
يتحوّل وادي النصارى تدريجياً إلى واحدة من أبرز الوجهات السياحية في ريف حمص الغربي، مع تزايد الإقبال عليه وتنامي الاهتمام الرسمي بتطويره كوجهة تجمع بين الطبيعة والسياحة الدينية والترفيهية، فالمنطقة التي تمتد بين محافظتي حمص وطرطوس، وتتميز بمناخ معتدل وطبيعة خلابة، أصبحت متنفساً رئيسياً للعائلات والزوار، ومصدراً مهماً للدخل بالنسبة لأصحاب المنشآت السياحية.
ومع هذا النشاط المتزايد، تتقاطع رؤى الجهات الرسمية وأصحاب المنشآت والسكان والزوار حول واقع الوادي، والتحديات التي يواجهها، والفرص التي يحملها مستقبله السياحي.
الاستثمار والتأهيل في صدارة الأولويات
أكدت مديرية سياحة حمص، في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن أهمية وادي النصارى تنبع من موقعه الجغرافي الذي يتوسط المنطقة الوسطى والساحلية والجنوبية، إضافة إلى كونه يجمع بين السياحة الطبيعية والدينية والترفيهية في منطقة واحدة، بفضل ما يمتلكه من مقومات طبيعية وعوامل جذب سياحية ومناخ معتدل صيفاً، مشيرة إلى أن الوادي يشكل حلقة وصل بين المسارات السياحية في محافظتي حمص وطرطوس.
وأوضحت المديرية أن المسارات السياحية في الوادي متنوعة، وأن جميع بلداته وقراه تتمتع بطبيعة خلابة ومناخ معتدل، وقد أُدرجت ضمن المسارات السياحية لمحافظة حمص التي يجري العمل على إطلاقها خلال الأعوام المقبلة بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وأضافت أن العمل جارٍ على تطوير وتأهيل المنشآت السياحية القائمة، ولا سيما المطاعم والفنادق، من خلال خطة أطلقتها وزارة السياحة لتأهيل فنادق النجمة والنجمتين عبر قروض ميسرة تهدف إلى تحسين جودة الخدمات.
كما تتوافر فرص استثمارية جديدة في قرى الوادي، ولا سيما في مرمريتا والناصرة وعمار الحصن، حيث وُضعت برامج استثمارية لهذه المواقع وطُرحت أمام المستثمرين بهدف جذب الاستثمارات المحلية واستثمارات المغتربين، إلى جانب استقطاب رؤوس الأموال الخارجية.
وذكرت المديرية أن الدراسات أظهرت وجود ضعف واضح في البنية التحتية، يشمل الطرق والإنترنت والكهرباء وشبكات الصرف الصحي، مؤكدة أن تطوير هذه الخدمات يتطلب تعاون عدد من الجهات الحكومية، وأن الوادي يحتاج إلى خطة متكاملة تشمل تأهيل الطرق العامة المؤدية إلى المنطقة، وتحسين الطرق الرابطة بين بلداته، وتطوير شبكات المياه والكهرباء والاتصالات.
وبالتوازي مع الحاجة إلى تحسين البنية التحتية، تعمل وزارة السياحة على تقديم تسهيلات للمستثمرين بهدف دعم المنشآت القائمة وتشجيع إطلاق مشاريع سياحية جديدة.
ولفتت المديرية أيضاً إلى أن الوزارة تعمل على تطوير التشريعات الخاصة بالاستثمار السياحي، إضافة إلى تقديم قروض ميسرة لدعم المنشآت المتضررة أو الراغبة في تحسين خدماتها، وتشجيع سياحة الأعمال والسياحة الاقتصادية من خلال التواصل مع المستثمرين.
وعن أبرز التحديات التي تواجه القطاع السياحي في الوادي، أوضحت المديرية أنها تتمثل في ضعف البنية التحتية، ونقص الاستثمارات، وموسمية النشاط السياحي، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع القدرة الشرائية للسياح المحليين، ولا سيما أن الحركة السياحية تعتمد بدرجة كبيرة على السياحة الداخلية والمغتربين، مع محدودية القدوم السياحي من الدول العربية والأجنبية، إضافة إلى انخفاض مستوى بعض الخدمات العامة المرافقة للمنشآت السياحية.
وشددت المديرية على أن المجتمع المحلي يسهم في دعم النشاط السياحي من خلال المنتجات المحلية والمشغولات اليدوية والمبادرات الأهلية المتعلقة بالنظافة وحماية البيئة، إلى جانب ما يتميز به أهالي الوادي من حسن الضيافة والاستقبال.
وتعتمد الاستراتيجية الترويجية على إبراز التكامل بين السياحة الريفية والدينية، والتوسع في التسويق الإلكتروني، وتطوير سياحة المغامرات والترفيه، إضافة إلى دعم الفعاليات المحلية، مثل كرنفال عيد السيدة، وسوق المهن اليدوية، وملتقيات الرسم والنحت وغيرها من الأنشطة.
وفي ظل الاهتمام الذي توليه الحكومة للقطاع السياحي عموماً، ولمنطقة وادي النصارى على وجه الخصوص، من المتوقع أن تشهد المنطقة توسعاً في الاستثمارات المرتبطة بالسياحة الريفية والبيئية المستدامة، إلى جانب استقطاب المزيد من رؤوس الأموال من خلال دعم الاستثمارات الوطنية والاستمرار في تطوير مشاريع السياحة الداخلية والشعبية، بما يسهم في زيادة أعداد الزوار والارتقاء بمستوى الخدمات وجودتها.
وبينما تطرح الجهات الرسمية رؤيتها لتطوير وادي النصارى، يعكس أصحاب المنشآت السياحية واقع العمل اليومي والتحديات التي تواجه القطاع على الأرض.
السياحة بين الواقع والطموح
تحدث جورج زوده، صاحب منشأتين سياحيتين في مرمريتا، لـ”الثورة السورية”، قائلاً: “شهد الموسم السياحي لهذا العام حركة نشطة وإقبالاً كبيراً، ولا سيما خلال فترة عيد الأضحى، حيث كانت أعداد الزوار لافتة وأسهمت في تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية في المنطقة”.
وأوضح أن العائلات شكلت الشريحة الأكبر من مرتادي المنشآت السياحية، في حين كان حضور المغتربين محدوداً نسبياً، ما جعل الاعتماد الأساسي على السياحة الداخلية.
وأضاف: “أثرت الظروف الاقتصادية الحالية في القطاع السياحي نتيجة التقلب المستمر في أسعار المواد الأولية، ما يفرض علينا إعادة دراسة الأسعار بشكل يومي لضمان تقديم خدمات تتناسب مع القدرة الشرائية للزوار، ولا سيما العائلات التي تتحمل أعباء مالية أكبر مقارنة بفئة الشباب”.
وأشار إلى أن منشأته تضم مطعماً في شارع المطاعم بمدينة مرمريتا، إضافة إلى مسبح يقع وسط الطبيعة، ويوفر أجواءً من الهدوء والترفيه، إلى جانب خدمات متنوعة تشمل المأكولات الشرقية والغربية، مع التركيز على معايير النظافة والجودة والراحة التي يبحث عنها الزوار.
وفيما يتعلق بالتحديات التشغيلية، بيّن أن أبرز الصعوبات تتمثل في ارتفاع تكاليف التشغيل وتقلب أسعار مستلزمات العمل، إضافة إلى بعض المشكلات المرتبطة بتأمين المواد الأساسية، ما يزيد من الأعباء الواقعة على أصحاب المنشآت السياحية.
ونوه بالدور الذي تقوم به الجهات المعنية في توفير الأجواء المناسبة للحركة السياحية، مشيداً بجهود وزارة الداخلية والجهات الشرطية والأمنية في حفظ الأمن وتنظيم حركة السير خلال المواسم والأعياد، الأمر الذي يسهم في توفير بيئة آمنة ومريحة للزوار.
كما أشار إلى وجود خطط مستقبلية لتطوير المنشآت السياحية وتوسيع الخدمات المقدمة، مؤكداً أن الاستثمار المستمر في القطاع السياحي يسهم في تعزيز مكانة المنطقة واستقطاب المزيد من الزوار.
وأعرب عن تقديره لجهود مديرية السياحة وتواصلها المستمر مع أصحاب المنشآت وحرصها على متابعة احتياجاتهم ومقترحاتهم.
ودعا إلى تعزيز الجهود التسويقية الخاصة بمنطقة وادي النصارى ومنشآتها السياحية، معتبراً أن التسويق يمثل أحد أهم عوامل نجاح الموسم السياحي، سواء على المستوى المحلي أو في استقطاب المغتربين والزوار القادمين من الدول العربية. وأكد أهمية التعريف بما تتمتع به المنطقة من مقومات طبيعية وسياحية وترفيهية، وما تستضيفه من فعاليات وأنشطة متنوعة.
وشدد على ضرورة إيلاء اهتمام أكبر بالسياحة الثقافية والدينية في وادي النصارى، لما تمتلكه المنطقة من إرث حضاري وديني ومواقع ذات أهمية تاريخية وسياحية، معتبراً أن هذا النوع من السياحة ما زال بحاجة إلى مزيد من الترويج والدعم، ومضيفاً أن تنشيط الفعاليات الثقافية والدينية والتعريف بها سيسهم في جذب شرائح جديدة من الزوار، ويعزز مكانة المنطقة كوجهة سياحية متكاملة تجمع بين الطبيعة والثقافة.
ومن زاوية أخرى، يبرز صوت الأهالي الذين يعيشون تفاصيل المكان يومياً ويرتبطون به بعلاقة وجدانية عميقة.
ويقول موريس سلامة، أحد سكان الوادي، في حديث لـ”الثورة السورية”: “شهد الوادي خلال الفترة الأخيرة تغيرات واضحة، خاصة على الصعيد السياحي، وأصبح هناك وعي أكبر بأهمية المنطقة كوجهة طبيعية وثقافية وسياحية، كما بات الناس أكثر حرصاً على إبراز جمالها والمحافظة عليها. وما تزال الطموحات كبيرة للمستقبل، فيما يحمل الاتجاه العام كثيراً من الأمل نحو واقع أفضل”.
وأضاف أن أكثر ما يميز وادي النصارى هو التناغم الفريد بين الطبيعة الخلابة والغنى السياحي والعمق التاريخي والروحي، فالمنطقة تزخر بالجبال والوديان والينابيع والمساحات الخضراء، إلى جانب المواقع السياحية التي تستقطب الزوار.
الثورة السورية – ديانا حموي









