الإنفاق إلى جانب حجمه. ويمكن لتقييم المشاريع وفق معايير تشمل درجة الضرورة والجاهزية والأثر المالي والاقتصادي والاجتماعي أن يوجه الموارد المحدودة نحو المشاريع الأكثر قدرة على تحقيق نتائج ملموسة، بدلاً من توزيع الاعتمادات على عدد كبير من المشاريع بما قد يبطئ التنفيذ أو يرفع التكاليف.

وتبرز أهمية هذا النهج خصوصاً في الاقتصادات التي تعاني من محدودية الموارد، إذ تصبح المفاضلة بين المشاريع ضرورة مالية واقتصادية، بحيث تعطى الأولوية للمشاريع التي تسهم في تحسين الخدمات العامة، أو دعم النشاط الاقتصادي، أو تخفيض تكلفة مستقبلية على الدولة.

كما يلفت سليمان إلى أن ضبط الإنفاق يمكن أن يسهم في تخفيف الضغوط على الموازنة العامة من خلال الحد من النفقات غير الضرورية وتحسين استخدام الاعتمادات المتاحة، فضلاً عن أن تحقيق وفر في بعض بنود الإنفاق يتيح إعادة توجيه الموارد إلى قطاعات أكثر إلحاحاً، بدلاً من اللجوء إلى تمويل إضافي لتغطية نفقات يمكن ضبطها.

ويضيف سليمان أن نجاح سياسة الترشيد يرتبط بحجم الوفر المالي المتحقق ونوعية مصادره، إذ يختلف الأثر الاقتصادي للوفر الناتج عن الحدّ من الهدر وتحسين إجراءات الشراء وخفض النفقات التشغيلية غير الضرورية، عن الوفر المتحقق من تقليص الإنفاق على الخدمات الأساسية أو أعمال الصيانة الضرورية.

ترتيب الأولويات

من جانبه، يرى أستاذ التمويل والمصارف الدكتور عبد الرحمن محمد، أن حزمة إجراءات ضبط وترشيد الإنفاق العام تأتي في ظل ضغوط مالية، مع ارتفاع النفقات بنسبة 331 بالمئة مقابل زيادة الإيرادات بنحو 111 بالمئة خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، بما يجعل تعزيز الانضباط المالي والحد من اتساع العجز من أبرز متطلبات المرحلة.

ويشير محمد إلى أن ضبط الإنفاق العام ممكن من خلال التركيز على النفقات غير الضرورية ومكافحة أوجه الهدر والإنفاق الوهمي، مع توجيه الموارد نحو البنود ذات الأولوية، بما يحقق وفراً مالياً ويحافظ على كفاءة الإنفاق العام.

ويقول محمد لصحيفة «الثورة السورية»: إن موازنة 2026 تستهدف زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية الأساسية، مع رفع الأجور.

ويوضح محمد أن ضبط الإنفاق يرتبط بترتيب الأولويات، عبر تأجيل المشاريع الاستثمارية غير العاجلة، ومراجعة النفقات التشغيلية القابلة للترشيد، مع حماية الإنفاق المرتبط بالقطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والمياه والطاقة. ويشير إلى أن التجربة السورية السابقة أظهرت مخاطر الضبط غير المدروس على مستوى الخدمات، فيما يمكن لإزالة الهدر وإعادة توجيه الموارد أن يساهما في تحسين كفاءة الإنفاق والحفاظ على مستوى الخدمات الأساسية.

ويضيف أن ضبط الإنفاق العام في سوريا يمثل ضرورة اقتصادية، ويتوقف نجاحه على الشفافية في تحديد أوجه الهدر، والحماية المؤسسية للخدمات الأساسية، واستمرار الدعم الفني الدولي لتطوير نظم الرقابة. ويرى أن تحقيق الوفر يرتبط بإجراءات ترفع كفاءة الإنفاق، مثل معالجة الوظائف الوهمية، والحفاظ على الكوادر اللازمة لتقديم الخدمات الأساسية، وتوجيه الموارد المتاحة نحو الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية، مع مراعاة الآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على إجراءات الضبط.

قياس الأداء والنتائج

ويرى سليمان أن التحدي الأساسي أمام السياسة المالية يتمثل في تحقيق توازن بين ضبط النفقات والحفاظ على مستوى مقبول من الخدمات العامة ودعم النشاط الاقتصادي. ويشير إلى أن فلسفة التعميم، كما عرضتها وزارة المالية، تركز على كيفية توجيه الإنفاق وكفاءته، وليس حجمه فقط، إذ قد تكون زيادة الإنفاق مبررة في قطاع معين إذا أسهمت في تحسين الإنتاجية أو خفض التكاليف المستقبلية، بينما قد يكون الإنفاق المرتفع في مجال آخر محدود الجدوى إذا لم تحقق نتائجه عائداً يتناسب مع الموارد المستخدمة.

ويعتبر سليمان أن قياس الأداء والنتائج يمثل عنصراً أساسياً في ترشيد الإنفاق، من خلال ربط الاعتمادات المالية بالأهداف والنتائج، وتعزيز الرقابة على تنفيذ الموازنة، وقياس الوفر المتحقق فعلياً، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات خفض الإنفاق.

ويشير إلى أن فعالية سياسة الترشيد ترتبط بآليات التطبيق والمتابعة، بما في ذلك تعاون الوزارات والهيئات والجهات العامة، ومتابعة وزارة المالية وقياس الوفر الناتج عن الإجراءات. كما أن عرض النتائج بشفافية يساعد في تحديد مصادر الوفر، وما إذا كان ناتجاً عن رفع الكفاءة وتقليل الهدر أو عن تأجيل نفقات ومشاريع ستحتاج إلى تمويل في مراحل لاحقة.

ويضيف سليمان أن إجراءات الترشيد تحتاج إلى المراجعة والتقييم مع تغير الظروف الاقتصادية أو ظهور آثار غير مقصودة على الخدمات العامة والنشاط الاقتصادي، مشيراً إلى أن رفع كفاءة الإنفاق وتحسين إدارة المشاريع وتعزيز الرقابة وتطوير أساليب إعداد الموازنة يمكن أن تشكل عناصر في مسار أوسع لإصلاح الإدارة المالية العامة والتعامل مع محدودية الموارد.

الثورة السورية – ميساء العلي

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك