تخطى إلى المحتوى

في المطعم قل نعم… وفي المصنع قل لا

المقال السادس من سلسلة: أخطاء رجل المبيعات تؤدي إلى خسائر فادحة للشركات

 

بقلم: إبراهيم عمر الطيب

 

 

في المقالات السابقة، تحدثنا عن أخطاء قاتلة: محاسبة رجل المبيعات قبل تدريبه، وإغفال التفاصيل التي يظنها بديهية، وبيع المنتج بدلاً من بيع الحل، والصيد في ماء العميل الحالم، والخصم الذي يسبق القيمة.

 

واليوم نقف عند خطأ من نوع مختلف. خطأ لا يقع فيه رجل المبيعات وحده، بل يشاركه فيه مديره، بل وثقافة الشركة بأكملها. إنه الخطأ الذي يحول شعاراً جميلاً إلى أداة تدمير.

 

إنه الخطأ الناتج عن سوء فهم قاعدة: “العميل دائماً على حق”.

 

 

الشعار الذي تحول إلى فخ

 

هذه القاعدة وُلدت في فنادق لندن ومطاعم باريس قبل قرن من الزمان. كانت تعني ببساطة: “لا تجادل زبوناً على ذوقه”. إذا طلب الزبون شريحة لحم مطهوة أكثر من اللازم، فلا تقل له إن هذا خطأ. إذا أراد غرفة في أقصى الممر، فلا تجبره على الغرفة المطلة على البحر.

 

في هذه المؤسسات، القاعدة صحيحة. لماذا؟

 

لأن العلاقة هنا هي علاقة ذوق. المنتج بسيط. ثمنه صغير نسبياً. عواقب الخطأ محدودة. أسوأ ما يمكن أن يحدث أن الزبون لا يستمتع بوجبته. فتعوضه بوجبة أخرى، أو تقدم له خصماً. العلاقة قصيرة. والأثر محدود.

 

ثم… تسربت هذه القاعدة إلى كل شيء. إلى المصانع. إلى المعارض. إلى بيع خطوط الإنتاج. تسربت دون أن يسأل أحد: هل تصلح هنا؟

 

والكارثة أن كثيراً من المدراء ورجال المبيعات لم يسألوا هذا السؤال. بل حفظوا القاعدة عن ظهر قلب، وطبقوها بلا عقل، وحولوها إلى فخ يقتل سمعة شركاتهم.

 

 

لماذا لا تصلح هذه القاعدة في الصناعة؟

 

عندما يأتيك عميل لشراء خط إنتاج، الوضع مختلف تماماً. هو لا يأتيك لأنه “جائع” ويريد أن “يشبع” رغبة عابرة. هو يأتيك ليستثمر مدخرات عمره. ليؤسس مشروعاً سيُطعم عائلته وعائلات موظفيه.

 

في هذه الحالة، العلاقة لم تعد علاقة “بائع ومشتري”. بل أصبحت علاقة “طبيب ومريض”. والعميل هنا ليس خبيراً. هو قد يكون سمع عن الماكينة من صديق. قرأ عنها في الإنترنت. رأى منافسه يستخدمها. لكنه لا يعرف شيئاً عن تعقيداتها التقنية. لا يفهم في المواد الخام. لا يدرك أبعاد الصيانة الدورية. لا يعرف أن هذه الماكينة تحتاج تياراً كهربائياً معيناً، أو أنها لا تتحمل الرطوبة العالية في منطقته، أو أن قطع غيارها تستغرق شهرين حتى تصل.

 

هو جاهل في المجال الذي أنت خبير فيه. وهو يضع بين يديك أمواله وثقته. فإذا قال لك: “أريد ماكينة بهذه المواصفات”، وأنت تعلم أن هذه المواصفات ستسبب له كارثة، ثم تقول له: “حاضر يا أستاذ”…

 

فأنت لا تخدمه. أنت تخونه.

 

أنت لم تكن بائعاً. بل كنت شريكاً في جريمة. جريمة قتل حلمه. حلمه في مصنع ناجح، في مستقبل أفضل، في حياة كريمة.

 

العميل الذي تقول له “نعم” على كل ما يطلبه اليوم، سيعود إليك غداً غاضباً. لن يشكرك على “احترامك لرأيه”. بل سيصرخ في وجهك: “لماذا لم تخبرني؟!”. وحينها، ستكتشف أن كلمة “نعم” التي أرضته شهراً… ستحرق سمعتك عمراً.

 

 

المدير الجبان… هو من يبرمج هذه الكارثة

 

هنا نصل إلى أصل الداء. رجل المبيعات الذي يقول “نعم” لكل طلبات العميل، لم يولد هكذا. هو صُنع. صُنع على يد مدير جبان.

 

المدير الذي يوبخ رجل مبيعاته لأنه نصح العميل قائلاً: “هذا الطلب سيضرك”. المدير الذي يقول له: “من أنت حتى تنصحه؟! أأنت أذكى من العميل؟! دعه يشتري ما يريد، المهم أن نغلق الصفقة!”. المدير الذي يردد شعار “العميل دائماً على حق” كالببغاء، دون أن يفهم متى وأين.

 

هذا المدير:

 

· يخاف على عمولته، لا على سمعة شركته: يريد أن يغلق الصفقة اليوم، ليظهر تقرير المبيعات جميلاً. مشاكل الغد… للغد.

· لا يثق بخبرة فريقه: يرى في نصيحة رجل المبيعات “تهرباً” من البيع، لا أمانة في النصح.

· يخلق ثقافة “النوادل” لا “المستشارين”: يبرمج فريقه على الطاعة العمياء. يقتل فيهم روح المبادرة والتفكير. يحولهم إلى آلات أخذ طلبات. وأي منافس يستطيع أن يقدم “نعم” أرخص منهم، فيخسرون كل شيء.

 

رجل المبيعات الذي عوقب بسبب أمانته، لن ينساها. سيتحول إلى موظف روتيني. يبيع ما يُطلب منه. لا يهتم بمصلحة العميل ولا بمصلحة الشركة. يهتم فقط براتبه. وهذا هو الموت البطيء لأي مؤسسة.

 

 

الحل: “نحن أطباء… لا نوادل”

 

الحل يبدأ من قمة الهرم. من المدير الذي يريد أن يبني شركة عظيمة. الحل في ثلاث خطوات:

 

الخطوة الأولى: كافئ الشجاعة، لا التملق

 

عندما يأتيك رجل مبيعات ويقول: “لقد نصحت العميل بألا يشتري هذه الماكينة لأنها لا تناسبه. وقد خسرت الصفقة”. لا توبخه. لا تحاسبه. بل كافئه. قل له أمام الجميع: “أحسنت. لقد حميت سمعتنا. لقد أنقذتنا من مشكلة مستقبلية”.

 

بهذه المكافأة، أنت لا تشجع موظفاً واحداً. بل ترسل رسالة لكل الفريق: “نحن هنا لا نبيع فقط. نحن نحمي. نحن ننصح. نحن شركاء نجاح”.

 

الخطوة الثانية: علّم فريقك كيف يقول “لا” بأدب

 

لا تطلب منهم أن يكونوا وقحين. لا تطلب منهم أن يرفضوا العميل. بل علمهم أن يقولوا: “أنا أفهم طلبك يا أستاذ. لكن بحكم خبرتي في هذا المجال، اسمح لي أن أوضح لك أمراً مهماً. هذه المواصفات التي تطلبها قد تسبب لك مشكلة في كذا وكذا. البديل هو كذا. القرار قرارك في النهاية، لكني شعرت بالأمانة أن أنصحك”.

 

هذه الصيغة تحقق ثلاثة أمور: تظهر احترامك للعميل، وتبرز خبرتك أمامه، وتحمي ضميرك.

 

الخطوة الثالثة: شارك فريقي قناعتي العميقة

 

أنا أقول لفريقي دائماً: “نحن لا نبيع منتجاً. بل نصنع نجاحاً. نجاح العميل هو نجاحنا. فشله هو فشلنا. لذلك، نحن لا نقبل صفقة تؤدي إلى فشل عميلنا. حتى لو طلبها هو. حتى لو أصر عليها”.

 

عندما يسمع فريقك هذا الكلام منك، وعندما يراك تطبقه عملياً، سيتغير كل شيء. سيتحولون من جبناء يخشون غضبك، إلى شجعان يحرسون سمعتك.

 

 

💎 الخاتمة: لكل مقام مقال

 

يا سادة، الخلاصة بسيطة: “قاعدة العميل دائماً على حق، تُطبق في خدمة الذوق، ولا تُطبق في صناعة المستقبل”.

 

في المطعم… قل نعم. العميل حر في ذوقه، وثمن الخطأ وجبة.

 

أما في المصنع… فقل لا. العميل ليس خبيراً، وثمن الخطأ عمر.

 

المدير الذكي هو من يفهم هذا الفرق. هو من يعلم رجال مبيعاته متى يقولون “نعم” ومتى يقولون “لا”. هو من يحولهم من نوادل يأخذون الطلبات، إلى مستشارين يصنعون النجاح.

 

فأي مدير أنت؟

 

 

في المقال القادم من هذه السلسلة، سنناقش خطأً آخر يقع فيه رجال المبيعات… ترى ما هو؟ شاركني توقعاتك. 💬

 

#أخطاء_رجل_المبيعات #العميل_دائماً_على_حق #فن_الإدارة #ريادة_الأعمال #إبراهيم_عمر_الطيب

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك