
*إعادة بناء القطاع المصرفي لا تبدأ من رأس المال والسيولة فقط، بل من كوادر قادرة على إدارة المخاطر والتمويل والامتثال والتعامل مع منظومة مالية دولية أكثر انفتاحاً.
*منير الرفاعي:
لن يكون نجاح إعادة الإعمار في سورية مرتبطاً بحجم الأموال المتاحة فقط، بل بقدرة الجهاز المصرفي على تحويل هذه الأموال إلى ائتمان وتمويل واستثمار يصل إلى القطاعات المنتجة. وبينما تستعد المصارف للقيام بدور أكبر في الاقتصاد، تبرز مشكلة أقل ظهوراً من رأس المال والسيولة، لكنها قد تحدد قدرة القطاع على أداء هذا الدور: هل يمتلك المصرفيون المهارات التي يحتاجها اقتصاد يتغير بسرعة؟يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين في حديثه لــ”العين السورية” أن الإجابة تفرض إعادة النظر في مفهوم رأس المال البشري داخل المصارف، لأن سنوات العزلة لم تؤثر فقط في حجم النشاط المصرفي، وإنما قطعت جزءاً من تراكم الخبرات والتدريب والتواصل مع التطورات العالمية، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد السوري إلى قطاع مصرفي أكثر قدرة على تمويل الأعمال والاستثمار وإدارة المخاطر.
❝«إعادة هيكلة المصارف لا تعني الاستغناء الجماعي عن الموظفين، بل تقييم الكفاءات وتحديد الفجوات وإعادة التأهيل وإعادة توزيع الموارد البشرية وفق احتياجات المرحلة الجديدة.»❞
خسارة الخبرات كانت إحدى كلف العزلة
لم تكن هجرة الكفاءات المصرفية مجرد نتيجة جانبية للسنوات الماضية، بحسب محي الدين، بل أصبحت إحدى الكلف المباشرة التي تحملها القطاع.
فانخفاض الأجور، والظروف الأمنية، والهجرة خارج سورية، إلى جانب ما تأثرت به بيئة العمل في بعض المؤسسات من فساد إداري ومالي ومحسوبية، دفعت جزءاً من أصحاب الخبرة إلى مغادرة القطاع أو البلاد.
وفي المقابل، لم تكن المصارف قادرة دائماً على تعويض هذه الخبرات بالمستوى نفسه. وتزامن ذلك مع ضعف موازنات التدريب والتأهيل، ومحدودية الاستعانة بالخبراء الدوليين، وصعوبة التواصل مع المؤسسات والأسواق المالية العالمية، فضلاً عن تراجع أو توقف عدد من الخدمات والمنتجات المصرفية الحديثة.
والنتيجة، وفق محي الدين، كانت اتساع الفجوة بين جزء من الكادر المصرفي وبين متطلبات العمل المصرفي المعاصر.
لكن هذه الصورة لا تعني أن القطاع فقد كل خبراته. فالمصرف السوري، بحسب الخبير، ما زال يمتلك كوادر راكمت خبرات عملية خلال سنوات شديدة الصعوبة، وهو ما يجعل الحفاظ على هذه الخبرات جزءاً من الحل، وليس التخلص منها.
فجوة المهارات أخطر من فائض الموظفينمن هذا المنطلق، لا يرى محي الدين أن المشكلة يمكن اختزالها في عدد العاملين، بل في الفجوة بين ما يمتلكه المصرف من مهارات وما يحتاجه فعلياً.
وتظهر الحاجة بصورة خاصة في إدارة المخاطر، والامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتدقيق الداخلي المبني على المخاطر، والتمويل التجاري، وإدارة الخزينة والأسواق المالية، والائتمان المتخصص، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتحول الرقمي والحوكمة.
وهذه ليست تخصصات مرتبطة بالتطوير الداخلي للمصارف فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بقدرتها على التعامل مع المؤسسات المالية الخارجية، وتوسيع الائتمان، وإدارة الأموال، وتمويل التجارة والاستثمار.المصرف السوري أمام سوق مالية مختلفةمع اتساع فرص استعادة العلاقات المصرفية المراسلة والانفتاح على الاستثمار الخارجي، ستتغير طبيعة المهارات التي يحتاجها القطاع.
فالمصرفي الذي سيعمل في المرحلة المقبلة سيكون مطالباً بفهم متطلبات البنوك المراسلة الدولية، وإدارة مخاطر الائتمان والسيولة والسوق، وتطبيق قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتعامل مع التجارة الخارجية والاعتمادات والتحويلات.
كما ستزداد أهمية المعايير المحاسبية والرقابية الدولية، والتكنولوجيا المالية والمدفوعات الإلكترونية، والبيانات والأمن السيبراني.
ويشير محي الدين إلى أن إعادة تأهيل القطاع المالي أصبحت جزءاً من برامج الإصلاح والدعم الدولي، مع التركيز على الرقابة القائمة على المخاطر والامتثال والبنية الرقمية والأمن السيبراني وجودة الأصول، ما يعني أن تأهيل العنصر البشري يجب أن يسير بالتوازي مع تحديث البنية المصرفية.
❝«فتح أبواب المصارف السورية أمام النظام المالي العالمي لن يكون كافياً، ما لم تمتلك هذه المصارف كوادر قادرة على إدارة المخاطر والامتثال والتمويل التجاري والتحول الرقمي وفق المعايير الدولية.»❞
إعادة الهيكلة لا تعني تسريح الموظفين
في مواجهة هذه الفجوة، يحذر محي الدين من تحويل الإصلاح إلى عملية تسريح جماعي، لكنه في الوقت نفسه لا يرى أن الحفاظ على الهيكل الحالي يمكن أن يكون حلاً.
والبديل، وفق رؤيته، هو إعادة هندسة الموارد البشرية على أساس حاجة كل مصرف وكفاءة العاملين فيه.وتبدأ العملية بتقييم شامل ومحايد يحدد حجم العمالة مقارنة بحجم الأعمال، والوظائف الحرجة، ومؤهلات الموظفين ومهاراتهم وأداءهم، بدلاً من الاعتماد على المسمى الوظيفي أو سنوات الخدمة.بعد ذلك تأتي إعادة تأهيل الموظفين القابلين للتطور وإعادة توزيعهم وفق الاحتياجات الجديدة.
فالموظف الذي يمتلك خبرة مصرفية لكنه يفتقد مهارة حديثة يمكن، من خلال التدريب، أن يتحول إلى قيمة مضافة بدلاً من خسارته.
لكن إعادة بناء الكفاءات لن تكتمل بالاعتماد على الكادر الحالي وحده. لذلك يدعو محي الدين إلى استقطاب الكفاءات النوعية من داخل سورية وخارجها، خصوصاً السوريين العاملين في الخارج والخبراء العرب والدوليين، مع توفير أجور وحوافز تتناسب مع قيمة المهارات المطلوبة.
اختبار جديد للتوظيف والترقية
يمثل إصلاح آليات التعيين والترقية أحد أكثر الملفات حساسية في عملية إعادة البناء.فمحي الدين يرى أن استمرار الواسطة والمحسوبية والعلاقات الشخصية في تحديد المسار الوظيفي يتعارض مع حاجة القطاع إلى بناء ثقة جديدة لدى العملاء والمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.
والحل، بحسب رؤيته، هو الانتقال إلى نظام يعتمد على المؤهلات والتخصص والاختبارات المهنية والأداء والإنجاز والنزاهة.
لكن هذا التحول لا يعني محاكمة الموظفين بصورة جماعية بسبب طريقة دخولهم السابقة إلى القطاع. فإذا تبين أن موظفاً دخل في ظروف لم تكن قائمة على الكفاءة، فإن المعيار الذي يجب أن يحكم مستقبله هو كفاءته الحالية وقدرته على التطور وأداؤه الفعلي.
ولهذا يقترح اختبارات كفاءة وإعادة تقييم مهني، يتبعها تدريب أو إعادة توزيع لمن يمكن تطويرهم، على أن يكون إنهاء الخدمة خياراً أخيراً عندما يثبت موضوعياً عدم ملاءمة الموظف لوظيفته وعدم قابليته للتأهيل أو إعادة التوزيع.
برنامج وطني لثلاث سنوات
ويرى محي الدين أن حجم التحدي يستدعي برنامجاً وطنياً لتطوير الكفاءات المصرفية يمتد لثلاث سنوات، يقوده مصرف سورية المركزي بالتعاون مع المصارف والجامعات والمؤسسات الدولية.
ويشمل البرنامج تحديد فجوة المهارات في القطاع، ووضع إطار موحد للكفاءات المصرفية، وبرامج متخصصة في المخاطر والامتثال والتمويل التجاري والرقمنة والحوكمة، إضافة إلى شهادات مهنية دولية وتدريب متخصص لكوادر الرقابة المصرفية.
كما يتطلب إعادة فتح قنوات التعاون مع المؤسسات المصرفية الدولية، والاستفادة من الخبرات السورية في الخارج، واستقدام خبرات دولية لفترات انتقالية، إلى جانب رفع موازنات التدريب والتطوير وتحسين الأجور.
ويرى الخبير أن التدريب يجب ألا يتحول إلى دورات نظرية منفصلة عن الواقع، بل ينبغي أن يرتبط مباشرة بالمهارات التي تحتاجها المصارف فعلياً.
رأس المال البشري شرط لتمويل إعادة الإعمارالمسألة في النهاية تتجاوز الموارد البشرية داخل المصارف إلى قدرة الاقتصاد السوري على تمويل مرحلته المقبلة.
فإذا كان المطلوب الانتقال من اقتصاد يغلب عليه النقد إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الوساطة المصرفية، وتمويل الاستثمار وقطاع الأعمال وإعادة الإعمار، فإن المصارف ستحتاج إلى كوادر تستطيع تقييم المشروعات، وإدارة المخاطر، وتمويل التجارة، والتعامل مع المستثمرين والبنوك والمؤسسات المالية الدولية.
ومن هنا يضع محي الدين المسألة في إطار أوسع: رأس المال البشري ليس ملفاً إدارياً داخل المصرف، بل أحد محددات قدرته على خدمة الاقتصاد.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يحكم عملية الإصلاح، بحسب رؤيته، ليس عدد الموظفين الموجودين في المصارف، وإنما مدى امتلاك هؤلاء الموظفين المهارة المناسبة، في المكان المناسب، والقدرة على التعامل مع متطلبات المصرف الحديث.
فإعادة بناء المصرف السوري، في هذه المرحلة، تعني أيضاً إعادة بناء الثقة والكفاءة والنزاهة داخله. وإذا نجحت المصارف في استعادة الكفاءات، وإصلاح منظومة التوظيف، وتحسين الأجور، والاستثمار في التدريب والانفتاح على الخبرات الدولية، فإن رأس مالها البشري يمكن أن يتحول من أثر من آثار سنوات العزلة إلى إحدى أهم أدوات تمويل الاقتصاد السوري في مرحلة إعادة الإعمار.
العين السورية









