تخطى إلى المحتوى

تسويق 860 ألف طن قمح.. مؤسسة الحبوب : المؤشرات إيجابية والاستيراد معلّق

تسويق 860 ألف طن قمح.. مؤسسة الحبوب لـ "الثورة السورية": المؤشرات إيجابية والاستيراد معلّق

رولا عيسى

يسجّل موسم القمح لعام 2026 في سوريا مؤشرات إيجابية لافتة حتى الآن، في ظل ظروف مناخية أفضل وإجراءات حكومية هدفت إلى دعم الفلاحين وتحفيز عمليات تسويق المحصول للمؤسسة السورية للحبوب.

ويأتي هذا التحسن بعد سنوات من تراجع الإنتاج بفعل الجفاف وتداعيات ما شهدته البلاد خلال السنوات الماضية، وتضرر البنية التحتية الزراعية والتخزينية، ما يضع الموسم الحالي في دائرة الترقب لجهة قدرته على ترسيخ هذه المؤشرات وتحويلها إلى نتائج أكثر استدامة في ملف الأمن الغذائي.

وتُظهر البيانات الرسمية أن وتيرة تسلم المحصول هذا العام تسير بمعدلات أعلى مقارنة بالفترة ذاتها من الموسم الماضي، ما يعزّز التوقعات بتحقيق أحد أفضل مواسم القمح خلال السنوات الأخيرة.

860 ألف طن

وفقاً لبيانات المؤسسة السورية للحبوب، بلغت الكميات المستلمة من محصول القمح في المحافظات حتى يوم الجمعة الماضي 860 ألف طن، مع استمرار عمليات التسويق بوتيرة مرتفعة، بينما بلغت الكميات المستلمة في الفترة ذاتها من الموسم الماضي (2025) نحو 213 ألف طن.

وقال مدير عام المؤسسة حسن عثمان، لصحيفة “الثورة السورية”: إن المؤشرات المتوفرة لديها، وبالتنسيق مع وزارة الزراعة، تؤكد أن الموسم الحالي يختلف إيجابياً عن الموسم الماضي، بفضل الهطولات المطرية التي أسهمت في تحسين الإنتاج.

وأوضح عثمان أن إجمالي الكميات المستلمة خلال الموسم الماضي لم يتجاوز 375 ألف طن، في حين تمكنت المؤسسة هذا العام من تجاوز هذا الرقم منذ بداية الموسم والوصول إلى 860 ألف طن، رغم تأخر موعد الحصاد نتيجة الظروف الجوية، ما يعكس التحسن الواضح في إنتاجية الموسم الحالي.

وفيما يتعلق بمراكز التسلم والتسهيلات المقدمة للفلاحين، أوضح عثمان أن المؤسسة اعتمدت 82 مركزاً للتسلم موزعة في مختلف أنحاء سوريا، جرى تجهيزها بالأجهزة الفنية، والمسابر الآلية، والسيور الناقلة، والمستلزمات كافة، إضافة إلى تشكيل طواقم شراء متخصصة في كل مركز، وفرق تسويقية ميدانية مهمتها متابعة سير عمليات الشراء والتأكد من سلامة الإجراءات.

التسلم المرن

اعتمدت المؤسسة السورية للحبوب هذا الموسم حزمة من التسهيلات المباشرة للمزارعين، شملت إطلاق منصة رقمية لحجز الدور المسبق، وتطبيق آلية “التسلم المرن” لتبسيط إجراءات دخول الشاحنات والوزن وأخذ العينات والتحليل والتفريغ.

كما تضمنت التسهيلات صرف مكافآت تشجيعية، والإعفاء من رسوم التحاليل، وصرف المستحقات المالية بشكل فوري لتخفيف الأعباء عن الفلاحين، وفق مدير عام المؤسسة حسن عثمان.

وتتحمل المؤسسة أيضاً تكاليف نقل محصول القمح من محافظة الحسكة إلى مراكز حمص ودمشق، بهدف تسهيل عمليات التسليم وتخفيف الضغط عن مراكز التسلم في الحسكة.

بالمقابل، تواجه المؤسسة عدداً من التحديات، وفق ما أوضح عثمان، أبرزها واقع الصوامع ومراكز التخزين التي تعرضت خلال السنوات الماضية لإهمال وأضرار كبيرة، ما يجعل إعادة تأهيلها وإصلاحها تتطلب عاماً كاملاً أو أكثر لاستعادة طاقتها التشغيلية.

وأضاف أن المؤسسة تواجه تحدياً آخر يتمثل في تأخر عمليات الحصاد نتيجة الظروف الجوية، ما أدى إلى ضغط لوجستي كبير لاستيعاب كميات كبيرة خلال فترة زمنية محدودة.

وأكد أن المؤسسة تعمل بشكل مستمر على تأمين جميع مستلزمات مراكز التسلم، ومعالجة أي عقبات إدارية، بما يضمن تسليم الفلاحين لمحصولهم بسهولة ويسر، إلى جانب التنسيق الدائم مع الجهات المعنية لضمان صرف مستحقاتهم المالية دون أي تأخير.

وبخصوص مدة استمرار عمليات تسلم القمح، أوضح عثمان أن الموسم لا يزال في بداياته، وأن عمليات التسلم مستمرة وفق الواقع الفعلي للتسليم والأدوار المحجوزة عبر المنصة الإلكترونية التي تحدد مواعيد التسليم، إضافة إلى حجم الكميات المسلمة ومستوى الإنجاز المتحقق، مؤكداً أن المؤسسة ستواصل استقبال محصول القمح حتى آخر دور محجوز على المنصة.

مخزون كافٍ

فيما يتعلق بالمخزون الاستراتيجي، أكد عثمان أن مؤسسة الحبوب تحتفظ حالياً بمخزون كافٍ من القمح يغطي الاحتياجات التموينية الأساسية خلال المدى المنظور، مشيراً إلى أن هذا المخزون يتعزز يومياً مع استمرار عمليات التسليم والكميات الجيدة الواردة، ما يسهم في تلبية احتياجات السوق المحلية من مادتي الخبز والطحين، وضمان استقرار توافرهما للمواطنين، وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي.

أما بشأن استيراد القمح خلال الفترة المقبلة، فأوضح عثمان أن المؤسسة قررت إيقاف استيراد القمح طوال فترة موسم الشراء الحالي، مبيناً أن أي قرار يتعلق باستئناف الاستيراد أو إيقافه بشكل نهائي سيتم اتخاذه بعد انتهاء الموسم، وذلك بناءً على الكميات الفعلية المستلمة ومدى قدرتها على تلبية احتياجات المخزون الاستراتيجي.

واختتم عثمان حديثه بالتأكيد أن المؤشرات الأولية ومعدلات الاستلام المرتفعة تبعث على التفاؤل، موضحاً أنه من المتوقع أن تلبي الكميات المستلمة خلال الموسم الحالي احتياجات سوريا من القمح، بما قد يتيح الاستغناء عن الاستيراد خلال العام الجاري، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة انتظار نهاية الموسم ومعرفة حجم الكميات المخزنة بشكل نهائي قبل اتخاذ القرار النهائي بشأن وقف الاستيراد أو استمراره.

المؤشرات الاقتصادية

رأت الخبيرة التنموية والاقتصادية الدكتورة زبيدة القبلان، أن المؤشرات الأولية لموسم القمح الحالي تعكس تحسناً واضحاً مقارنة بالموسم الماضي، سواء من حيث حجم الكميات المستلمة أو الإجراءات التنظيمية التي اتخذتها المؤسسة السورية للحبوب لتسهيل عمليات التسويق، معتبرة أن هذه النتائج تعكس أثراً إيجابياً لتحسن الظروف المناخية، إلى جانب الجهود المبذولة في إدارة الموسم.

وأضافت القبلان لصحيفة “الثورة السورية”، أن تجاوز الكميات المستلمة حاجز 860 ألف طن في هذه المرحلة يعد مؤشراً مشجعاً على تعزيز الأمن الغذائي، إلا أن نجاح الموسم لا يقاس بحجم الإنتاج فقط، وإنما بقدرة الدولة على إدارة سلسلة القيمة كاملة، بدءاً من دعم الإنتاج، مروراً بالتخزين والنقل، وصولاً إلى التصنيع والتوزيع.

وأشارت إلى أن ما أُعلن عن تضرر الصوامع ومراكز التخزين نتيجة تداعيات السنوات الماضية، يبرز الحاجة الملحة إلى إطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل البنية التحتية الخاصة بتخزين الحبوب، لأن زيادة الإنتاج دون توفير طاقات تخزينية حديثة قد تؤدي إلى خسائر في المحصول وارتفاع تكاليف الإدارة.

وأكدت القبلان أن قرار التريث في استيراد القمح خلال موسم الشراء يعد قراراً اقتصادياً سليماً، لأنه يمنح الأولوية لتسويق الإنتاج المحلي ودعم الفلاح السوري، لكن قرار وقف الاستيراد بشكل نهائي يجب أن يستند إلى تقييم علمي ودقيق لحجم المخزون الاستراتيجي، ومعدلات الاستهلاك السنوي، والاحتياطي المطلوب لمواجهة أي ظروف استثنائية.

الاكتفاء الذاتي

اقترحت القبلان مجموعة من الخطوات لتعزيز نجاح مواسم القمح القادمة، بينها:

– وضع خطة وطنية لإعادة تأهيل الصوامع ومراكز التخزين وفق معايير حديثة تقلل الفاقد وتحافظ على جودة المحصول.

– الاستمرار في تطوير المنصة الإلكترونية الخاصة بتسويق القمح، وربطها بمنظومة دفع إلكتروني تضمن سرعة صرف مستحقات الفلاحين.

– توسيع برامج دعم المزارعين من خلال توفير البذار المحسنة والأسمدة والمحروقات بأسعار مدعومة بما يضمن استدامة زيادة الإنتاج.

– الاستثمار في الصناعات التحويلية المرتبطة بالحبوب، بما يرفع القيمة المضافة للإنتاج المحلي ويعزز مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني.

– إعداد استراتيجية وطنية طويلة الأمد للأمن الغذائي، تقوم على تحقيق التوازن بين الإنتاج المحلي والمخزون الاستراتيجي بما يقلل الاعتماد على الأسواق الخارجية، ويحمي البلاد من تقلبات الأسعار والأزمات العالمية.

وشددت القبلان على أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح يجب أن يكون مشروعاً استراتيجياً مستداماً يعتمد على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز كفاءة إدارة الموارد، بما يرسخ الأمن الغذائي ويحقق استقراراً اقتصادياً على المدى الطويل.

ورغم المؤشرات الإيجابية، يبقى نجاح الموسم مرهوناً بقدرة الجهات الحكومية على استيعاب الكميات المتزايدة، وإدارة عمليات التخزين والنقل بكفاءة، في ظل التحديات التي تواجه الصوامع ومراكز التخزين بعد سنوات من الأضرار التي لحقت بها، كما تبرز تساؤلات حول مدى قدرة الموسم الحالي على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليص الحاجة إلى استيراد القمح، وهو ما يتوقف على حجم الكميات النهائية المسلمة ومستوى المخزون الاستراتيجي مع انتهاء موسم الحصاد.

الثورة السورية

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك