
فجأة «من غامض علمه» انهارت أبنية بأكملها فوق رؤوس قاطنيها في مناطق مختلفة من مدينة حلب، وسواء كان ذلك بفعل المطر أو جراء ما خلفته المجموعات الإرهابية من تداعيات كارثية تركت بصماتها الثقيلة على بنية هذه الأبنية التحتية، كان يفترض اتخاذ إجراءات أكثر فعالية وسرعة لتفادي وقوع هذه الحوادث المأساوية وتكرارها في المدينة القديمة أو حتى مناطق العشوائيات، التي صنفت في مجملها أبنية خطرة في ذاتها، فكيف بعد ما تركته الحرب من آثار على الحجر والبشر معاً، من دون نكران اتخاذ خطوات في مجال المعالجة الإسعافية لكنها لا تعد كافية قياساً بعدد الأبنية الكبير وخاصة أن هناك أرواحاً قد تزهق بأي لحظة.
لا حياة لمن تنادي!!
تم التواصل مع بعض المواطنين المتضررين للوقوف على أوضاعهم ومعرفة كيفية تدبر شؤونهم وتعامل الجهات المعنية مع قضيتهم بعد انهيار بيوتهم، حيث يقول أحمد المحمد من سكان بستان القصر بعد الحديث عن معاناته: انهارت البناية بأكملها بعد عودتي إلى شقتي وترميمها وإكسائها على نحو كامل قبل 8 أشهر، ما اضطرني إلى استئجار بيت ثانٍ في المنطقة ذاتها وتحمل نفقاته مع أن أوضاعي على «قدها»، لافتاً إلى أنه لم يتقدم بشكوى إلى الجهات المعنية بهدف تأمين سكن بديل له وتقديم تعويض له وخاصة أن انهيار البناء ناجم عن تداعيات الحرب بعد تفجير أحد الأبنية المجاورة، ياسين ياسين «موظف»، الذي يسكن في بناء، جزؤه الخلفي انهار على نحو كامل، ما ضطره إلى بناء غرفة صغيرة للحد من التداعيات السلبية التي تسبب بها انهيار الجزء الخلفي من البناء المؤلف من 3 طوابق ومنعاً من حصول انهيار في البناء بعد عدم مبادرة أي جهة للمساعدة، مشيراً إلى أنه اضطر إلى العودة والسكن في بيته بعد أن كسرت الإيجارات ظهره، وسط تحمل سوء الخدمات لناحية عدم وجود كهرباء ودفع فواتير كبيرة لتجار الأمبير الذين يستغلون حاجة المواطنين .
المرارة ذاتها يتحدث عنها مواطن آخر بقوله: ثمن منزلي حسب الأسعار الرائجة 11 مليون ليرة بسبب وجود عدة جدران متهدمة، لكن إذا كان سليماً وكامل المواصفات يبلغ ثمنه 25 مليون ليرة، وعليه تقدمت بطلب قرض من المصرف للترميم والمبلغ المطلوب 3 ملايين ليرة وقدمت المنزل كضمانة قرض لكن المصرف العقاري رفض، وطلب وجود كفلاء، مع العلم أن حق المصرف مضمون من خلال المنزل لكن لا استجابة لمعاناتنا، مواطن آخر يسكن في منطقة المخالفات قال: يقع منزلي في حي الفردوس ضمن منطقة تسمى السكن العشوائي (المخالف) وأريد العودة إليه لكن لا أستطيع لأنه بحاجة إلى ترميم، والترميم بحاجة إلى ترخيص من مجلس المدينة، والأخير لا يمنح الترخيص لأن المنزل في منطقة مخالفات، وهناك آلاف مثلي منازلهم في مناطق مخالفات وهم غير قادرين على الترميم وبذلك لا يستطيعون العودة.
لجان تقييم!!
انهيار الأبنية بشكل مفاجئ وتضرر المواطن، حاولنا استيضاحها من الجهات المعنية لمعرفة الإجراءات المتخذة لمواجهة هذه الحالات ومنع تكرارها حفاظاً على أرواح المواطنين والعمل على تنظيم واقع هذه المناطق، وهنا يؤكد كميت عاصي الشيخ عضو مكتب تنفيذي في مجلس مدينة حلب ومجالس المدن والبلديات أن ظاهرة تهدم الأبنية تقع غالباً في الأحياء التي كانت توجد فيها العصابات الإرهابية بعد قيامها بتدمير البنية التحتية، أو بسبب عدم تقيد المواطن بأنظمة البناء بعد إنشائه عدداً من الطوابق المخالفة، وهذا يتكرر في مناطق المخالفات البالغة 23 منطقة، تحمل خطورتها بذاتها كونها لم تؤسس على أسس هندسية صحيحة وتقع ضمن ترب زراعية غير معدة للبناء، ما جعلها عرضة للانهيار عند التعرض لأي ظرف طارئ بما فيها الظروف المناخية، لافتاً إلى أن محافظة حلب تنبهت إلى هذا الأمر وشكلت لجان توصيف الأبنية الخطرة، تضم خبرات من جامعة حلب ونقابة المهندسين ومجلس مدينة حلب والخدمات الفنية خبراء من الآثار، مهمة هذه اللجان تقييم الأبنية هل هي خطرة أم لا، ثم تعطي تقريرها الأولي وتحدد الأبنية الخطرة، وعند إصدار التقرير يتم التنفيذ، إما بالإخلاء أو الهدم الكامل أو الجزئي أو التدعيم أو الترميم، وتم الاتفاق مع مؤسسات القطاع العام عبر الإسكان العسكري والطرق والجسور عبر عقود قاربت قيمتها مليار ليرة بين 2017-2018 لتنفيذ اتفاقية السلامة العامة.
وبيّن أن اللجان أعدت 2600 تقرير سلامة عامة لكن المنفذ بلغ 800 تقرير مع تنفيذ عدد من التقارير عبر عمال مجلس مدينة حلب وورشاتها، مؤكداً أن أولوية التنفيذ للأبنية الخطرة وفق رقم دلالة معين، بحيث يكون التنفيذ من الأخطر إلى الأقل خطورة، علماً أنه تم هدم 10 آلاف مبنى متدرج الخطورة تقريباً وذلك بعد قيام شركة الدراسات في إجراء مسح شامل فور التحرير.
عمل ضخم
وشدد عاصي الشيخ على أن العمل يتم وفق دراسة وليس بناءً على ردة فعل، إذ لا يوجد أي بناء يبدي خطورة ولا يتم إخلاؤه، لكن المشكلة أن هذه الأبنية لا يمكن التنبؤ بوضعها، فقد تظهر من الخارج أنها سليمة ووضعها الإنشائي جيد لكن بلحظة قد تنهار، فالأمر يتعلق بالأرض والتربة والتأسيس وليس متعلقاً بالمطر كما يروج، وأحيانا يكون هناك تسرب قديم للمياه والصرف الصحي وزاد الأمر سوءاً تعديات الإرهابيين، إضافة إلى المخالفات، التي لا يوجد أسس هندسية لها، لذا نقول: إن كل المخالفات خطرة وإن كانت بحالة جيدة، لكن التساؤل المطروح، هل نستطيع إخراج المواطنين منها، لذلك حالياً تقوم اللجان بجرد الأبنية الخطرة أو تلك التي تعطي معلومات تاريخية أنها قابلة للانهيار كمناطق المغاوير تحت المراقبة، ثم التعميم إلى لجان الأحياء والمخاتير للجرد بشكل يومي أو إبلاغ القطاع المختص في هذا البناء، لكن عموماً عمل اللجان يستلزم وقتاً طويلاً، ما يتطلب تعاون المواطن بحيث يكون هناك ثقافة الإعلام والإبلاغ وليس الشكوى، وفور ذلك يتم الكشف على البناء لاخلائه وإرسال التقرير السلامة العامة وإخبار الإسكان العسكري للتنفيذ، مشدداً على أنه تم إنجاز جزء مهم خلال العامين المنصرمين لكن لا يزال ينتظر المحافظة بالتعاون مع الجهات المعنية عمل كثير.
قمع المخالفات
معاناة المواطنين في مناطق المخالفات وتحديداً فيما يتعلق بالعراقيل عند منح تراخيص الترميم نقلناها إلى الدكتور المهندس معد مدلجي رئيس مجلس مدينة حلب فيقول: يوجد في حلب 26 منطقة مخالفات تضم عشرات آلاف من الشقق السكنية والمحال التجارية المخالفة والتي تعرضت إلى دمار وتخريب على يد المجموعات الإرهابية، ومجلس مدينة حلب يطبق المرسوم 40 لعام 2012 وتعليماته التنفيذية، ومجرد منح ترخيص ترميم لأي بناء مخالف فإننا نكون قد شرعنا وقوننا المخالفة.
وأضاف مدلجي: إن موضوع مناطق السكن العشوائي والمخالفات يحتاج تشريعات جديدة واستثنائية وقرارات خاصة للتعامل مع وجود الآلاف الأبنية المتضررة في تلك المناطق وضرورة إزالتها حفاظاً على السلامة العامة وفي الوقت نفسه تأمين سكن بديل لأصحاب هذه المنازل.
مشيراً إلى أنه تم توجيه مديري المديريات الخدمية بشكل دائم للتشدد في تطبيق أحكام المرسوم 40 لعام 2012 وتكليف شعب مراقبة البناء بمراقبة مخالفات البناء والإبلاغ عنها بشكل فوري وعدم ترك الفرصة لإقامة المخالفات وقمعها في بدايتها، حيث تتم متابعتها بشكل عاجل مع المديريات.في حين يشدد كميت عاصي على أن جميع مناطق المخالفات خطرة، لذا فإن الحل في تنفيذ المخطط التنظيمي العام، واليوم يتابع مع مجلس مدينة حلب لإصدار المخططات التفصيلية والبدء في جميع المناطق ومن ضمنها مناطق المخالفات، حيث سيلحظ الملكية، إما عبر تعويض جزء مالي أو تعويض يحفظ حقهم، علماً أن ملكية صاحب البناء المنهار مصونة دستورياً، فكل ما يثبت ملكيته بإمكان المواطن تقديم طلب تعويض الأضرار عنه ويقوم مجلس المدينة عبر اللجان المشكلة بتقدير الأضرار وأرقامها لكن بسبب الأمور الإدارية قد يتأخر منحها لكن بالنهاية سوف يتم تعويضه، مشدداً على موضوع المخطط طويل الأمد لكنه يسير وفق السكة الصحيحة، لذا يتم إدراج إزالة الخطورة بشكل مدروس وفق برنامج إعادة الإعمار وتحديد المخطط التنظيمي لكل منطقة. وهنا يؤكد أحمد رحماني نائب رئيس مجلس مدينة حلب أن عدد جداول تعويض الأضرار بلغ 29 جدولاً وبلغ عدد المنازل التي استكملت إضبارتها 21465 منزلاً جاهزة للحصول على تعويضات وتم دفع تعويضات حتى الجدول السادس الذي يضم 1200 مواطن.وعند سؤال المهندس مروان حاف مسؤول المتابعة والتنسيق في مجلس مدينة حلب عن المراحل التي تم التوصل إليها من أجل معالجة ملف الأبنية المهددة بالانهيار كان جوابه تقليدياً كغيره بتأكيده أنه تم تبليغ كافة المخاتير بضرورة إبلاغ المديريات الخدمية المختصة عن الأبنية المأهولة بالسكان والمهددة بالانهيار أو التي يمكن أن تهدد السلامة العامة، لا تخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حرصاً على سلامة المواطنين وإعلام المديرية الخدمية أو قسم الشرطة عن حالات عودة المواطنين والإبلاغ عن أي حالة تصدع أو تشقق في الأبنية السكنية أو تسريب مياه للأقبية.
إخلاء السكان
رغم انهيار العديد من الأبنية خلال الفترة الماضية بسبب الظروف المناخية تحديداً إلا أنه قبل ذلك تم إخلاء العديد من الأبنية من سكانها بعد رصد خطورتها، وهنا يقول رحماني: خلال الفترة الماضية قام مجلس مدينة حلب بإخلاء عدد من الأبنية السكنية من قاطنيها في عدة مناطق بسبب وجود تشققات وتصدعات تؤثر في سلامة تلك الأبنية وتهدد بانهيارها، علماً أن أغلبية الأبنية تقع في مناطق مخالفات جماعية، حيث قامت آليات مجلس المدينة بهدم عشرات الأبنية المتصدعة بعد أن تم إخلاء السكان منها وتأمين أغراضهم الشخصية ونقل أثاثهم.
تشرين









