تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية( نبضُ الجذور) للأديبة فاطمة صالح صالح- الجزء السادس

12033549_954955724592396_544613874_n

تنقّلتُ في أماكن كثيرة من الأرجنتين، مما أكسبني خِبرة كبيرة.. لكنّ أغلب معارفي كانوا من المغتربين العرب..
مازلت أذكر – وبكل وضوح – حادثة، لا يمكن أن تغرب عن ذهني، مَرّت معي في ذلك الزمان..
مرّة، كنت أسرح بخرافي، في إحدى المقاطعات الجبلية، أحمل وعاء ماء للشرب، وخبزاً، ومَتّة، وبعض الطعام المعلّب، وزجاجة يود لتعقيم الجروح..
كنت بمفردي هذه المرة.. في مرات كثيرة كنت أصطحب رفيقاً، لأنّ الأمن قليل هناك، والسلامة غير مضمونة، والجريمة ليست نادرة الحدوث.. لكن، ما كان يطمئنني، أنني غريب، لا لي.. ولا عَليّ.. قليلاً ما يعرفني أحَدٌ، أو أعرف أحداً، والفقر واضح عليّ.. فما الذي يدعو أحداً للإعتداء عَليّ..؟! لكنني، للحيطة، كنت آخذ معي سكيناً، أخفيها في ثيابي، أستعمِلها لقطع بعضِ الأغصانِ، لأهشّ بها على دوابّي..
اقتربتُ من أماكن سكنية.. رأيتُ بيتاً مُنفرداً، وسمعت شِجاراً حادّاً يجري بين رجُلين، لم يلبث أن انضمّ إليهما ثالث…
راقبتُ الموضوع عن بُعد، لكنني توَفّزتُ – بدِماءِ العربيّ الشهم، الذي لا يستطيع الوقوف مكتوف الأيدي، وهو يرى اعتداءً على مَظلوم -.. مع أنني لم أكنْ أعرف الظالِمَ من المَظلوم.. لكنني رأيتُ اثنين من المُتشاجِرين يضربان الآخرَ بوَحشيّةٍ أرعَبتني، واستنفرَت إنسانيّتي…
12717853_954624567958845_1837320488439438027_nاقترَبتُ، وصرخت بهِما.. لكنهما هَدّداني، إن تدَخّلتُ…
كان صاحب المَحَلِّ وابناهُ يراقبون الحادثة، كأنها شيءٌ عاديّ… وفي آخر المَطاف، ضرَب أحَدهما الرجُلَ بآلةٍ حادّةٍ في بَطنهِ، وهَرَبا…
صَرَخَ صَرخةً قاتِلة، وسَقطَ على الأرضِ، مُضَرّجاً بدِمائهِ، وأمعاؤهُ نافرة خارج بطنه..
أسرَعتُ نحوَ الضحية، عَلّي أستطيعُ مساعدته.. بينما أغلَق أصحابُ المَحَلّ دكّانهم، وأقفلوهُ من الداخل.. خافوا من أن يُتّهَموا بالفِعلِ، عندما تأتي الشرطة…
وبسرعةِ البَرقِ، نادَيتهم – عندما رأيتُ خطورةَ جرحِ الرّجل – ورحتُ أطرقُ على بابِ المحلّ :
-إن لم تفتحوا، سأخبرُ الشرطة أنكم أنتم الفاعِلون..
كَرّرتُ لهم تهديدي ووَعيدي.. ففتحوا الباب…
طلبتُ منهم أن يُحضروا ماءً، ويساعِدوني في إنقاذ الرجل..
أحضروا الماءَ، وبعضَ الخرق النظيفةَ من بيتهم..
غسَلتُ جُرحَ الرجلِ، بكلِّ ثقةٍ، وقوّةِ قلب… سَكَبتُ زجاجةَ اليودِ كامِلةً فوق بطنهِ المَفتوحِ، ثمّ تناوَلتُ من جَيبي إبرَةً لخياطةِ القِماشِ، وخيطاً مَتيناً.. جَمَعتُ أمعاءَ الرجلِ النظيفةَ والمُعَقّمة، وأدخَلتُها في بطنهِ، وخِطتُ الجلدَ عليها، ثمّ لَففتُ البطنَ بالكامِلِ، بالخروقِ النظيفةِ التي أحضَرَها أصحابُ المحلّ..
قرأتُ عليهِ بعضَ الآياتِ القرآنيةِ، وبعضَ الأدعِية.. وأمَرتُ أصحابَ المحلِّ أن يحملوه إلى بيتهم، وأن يعتنوا به، إلى أن يشفى.. وكَرّرتُ تهديدي، إن لم يفعلوا، فسأخبرُ الشرطة أنهم هم المُعتَدون..

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات