أن يسجل سعر صرف الليرة في السوق السوداء خلال الأيام القليلة الماضية رقماً قياساً بلغ نحو 388 ليرة للدولار الواحد، فهذا تطور لا يمكن تفسيره إلا بواحد من الأسباب التالية:
-إما أن هناك أسرار كبرى لا تستطيع الحكومة والمصرف المركزي البوح بها لعامة الشعب، وهذه الأسرار هي التي تتسبب بالتقلبات الحادة في سعر الصرف، وهدر كميات من القطع تحت عنوان التدخل الإيجابي في السوق دون أن تحقيق الاستقرار المنشود…لكن ماذا يمكن أن تكون تلك الأسرار؟ وهل هي خطيرة إلى درجة تفضل الحكومة أن تتلقى الانتقادات والاتهامات على البوح بها؟.
-السبب الثاني يتمثل في تحمل إدارة السياسة النقدية المسؤولية الكاملة نظراً لعدم قدرتها على ضبط سعر الصرف، واتخاذ الإجراءاتالعلمية والفعلية القادرة على تحقيق ذلك، وما يدفع نحو هذا السبب قرارات عديدة اتخذها المركزي وثبت عدم صحتها بدءاً من المزادات الشهيرة، مروراً بالتدخل عبر مؤسسات وشركات الصرافة التي كان بعضها يضارب بالدولار الرسمي على الليرة، ومن ثم إجراءات التدخل غير التقليدية، فالإعلان عن التدخل في سوق بيروت…وغيرها.
-السبب الثالث يذهب إلى وجود مافيا كبرى تتلاعب بسعر الصرف لتحقيق أرباح ومصالح كبيرة، ولا قدرة للحكومة على مواجهتها، وهذا أمر له الكثير من المبررات الداعمة، وأكثر من ذلك هو حديث “الهمس” بين بعض المسؤولين ورجال الأعمال والاقتصاديين.
-الخيار الرابع وهو الأكثر واقعية، ويتكون من مزيج للخيارات الثلاثة السابقة، إذ لا يمكن تحميل جهة واحدة مسؤولية تدهور سعر الصرف، فـ”الحظ” العاثر للعملة في هذه الأزمة جعلها تدفع ضريبة قرارات خاطئة وغير مسؤولة، سياسات اقتصادية عقيمة وسطحية، ومافيا تستغل الأزمة لتحقيق مصالحها بغض النظر عن مدى إسهام ذلك في استنزاف البلاد اقتصادياً، وتوسيع حزام الفقر والحرمان لدى السوريين.
بعد هذه التقلبات في سعر صرف الليرة مقابل الدولار وما يعنيه ذلك من تمهيد لموجة غلاء قاتلة، فإنه من حقنا كمواطنين أن نعرف من الذي يتلاعب بلقمة عيش السوريين…من الذي يتسبب باستنزاف اقتصادنا…من الذي يكدس أموالاً على حساب أرواح الآلاف من الأبرياء والشهداء…من الذي يشغل منصباً ويستثمره لمصالحه الشخصية…من الذي يشغل منصباً ليس أهلاً له؟.
من السذاجة أن يتم تقديم مبررات أقل ما يقال عنها إنها “تستغبينا” كمواطنين…مبررات “شخصية” وحتى إن صدقت، فمسؤوليتها تتحملها الحكومة التي أهملتها، أو عجزت عن استشرافها ومواجهتها قبل حدوثها.
ما يجب الانتباه إليه هو أن يتحولالقلق في الشارع بعد موجة الانخفاض الأخيرة لسعر صرف الليرة…إلى خوف، ومثل هذا الشعور يتبعه سلوك وقرارات يمكن أن تشكل في الأيام القليلة القادمة ضغوطاً متزايدة على سعر الصرف، ولذلك لابد من قرارات تصحيحية وحاسمة ونتائج تقود إلى استقرار سعر متوازن.
هام1: قدمت الحكومة ممثلة برئيسها والمصرف المركزي بحاكمه عدة مبررات لتقلبات سعر الصرف خلال السنوات الثلاث السابقة منها: المضاربون المحليون، المضاربون الخارجيون، المواقع الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي، زيادة وتيرة النشاط الصناعي، صفقات المازوت التي سمح للبعض من القطاع الخاص باستيرادها، المهاجرون،…. وغيرها، وللمصادفة جميع هذه المبررات لا تتحمل الحكومة أو المركزي مسؤوليتها، وإنما “جشعنا نحن المواطنون” الذين لا نملك حس المسؤولية، ولا تقدير خطورة الظروف التي تمر بها البلاد!!.
زياد غصن – سيرياستيبس









