تخطى إلى المحتوى
آخر الأخبار

الاقتصاد الرقمي.. أسواق جديدة وحلول لتحديات مزمنة

الاقتصاد الرقمي

تسهم التجارة الرقمية في توسيع قنوات البيع والوصول إلى المستهلك، مع إمكانية توظيفها في معالجة عدد من التحديات التي تواجه الاقتصاد، بما في ذلك ارتفاع كلفة الوصول إلى الأسواق الخارجية وصعوبة التصدير، إلى جانب محدودية فرص الشركات الصغيرة في التوسع واستمرار جزء من النشاط التجاري خارج المنظومة الرسمية. ومع تنامي التجارة الرقمية عالمياً، تبرز الحاجة إلى بناء بيئة متكاملة تربط التجارة الإلكترونية بالدفع والتمويل والخدمات اللوجستية والتشريعات، بما يتيح للشركات والمنتجين الوصول إلى الأسواق الخارجية بكلفة أقل، ويوسع قاعدة المصدرين، ويفتح مجالاً أمام تصدير الخدمات الرقمية واستثمار الكفاءات المحلية.

ويشمل هذا التحول تطوير التشريعات وتنظيم النشاط التجاري الإلكتروني، وتوفير خدمات مصرفية ودفع إلكتروني مناسبة، وتأمين إنترنت وطاقة موثوقين، وربط الجامعات بسوق العمل، بما يدعم اندماج الرقمنة في النشاط الاقتصادي ويوسع دورها في التجارة والإنتاج والخدمات.

وتظهر المؤشرات الدولية الأخيرة الصادرة عن ملتقى هانغتشو العالمي للتجارة الرقمية ارتفاع قيمة صادرات التجارة الرقمية حول العالم إلى 7.75 تريليونات دولار، محققةً نمواً سنوياً يتجاوز 7 بالمئة. وتكتسب هذه الأرقام دلالتها الاقتصادية مع بلوغ حصة التجارة الرقمية نحو ربع الصادرات العالمية الإجمالية للسلع والخدمات، بنسبة 22.2 بالمئة، مدفوعةً بشكل رئيسي بخدمات الحوسبة السحابية وحلول الذكاء الاصطناعي، التي استأثرت وحدها بنحو 5.26 تريليونات دولار. ويشير هذا النمو المتسارع إلى اتساع دور التكنولوجيا في التجارة والإنتاج والخدمات، ويضع أمام سوريا فرصاً لتوظيف الرقمنة في توسيع الأسواق، وتطوير الخدمات، وخفض تكاليف الوصول إلى الأسواق الخارجية.

وبالنسبة إلى سوريا، أكد الخبير الاقتصادي والمتخصص في التخطيط الاستراتيجي، مهند زنبركجي، لصحيفة «الثورة السورية» أن أهمية التجارة الإلكترونية تكمن في قدرتها على تخفيض تكلفة الوصول إلى الأسواق الخارجية. وأوضح زنبركجي أن المنتج السوري يمكنه الوصول إلى المستهلك في الخارج عبر قنوات رقمية مباشرة، ما يتيح للشركات الصغيرة عرض منتجاتها والوصول إلى أسواق جديدة، وبناء علامتها التجارية، وتلقي الطلبات وتقديم خدمات ما بعد البيع. وأشار إلى أهمية هذا النموذج للمنتجات السورية ذات القيمة المضافة المرتفعة، مثل الصناعات الغذائية المتخصصة، والألبسة، والحرف التقليدية، ومستحضرات معينة، إضافة إلى الخدمات البرمجية والتصميم والاستشارات والتعليم والخدمات المهنية التي يمكن تقديمها عبر الإنترنت.

وتفتح هذه الآلية مجالاً أمام التجارة الرقمية لتكون إحدى بوابات تنويع الصادرات السورية، خصوصاً مع إنشاء مسار مبسط للمصدرين الصغار والمتوسطين يتيح لهم تسجيل منتجاتهم إلكترونياً، والحصول على الوثائق المطلوبة، وإصدار الفواتير الرقمية، واستخدام وسائل دفع رسمية، والاستفادة من شركات شحن معتمدة. وتتمثل إحدى أبرز الصعوبات التي تواجه العديد من المنتجين في الوصول إلى الأسواق الخارجية وتحمل تكاليف الوسطاء والإجراءات التقليدية، إلى جانب التحديات المرتبطة بالقدرة الإنتاجية. وإذا أسهمت الرقمنة في خفض هذه التكاليف، فإنها تمنح الشركات السورية مساحة أكبر للمنافسة.

وأضاف زنبركجي أن الاقتصاد الرقمي يتيح لسوريا فرصاً جديدة للتصدير في قطاعات لا تتطلب بالضرورة استثمارات ضخمة للبدء، إذ يمكن لشركة برمجيات صغيرة بيع خدماتها خارج البلاد، ولمصمم العمل مع عملاء دوليين، ولمنتج حرفي الوصول إلى مستهلك في سوق بعيدة، ولمشروع غذائي صغير بناء علامة تجارية والوصول إلى أسواق جديدة. ويسهم ذلك في توسيع قاعدة المصدرين وإتاحة فرص أكبر أمام الشركات والمشاريع الصغيرة لدخول الأسواق الخارجية.

التجارة الرقمية والاقتصاد الرسمي

ورأى زنبركجي أن انتشار هذا النمط من التجارة يترك آثاراً اقتصادية متعددة؛ إذ يتيح للعديد من أصحاب المشاريع الصغيرة العمل بتكاليف منخفضة والوصول إلى الزبائن بسرعة، فيما يحد من قدرة الدولة على معرفة الحجم الحقيقي للتجارة الرقمية، ويضعف حماية المستهلك، ويزيد صعوبة ضبط الجودة ومكافحة الغش.

وأشار إلى أن النشاط خارج المنظومة الرسمية يحد من قدرة أصحاب المشاريع على بناء سجل مالي واضح يساعدهم مستقبلاً في الحصول على تمويل مصرفي أو جذب مستثمرين، كما يبقي جزءاً من الاقتصاد الرقمي بعيداً عن النظام الضريبي والمصرفي والإحصائي.

ولفت زنبركجي إلى أن انتشار التجارة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يعكس قدرة المجتمع والقطاع الخاص على التكيف مع الواقع الاقتصادي، كما يكشف عن حجم كبير من النشاط الذي يجري خارج القنوات التجارية الرسمية. فعندما تتم عملية البيع عبر صفحة على منصة اجتماعية، ويجري الاتفاق على السعر والطلب من خلال الرسائل، ثم يتم الدفع نقداً أو عبر تحويلات غير مرتبطة بسجل تجاري، يكون النشاط الاقتصادي قائماً فعلياً، مع بقاء جزء منه خارج نطاق الحسابات الاقتصادية الرسمية.

وتتوقف قدرة التجارة الرقمية على توسيع حضور الشركات السورية في الأسواق الخارجية على مجموعة من العوامل المرتبطة ببيئة العمل والإنتاج، في مقدمتها توفر الكفاءات القادرة على تشغيل هذا النشاط وتطويره. وفي هذا الجانب، أوضح زنبركجي أن العنصر البشري يمثل التحدي الأكبر، لأن الاقتصاد الرقمي لا يقوم على البنية التحتية وحدها.

وأضاف أن المبرمجين والمهندسين وخبراء الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتحليل البيانات والمصممين يمثلون أحد أهم الأصول الاقتصادية في المرحلة المقبلة. وتمتلك سوريا قاعدة مهمة من الكفاءات التقنية، فيما أصبحت هذه الكفاءات قادرة على العمل مع شركات خارجية من أي مكان تقريباً، ما يجعل المنافسة على العقول أكثر صعوبة من المنافسة على رأس المال التقليدي.

ولهذا السبب، أوضح زنبركجي أن معالجة نزيف الكفاءات تتطلب إعادة صياغة البيئة الاقتصادية، بحيث يصبح البقاء والعمل من سوريا خياراً اقتصادياً قادراً على المنافسة. فالمبرمج الذي يستطيع العمل لشركة أجنبية والحصول على دخل خارجي يحتاج إلى بيئة محلية توفر له عوامل اقتصادية منافسة، خصوصاً عندما يكون الفارق في الدخل كبيراً، أو عندما تفتقر بيئة العمل إلى الاستقرار والتمويل والقدرة على الوصول إلى الأسواق.

وعلى مستوى التجارة الخارجية، لفت زنبركجي إلى أن التجارة الإلكترونية تستطيع معالجة جزء من العقبات المرتبطة بالوصول إلى المستهلك والتسويق والتفاوض، مع استمرار الحاجة إلى الشحن والتخليص الجمركي والتأمين والامتثال للأنظمة في الدول المستوردة. كما تمثل المدفوعات والتحويلات المالية عاملاً أساسياً في التجارة العابرة للحدود. واعتبر الخبير الاقتصادي أن النموذج الأنسب يقوم على تكامل التجارة التقليدية والرقمية، بحيث تبدأ العملية إلكترونياً من عرض المنتج وطلبه والدفع والفوترة، ثم تنتقل إلى منظومة لوجستية منظمة تتولى التخزين والشحن والتخليص والتسليم.

