
*بقلم جوليان بدور :
من بين الكلمات التي لفتت انتباهي خلال الاجتماع الذي عُقد في قصر الشعب بدمشق، بحضور الوفدين السوري والفرنسي، كانت كلمة رودولف سعادة، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة “CMA CGM”.
ولم يكن سبب اهتمامي بها أنها جاءت مباشرة بعد كلمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على الرغم من مشاركة رؤساء عدد من كبرى الشركات الفرنسية، وفي مقدمتها “توتال إنرجيز”، بل لأن ما حملته من رسائل إنسانية واقتصادية كان أعمق من مجرد إعلان استثماري.
رودولف سعادة، المنحدر من أصول سورية، لم يُخفِ اعتزازه بوجوده في دمشق، وتحدث بلغة امتزج فيها الانتماء بالمسؤولية. وفي كلمته، أعلن استثماراً إضافياً بقيمة 200 مليون يورو، والتزام مجموعته باستكمال إعادة تأهيل مرفأ اللاذقية وتشغيله، وتوسيع استثماراتها وشراكاتها مع الدولة السورية خلال السنوات المقبلة.
ولعل ما يستحق التوقف عنده ليس قيمة الاستثمار
في حد ذاتها، بل الرسالة الكامنة وراءه. فحين يقرر رجل أعمال عالمي أن يستثمر في بلد تنحدر منه جذور عائلته، فإنه يبعث بإشارة تتجاوز الحسابات التجارية، مفادها أن الإيمان بالمستقبل يبدأ بالثقة، وأن الانتماء يمكن أن يتحول إلى قوة اقتصادية دافعة للتنمية.
مشروع وطني يتجاوز التمويل الخارجي
من هنا، تبلورت لديّ قناعة بأن إعادة إعمار سوريا لن تتحقق بالتمويل الخارجي وحده، وما يفرضه من قيود، ولا بالمساعدات الدولية مهما بلغ حجمها، وإنما بتوحيد طاقات السوريين في الداخل والخارج، ضمن مشروع وطني جامع وشامل، يستثمر في الإنسان بقدر ما يستثمر في الحجر.
فحجم الدمار الذي خلّفته سنوات الحرب يجعل إعادة الإعمار أحد أكبر التحديات التنموية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة. والمسألة، برأيي، لا تتعلق بإعادة بناء الأبنية والمنازل المهدمة فحسب، بل تشمل أيضاً إعادة تأهيل البنية التحتية بمكوناتها كافة: الموانئ والمطارات والطرق والسكك الحديدية وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات، إلى جانب إعادة بناء المؤسسات والخدمات العامة.
ولا تقل أهميةً عن ذلك مهمة إعادة تشغيل الاقتصاد الوطني، من خلال تحديث قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة، واستعادة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، وتهيئة بيئة اقتصادية قادرة على خلق فرص العمل للسوريين وتحقيق نمو مستدام.
وبحسب أحدث تقديرات البنك الدولي، تتراوح كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سوريا بين 140 و345 مليار دولار أميركي، مع تقدير مرجّح يبلغ نحو 216 مليار دولار. وقد ترتفع الكلفة الإجمالية إذا أُخذت في الحسبان متطلبات تحديث الاقتصاد، والتحول في قطاع الطاقة، والتكيف مع التغيرات المناخية، وتحقيق أهداف التنمية طويلة الأمد. غير أن النظر إلى إعادة الإعمار بوصفها تحدياً مادياً ومالياً فقط يمثل اختزالاً شديداً للمشكلة.
فقد أثبتت تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن الأموال، مهما بلغت، كما في تجربة العراق مثلاً لا حصراً، لا تستطيع وحدها بناء دولة مستقرة. فالنجاح يبدأ بوجود مؤسسات تتمتع بالكفاءة والاستقلالية، وإدارة عامة حديثة، وقضاء نزيه، ومنظومة دستورية واضحة، ونهج اقتصادي شفاف ومتكامل، وسياسات توفر الثقة للمواطن والمستثمر على حد سواء.
السوريون قادرون على إعادة بناء بلدهم
لكن السؤال الذي يُطرح هو: هل يستطيع السوريون في الداخل والخارج معاً إعادة بناء بلدهم؟ في تقديري، الجواب هو: نعم.
فالحقيقة التي يجهلها كثيرون هي أن سوريا تمتلك مقومات استراتيجية واستثنائية، لا تقتصر على موقعها الجيوسياسي المتميز وتاريخها الحضاري العريق فحسب، بل تشمل أيضاً ثروة بشرية هائلة، تتمثل في السوريين في الداخل وخارج الوطن.
فسوريا ملك لجميع أبنائها؛ لمن بقوا فيها وصمدوا على الرغم من قسوة الظروف، ولمن اضطروا إلى اللجوء أو الهجرة، لكنهم لم يتخلوا يوماً عن
انتمائهم إلى وطنهم أو إيمانهم بمستقبل أفضل له.
لقد أثبت السوريون في الداخل قدرة استثنائية على الصمود، فحافظوا، على الرغم من قسوة الظروف، على استمرار التعليم والخدمات الصحية والإنتاج والنشاط الاقتصادي، وأبقوا مؤسسات الدولة والمجتمع قائمة طوال سنوات الحرب. ولذلك، فهم الأقدر على معرفة احتياجات المجتمع السوري الحالية، وأولويات التنمية، وإدارة مرحلة التعافي.
أما السوريون في الخارج، والمنتشرون في أنحاء العالم، فيشكلون ثروة وطنية استراتيجية بالغة الأهمية.
فاكتسب كثيرون منهم، إن لم يكن الملايين، خبرات واسعة في مجالات التكنولوجيا والهندسة والطب والبحث العلمي والصناعة والزراعة والاقتصاد والتمويل وريادة الأعمال، وأسّس بعضهم شركات ناجحة، وقادوا مشاريع رائدة، وأسهموا في تنمية الدول التي استقبلتهم.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الجاليات باعتبارها مجرد مصدر للتحويلات المالية، بل باعتبارها شريكاً أساسياً في التنمية، قادراً على نقل المعرفة، وجذب الاستثمارات، وبناء الشراكات الدولية، وفتح الأسواق، وربط الاقتصاد السوري بالشبكات الاقتصادية والعلمية العالمية
الثقة هي الاستثمار الأول
لكن ما الظروف التي يجب تهيئتها لجذب رجال الأعمال السوريين في الخارج إلى سوريا؟ برأينا، من أهم الشروط الأساسية التي يجب توافرها بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، داخل سوريا وخارجها. فالثقة والاستقرار هما الاستثمار الأول الذي يسبق الاستثمارات الأخرى كلها، وهما الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أي مشروع وطني ناجح.
لكن الثقة لا يمكن ترسيخها إلا عبر مؤسسات قوية، وإدارة شفافة، وقضاء مستقل، وسيادة القانون، وبيئة اقتصادية عادلة وشفافة توفر تكافؤ الفرص للجميع، من دون استثناء، وتحمي الحقوق. زد على ذلك، وكما أشرنا أعلاه، أن إعادة إعمار سوريا لا يمكن اختصارها في الجوانب المادية واللوجستية فقط، بل هي مشروع وطني وإنساني قبل كل شيء، يقوم على المصالحة الوطنية، واستعادة ثقة السوريين بدولتهم وببعضهم بعضاً، وترميم النسيج الاجتماعي، وتعبئة الطاقات الوطنية أينما وجدت.
وكلنا ثقة بأنه، في حال توافرت مثل هذه الظروف، سيكون هناك، على غرار رودولف سعادة، المئات، بل الآلاف، من السوريين في الخارج المستعدين للمساهمة في بناء سوريا الغد؛ سوريا الاستقرار والازدهار والحضارة والمحبة والسلام.
*جوليان بدور، باحث وأكاديمي في جامعة ريونيون الفرنسية من أصل سوري،
أستاذ محاضر من الدرجة الممتازة ومتخصص في مجالات الطاقة والبيئة والتنمية الاقتصادية









