
خاص ..
لم أكن اظن اني ساقع في هذا الزمن الازرق على شاعر لديه من الاصالة الإبداعية ما يجعلني اثق ان الشعر العربي بخير.
لاسيما ان الكثيرين استسهلوا كتابة ما يسمونه شعرا سواء كان نثرا مسجوعا ام رصف كلمات ..المهم يظنون انهم شعراء.
لكن الابداع الذي تجذر في لغة العرب الاف السنين لايمكن ان يموت وان تكون فروعه وجذوره مجرد رصف لكلمات ما تكاد تكتب حتى تموت .
فكلما ظننا اننا قد وقعنا في قحط إبداعي فاذا بواحة اصيلة تتبدى وتعلن ظلال اخضرارها تنمو تكبر تشدنا اليها فاذا بها عربية اصيلة نقية.
لغة وجذورا وابداعا تمتد في الماضي لكنها بنت الحاضر تعرف كيف يكون الظل نديا أخضر.
لاتهرب من أصالة ولا تتفلت من معاصرة وحداثة وهي من ومضات المجتمع تحمل نبضه وتوثق ما فيه.
هذه حال شاعرنا الكبير جميل حداد امد الله بعمره .
في ديوانه التاسع الذي صدر منذ فترة قريبة في دمشق عن دار البشائر وقد حمل عنوان :سيرة نبض طويل ..
ويتوق لي ان اقول انه ديوان نبض ابداع أصيل..
يقدم الشاعر لديوانه قائلا :
(وأنا أبدأ بالديوان العاشر أشعر أن ورائي الكثير من الذكريات التي ستكون هبة للأجيال التي أخذت قصب السبق منها.
وقد تركتها معطرة بكل أنواع العطور التي استفاها قلمي من قلب عاش على
حب الناس وسيموت على حبهم الذي وهبه الله من كريم عطائه ومن مخزون رضاه الذي رافقني طيلة مسيرتي وكان عوني بالانتصار على كل المصاعب. وأتمناه عطاء ممزوجاً برضى الوالدين اللذين رحلا وتركا لي عبئا ما شعرت بثقله لآن شعوري بالواجب فرض نفسه على كل المشاعر.
وبدوري وأنا أكتب هذه الكلمات أتمنى أن تختزن فيها العبرة لأولادي وأحفادي برعاية من الله كما رعاني، ويمنحهم ما يسر لي من أشكال الرضى وأسبابه ليعيشوا سعداء، أمناء على رسالتي في حبّ الله وحب الوطن والناس التي تركتها لهم لتكون في إرثهم الأول وقدوتهم الزاكية.
وأن تبقى زوجتي الطاهرة راعية لهذه الرسالة مادامت على قيد الحياة ومن بعدي موصولة الرحمة مع الخالق الكريم)
و الاهداء النوراني الذي قدمه يكشف مكنونات العمق الاتساني ..
(الى وطني الذي لم يكن أرضا فحسب
بل ذاكرة تسكنني،
وصوتاً يعود إلي كلما ظننت أنني ابتعدت.
فيك تعلمت أن الانتماء ليس شعاراً، بل عهد صامت بين القلب والتراب.
هذا الديوان
ليس سوى بعض امتنان لكم جميعاً
لك.. لأنك كنت البداية
ولكم..
لأنكم المعنى،
ولك يا وطني… لأنك البقاء.
أنا جميل حداد،
ما كتبت لأدرك كمالاً،
بل لأقول شكراً بلغة تعرفها القلوب قبل الحروف)
هل من مزيد فوق هذا ..؟
لا اظن ان المفردات قادرة على اجتراح معان جديدة اكثر عمقا ودفئا والتصاقا بالناس والحياة اكثر مما قاله الشاعر..
ويكتب الشاعر مفيد خنسة مقدمة للديوان يقرأ فيها ملامح تجربة الشاعر حداد ومما قاله :
(ولا يغيب عن هذه التجربة الشعرية الاحتفاء بالتراث العربي والإسلامي حيث يستلهم الشاعر من ماضي الأمة رموزه وقيمه وصورة المشرقة فيعدو التراث في شعره مصدر إلهام واعتزازه وجسرا يربط الحاضر بجذوره الثقافية والحضارية
ومن موقعه كشاعر سوري يقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة يقل الحنين إلى الوطن حاضرا في وجناته، يتردد صداه في قصائده بوصفه شعورا إنسانيا عميقا، يجمع بين ذاكرة المكان الأول وتجربة الاغتراب، فتعلو القصيدة لديه مساحة يستعيد من خلالها ذكرياته الوطنية ويستحضر عبيرها ملامح الوطن في القلب واللغة
وهكذا يجيء هذا الديوان التاسع استمراراً لسيرة شعرية وفية للكلمة الصادقة وتجربة ذاتية تجمع بين أصالة الشكل الشعري وصدق التجربة الإنسانية، ليظل شعر جميل حداد شاهداً على حياة حافة بالذكريات والعلاقات والمواقف التي صاغها الشاعر في لغة الشعر العمودي وخلدها في ذاكرة القصيدة ليس بوصفه تقليدا شكليًا فحسب بل تعبيراً عن إيمان عميق بأصالة هذا النمط الشعري وقدرته المستمرة على احتضان التجربة الإنسانية والتعبير)
نعم من يقرأ شعر حداد يقع على كروم الجمال في اللغة ويجد نبض الحياة اليومية ..لقد طوع الشعر ليكون سجلا إنسانيا يخلد لحظات ولقطات الحياة بحلوها ومرها .
وما أجمل ان الشاعر قد مهد لكل قصيدة باضاءة تبين مناسبتها وكل المناسبات انسانية ووطنية وهي من نبض الحياة وجمالها .
الانسان نبض هذا الديوان كما الوطن كما كل شيء جميل في هذا العالم .
واذ كنا نقدم احاطة أولية حول الديوان فلنا عودة الى قصائده الثرة التي تحلق بنا في معارج النور.









