
*د. جوليان بدور:
أعترف بكل صراحة أننا، نحن أطفال القرى، كنا ننظر أحياناً إلى أطفال المدن بشيء من الغبطة. ففي الوقت الذي كانوا يقضون عطلهم الصيفية بين الألعاب والحدائق وأجواء الترفيه، كنا نحن أبناء الريف نمضي عطلتنا الصيفية بين الحقول والهضاب، نرعى الأبقار، ونجني المحاصيل، ونعمل إلى جانب آباءنا منذ سنواتنا الأولى. لكننا لا نحسدهم لا هم ولا الأطفال الذين ولدوا في أكثر المدن المشهورة في أوروبا وأمريكا.
منذ أن بلغت الخامسة أو السادسة من عمري، أوكل إليّ والدي، رحمه الله، مهمة رعاة الأبقار خلال العطلة الصيفية. كان قطيعنا يضم ثورين مخصصين للحراثة هما “غزيل الأسمر والجميل” و”دعبول الأشقر” وبقرة حلوب، ودابة كبيرة بحجم البغلة، إضافة إلى بعض العجول والخراف في بعض المواسم.
بكل تاكيد المهمة كانت كبيرة بالنسبة لطفل صغير مثلي ، لكنها كانت في الوقت نفسه مدرسة حقيقية تعلمت منها الكثير .
• كان يومي يبدأ قبل شروق الشمس، حيث أستيقظ باكراً لأقود القطيع إلى الأرض التي كان والدي يحددها لي في مساء اليوم السابق. ورغم أن الاستيقاظ المبكر كان يحرمني أحياناً من النوم الكافي، إلا أنه علمني قيمة الانضباط والالتزام.
• كما كنت أسير كل يوم مسافات طويلة بين الهضاب والوديان، باحثاً عن مراعي للقطيع، وهو ما سمح لي بمعرفة أراضي قريتي شبراً شبراً، وأحفظ طرقها وحقولها أكثر مما يحفظها كثير من الكبار.
• أما قيادة وحراثة القطيع فلم تكن سهلة في البداية، فالثوران والدابة لم يكونوا يهابوني كثيراً بسبب صغر سني وقامتي ، ولم يكن القطيع يعبأ كثيراً بصراخي وأوامري، الأمر الذي كان يدفعني إلى الركض خلفهم معظم ساعات النهار. لكن مع مرور الوقت تعلمت أن القيادة لا تعتمد على القوة وحدها، بل على الصبر والخبرة والهدوء.
• وكانت الدابة، أو الجحشة بعيد عنكم، أكثر أفراد القطيع عناداً واستفزازاً . فكلما حاولت امتطاءها، كانت تخفض رأسها وتضرب الأرض بحوافرها، قبل أن تندفع نحوي محاولة ركلي برجليها (تلبطني) وكأنها تعلن رفضها لذلك. هذه الحركات كانت تخيفني كثيراً. مما زاد من تعبي لأنني كنت أمضي كل النهار بالمشي والركض وراء القطيع. لكن بنفس الوقت هذه الحادثة علمتني أن لكل مخلوق طباعه الخاصة به والتي تحتاج إلى فهم قبل محاولة السيطرة عليها.
• في بعض ألأيام ومن شدة النعس، كنت أحياناً أمسك بذيل البقرة وأحاول أن أغفو ثواني أو دقائق قليلة وأنا أسير خلفها، لكن وعورة الطرق وكثرة الحجارة كانت تحول دون ذلك كنت تفركش بالحجارة الموجودة بكثافة على الطريق وأستيقظ، فأتابع طريقي بابتسامة طفل يحاول أن يتغلب على التعب.
• لم تكن ملابسنا أو أحذيتنا تساعدنا كثيراً في تأدية واجبنا . فكنا ننتعل أحذية بسيطة من الكاوتشوك، أو “شحاطات” متواضعة، لهذا السبب كانت رجلينا وأقدامنا تمتلئ بالخدوش والجروح والدم بسبب ركضنا خلف القطيع، لأن أنظارنا كانت مصوبة تجاه القطيع وليس على ما هو موجود على الأرض من شوك وأغصان الديس المليئة بالإبر . ومع ذلك، كنا نعود إلى بيوتنا راضين ومبسوطين دون عناء أو بكاء ، نشعر أننا أنجزنا عملاً له قيمة.
يوم لا أنساه
من أجمل الذكريات التي ما زالت محفورة في قلبي صورة والدتي المرحومة أم وحيد، وهي توقظني كل صباح بصوتها الحنون قائلة:
“قوم يا ابني وحيد وفيق… الله يخليك، قوم فكّ البقرات وخذها إلى المرعى، هلق بيكونوا ماتوا من الجوع.”
وفي أحد الأيام، أيقظتني المرحومة كعادتها، ورأتني قمت وبلشت أفرك عيني، فظنت أنني استيقظت تماماً وذهبت إلى عملها. لكن النعاس كان أقوى مني في ذلك الصباح. بعد ما ذهبت والدتي إلى الحقل قلت لحالي: “سأنام دقيقتين فقط وبفيق بعدين”، لكن لسوء الحظ دخلت بنوم عميق استغرق اكثر من ساعة.
لم يوقظني هذه المرة صوت أمي، بل خوار الأبقار الجائعة. فتحت عيني مذعوراً، فإذا بالشمس قد “ضحّت وارتفعت في السماء. قفزت من فراشي مسرعاً، وخرجت بالبجامة، وسقت القطيع إلى أقرب مرعى، بدلاً من الأرض التي كان والدي قد طلب مني الذهاب إليها.
وعندما عدت ظهراً، ناداني والدي المرحوم قائلاً:
“وحيد… تعى لهون ولك. ليش ما أخدت البقرات إلى أرض البخيلة؟”
وقفت أمامه مطأطئ الرأس، لا أعرف ماذا اقول للأنني كنت مذنب . قلتلو والله يا بيي فيقتني أمي . بس شفت حالي نعسان كتير . قلت لحالي بدي نام اسى دقيقتين وبفيق بعدين وباخد البقرات على المرعى. بس يبدو انني، وهنا لم أتمكن من تمالك نفسي وبدأت بالبكي، غلطت لان النعس كان اقوى من إرادتي. هنا حملني والدي المرحوم بين يديه وباسني على خدي وقال لي “يا أبني القطيع إذا ما أكل ما فينا نفلح الأراضي ونزرعها وما فينا ناكل لا لبن ولا وجبنة ولا ومتبل ولا سوركي “.
كانت كلمات بسيطة، لكنها تركت في نفسي أثراً عميقاً. يومها فهمت أن المسؤولية، مهما بدت صغيرة، ترتبط بحياة الآخرين ورزقهم، وأن إتقان العمل هو احترام لجهد الأسرة كلها.
واليوم، وبعد مرور كل تلك السنوات، أدرك أن رعاية الأبقار لم تكن مجرد عمل شاق، بل كانت مدرسة حقيقية صنعت شخصيتي. فيها تعلمت الصبر، والانضباط، وتحمل المسؤولية، والاعتماد على النفس، واحترام قيمة العمل، وتقدير تعب الوالدين.
رحم الله تلك الأيام الجميلة، ورحم الله والديّ اللذين غرسا فينا هذه القيم النبيلة. قد تكون الحياة يومها قاسية وأقل رفاهية مما هي عليه اليوم، لكنها كانت أكثر دفئاً، وأكثر قرباً بين الناس، وأكثر وفاءً وتعاوناً وإنسانية.
وكلما استعدت تلك الذكريات، أشعر بالامتنان لأنها ساهمت في تشكيل الإنسان الذي أصبحت عليه اليوم.
طابت أوقاتكم.
د. جوليان بدور (باحث اقتصادي واكاديمي في جامعة ريونيون الفرنسية)