الاستثمار الرقمي وحوافز الانتقال

وشدد الخبير على أن دمج هذه الأنشطة في الاقتصاد المنظم يتطلب البدء بإجراءات مبسطة وتكاليف محدودة، بما يشجع التجار على الانتقال إلى النشاط الرسمي. ويقترح إنشاء نظام مبسط للتاجر الرقمي يتيح له الحصول على ترخيص إلكتروني بتكاليف محدودة، وربط نشاطه بحساب مصرفي أو محفظة إلكترونية تجارية، وإصدار فاتورة رقمية مبسطة، مع تقديم حوافز لمن ينتقل من النشاط غير الرسمي إلى النشاط المنظم. وعندما يصبح التسجيل الرسمي وسيلة للحصول على التمويل والحماية القانونية والوصول إلى خدمات الدفع والشحن والتصدير، يتحول الانضمام إلى الاقتصاد المنظم إلى مصلحة اقتصادية للتاجر، إلى جانب كونه التزاماً قانونياً.

ووصف زنبركجي التشريعات بأنها عامل حاسم في تطوير الاقتصاد الرقمي، إذ تحتاج البيئة الرقمية إلى قوانين واضحة تحدد حقوق البائع والمشتري، وتنظم العقود الإلكترونية، وتحمي البيانات الشخصية، وتحدد مسؤولية المنصات ومقدمي خدمات الدفع، وتنظم عمليات الاسترداد والضمان والشكاوى، إضافة إلى وضع إطار واضح للضرائب والجمارك المرتبطة بالتجارة الإلكترونية. وكلما اتسمت القواعد بالوضوح والبساطة والاستقرار، تعززت ثقة المستثمر والمستهلك، وازدادت قدرة القطاع على النمو.

وأشار زنبركجي إلى أهمية تحويل العلاقة مع الشركات الخارجية إلى مصدر للاستثمار ونقل المعرفة، فمن الممكن أن يعمل المبرمج السوري مع شركات خارجية من خلال شركات سورية مسجلة تعمل في مجال تصدير الخدمات الرقمية، بما يتيح دخول الإيرادات إلى الاقتصاد المحلي بصورة رسمية، ويمكّن هذه الشركات من توظيف المزيد من الكفاءات وتدريب الخريجين الجدد. وبهذه الطريقة، يمكن أن يصبح العمل عن بُعد مصدراً للعملات الأجنبية وفرص العمل، مع تعزيز ارتباط الكفاءات التقنية بسوق العمل المحلي.

وبحسب زنبركجي، فإن تطوير البيئة الاستثمارية الرقمية يتطلب تسهيل تأسيس شركات التكنولوجيا، وتبسيط الإجراءات والضرائب، وتوفير خدمات مصرفية ودفع إلكتروني مناسبة، وتأمين إنترنت مستقر وطاقة موثوقة، وتوفير مساحات ومراكز عمل متخصصة، وربط الجامعات بالشركات، وتشجيع البحث والتطوير. والأهم من ذلك، بحسب زنبركجي، توفير بيئة تسمح للشركة السورية الصغيرة بالنمو والوصول إلى الأسواق الخارجية، مع إجراءات إدارية ومالية تتناسب مع حجمها وتدعم قدرتها على التوسع.

وأوضح أن بناء الاقتصاد الرقمي السوري يتطلب النظر إليه باعتباره مشروعاً اقتصادياً متكاملاً، يرتبط فيه استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بتطور التجارة والإنتاج والتمويل والخدمات الحكومية ضمن منظومة رقمية مترابطة. وعندما تصبح عمليات تسجيل الشركات والدفع والفوترة والتمويل والتصدير والشحن وخدمة المستهلك قابلة للإنجاز إلكترونياً، تندمج الرقمنة بصورة أوسع في النشاط الاقتصادي وتتحول إلى جزء من البنية التشغيلية للاقتصاد الوطني.

وأكد أن التحول الرقمي يمكن أن يسهم في معالجة مجموعة من نقاط الضعف الاقتصادية، من صعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية، إلى محدودية فرص العمل أمام الكفاءات، وقدرة المشاريع الصغيرة على التوسع، والحاجة إلى زيادة الإيرادات بالعملات الأجنبية. ويتطلب تحقيق هذه الفرص تشريعات واضحة، وبنية تحتية موثوقة، ونظام دفع ومصارف قادراً على خدمة التجارة الحديثة، ومنظومة لوجستية فعالة، وبيئة استثمارية تتيح للكفاءات والشركات السورية العمل والإنتاج والمنافسة من داخل سوريا.

الثورة السورية – رسام محمد

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك