تخطى إلى المحتوى

طفولتي القرويّة وزراعة التبغ : قسوة الحياة وجمال الذكريات 

د. جوليان بدور:

كلما عدت بذاكرتي إلى زمان طفولتي ومراهقتي في قريتي الصغيرة الوادعة والساحرة ، أشعر وكأنني أعود إلى زمن الصفاء والبراءة. بدون كهرباء ولا سيارات ،قريتي الهادئة والبعيدة عن ضجيج المدن وصخبها، كانت تغفوا على ضوء القمر وتستيقظ على أصوات الطبيعة والعصافير. لم تكن هناك شاشات تسرق الوقت وتبث الصور المزيفة ، ولا سيارات تعكر سكينة المكان أو تلوث نقاوة الهواء ، بل كانت الحياة بسيطة وصادقة مليئة بالسعادة والهناء.

أتذكر الأراضي الممتدة بين التلال والوديان وحقول التبغ الخضراء التي كانت تزين تضاريس القرية وسهولها وكانّها بساط أخضر يملأ المكان جمالاً وحياة. فتتحول الذكريات إلى لوحة رومانسية هادئة لا يُبهت سحرها مع مرور الزمن .

 

ورغم أن زراعة التبغ كانت شاقة ومتعبة ومضنية وغير مربحة، إلا أن اهالي قريتي والقرى الأخرى لم يكن أمامهم خيار أخر سوى زراعة التبغ أو ما يسمى «دخان البصمة ذو الأوراق الصغيرة.». لأن هذا المحصول كان مصدر الرزق المالي الوحيد في ذالك الوقت الذي يعتمد عليه أهل القرية لتأمين لقمة العيش وتعليم أبنائهم .

رحلة هذا المحصول كانت تبدأ في شهر شباط ولا تنتهي إلا في شهر كانون الثاني من العام التالي .في شهر شباط كانوا الأهالي يقومون بتحضير السكاكيب ونثر البذور فيها. السكوب كان بطول عشرة أمتار أو أكثر وعرض متر وهو ذو تربة ناعمة وخالية من الحجارة.لكن قبل نثر بذور التبغ، كانت والدتي تضيف طبقة من السماد الناعم فوق التربة، ثم تُغطّي السكوب بالنايلون. على مدى نحو شهرين، كنا نكشف السكاكيب يوميًا لسقايتها بالماء، ثم نعيد تغطيتها مع حلول المساء لحماية البذور من البرد والصقيع. مع قدوم شهر نيسان، تكون بذور التبغ قد نمت وكبرت وصارت جاهزة للغرس.

 

مع حلول شهر أيار، وبينما كان والدي يجهز الأرض للزراعة ويقسمها إلى خطوط طويلة ومتوازية، كانت والدتي وأخواتي يتوجهن إلى السكاكيب في ساعات الصباح الباكر لاقتلاع شتلات الدخان واحدة تلو الأخرى. ثم يضعنها في صناديق تُنقل على ظهر الجحشة إلى الحقول، التي كان بعضها يبعد أكثر من ساعة سيرًا على الأقدم في طرق وعرة.

لكن قبل البدء بغرس شتلات الدخان، كان لا بد من تأمين المياه اللازمة لسقايتها. فإذا كانت الأرض تضم نبعًا أو بركة ماء، المهمة تصبح أسهل نسبيًا، إذ يكفي ملء البرميل بالماء وتوصيل خرطوم لسقاية الشتلات.

غير أن معظم أراضينا كانت تقع في أعالي الهضاب وتفتقر إلى مصادر مياه قريبة، لذلك كنا متطرين إلى جلب المياه بواسطة «الراوية» التي تُحمَّل على ظهر الجحشة . لهذا كنا نقصد أقرب نبع للأرض ونملأ الراوية بالماء ثم نعود بها إلى الحقل لتفريغها في البرميل، ونكرر هذه الرحلة مرارًا على امتداد النهار. لن أنسى الطريق الوعر والذي أغلبه طلعات التي كنت استقلها بالعودة مع جحشتي وعلى طرفيها تتناثر شقائق النعمان وأزهار القوحان والطيون والشوك البري ذو الورود الزرقاء رائعة الجمال .

أما غرس شتلات الدخان، فكانت تتولاها والدتي وأخواتي. إذ كنّ يملأن وعاءً صغيرًا يُسمّى «الجمام» بالشتلات، ثم يبدأن بغرسها في الأرض باستخدام الشاتول، وهنّ منحنِيات الظهر طوال النهار . أما أنا فكنت أتولى سقاية الشتلات المغروسة واحدة تلو الأخرى بواسطة الخرطوم بعد أن امتلئ البرميل بالمياه، مع الحرص الشديد على عدم غمر هم بالتراب.

قبل حلول الظهيرة، كانت والدتي أو إحدى أخواتي تعود إلى المنزل كل يوم لإعداد وجبة الغدا (غالباّ مجدرة عدس او متبل اي خليط من البرغل واللبن).

لكن المسافة الطويلة إلى القرية وسوء حالة الطريق كانت مرهقة للغاية بالنسبة لوالدتي . لذا استأذنت والديّ في أحد الايام، وأنا في سن الخامسة عشر، بالذهاب إلى المنزل وإعداد وجبة الغدا بدل والدتي . ولأنني كنت مدرك مدى تعبهم وجوعهم، عملت كل ما أستطيع لإعداد الطعام والعودة بأسرع وقت ممكن . شكرهم لي بعد الطعام ملأني فرحًا، حتى وإن كانت مجدرة العدس من وجهة نظر والدي المرحوم ناشفة بعض الشيء.

 

بعد نحو شهرين من العناية تبدأ مرحلة قطاف التبغ خاصة عندما تميل أوراق الدخان إلى الاصفرار.لكن كغرس الدخان لم تكن عملية قطاف الدخان سهلة على الإطلاق. اذ كان علينا الاستيقاظ باكراً قبل شروق الشمس لأن الأوراق تصبح أكثر صعوبة عندما تذبل تحت أشعتها . كما كنا نحمل معنا تنكة نجمع فيها الأوراق التي نقطفها واحدة تلو الأخرى ونحن منحنى الظهر .عندما تمتلئ التنكة كنا نفرغها في شوال الجنفاظ.

المعاناة لم تقتصر على آلام الظهر الناجمة عن قطاف الدخان بل كان علينا أيضاً إزالة الدبق الذي تتركه أوراق الدخان على أيدينا بفركها بالتراب. بعد امتلاء شوال الجنفاظ بالأوراق المقطوفة، كنا نحمله على أكتافنا رغم ثقل وزنه ، أو ننقله على ظهر الجحشة، ثم نعود به إلى المنزل.

 

في طريق العودة، في عين الجرن، كانت هناك شجرة تين تُسمى “شجرة التين الزريقي”، تين داكن المنظر لذيذ الطعمة. كنا أنا وأخواتي نتسابق بملئ شوال الدخان والوصول إليها أولاً قبل الآخرين. وكانت ثمارها الشهية أجمل وألذ فطور نتناوله عريق بعد ساعات قطاف الدخان الطويلة .

 

عند عودتنا إلى المنزل، كنا نحضّر إبريقاً من الشاي ونتناول فطوراً خفيفاً. ثم نفرغ أكياس الدخان ونجلس أنا وإخوتي واهلي في غرفة كبيرة حوّل أكوام الدخان. ونبدأ عملية شكّ أوراق الدخان بالمسلة ورقة ورقة ونحن جالسون من الساعة السابعة صباحاً حتى غروب الشمس ، وأحياناً حتى وقت متأخر من الليل.

 

في بعض الأحيان، كنا نطلق مسابقة بيني وبين إخوتي من أجل معرفة من هو الأسرع في شك الدخان. كنت احتلّ المرتبة الثانية على خمسة إذ كانت أختي بحرية أسرع مني في شك الدخان. المسابقة كانت تضفي جواّ من الفرح رغم التعب والإرهاق.

 

لكن أجمل رفيق لي في تلك الأيام كان جهاز الراديو الذي أضعه بجانبي طوال النهار. كان جهاز الراديو الوسيلة الترفيهية الوحيدة اذ اكتشفت بفضله عالم أوسع من حدود القرية؛ عالم نشرات الأخبار والفن والموسيقى. بالاستماع إليه اكتشفتُ أصواتًا خالدة لا تزال محفورة في ذاكرتي ومخيلتي ما حييت ، مثل أصوات فيروز، وفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، ووديع الصافي، وصباح، وسميرة توفيق ونجاة الصغيرة، وميادة، وغيرهم من عمالقة الغناء العربي . الاستماع إلى هذه الأغاني والطرب الأصيل وأنت جالس طوال اليوم ومنهمك بشق أوراق الدخان واحدة تلو الأخرى كان يخفف عني مشقة العمل وينقلني إلى عالم مليء بالجمال والحب والرومانسية .

أتذكر جيداً الوقت الذي كنت أتنقل فيه بين محطات الراديو التي تبث من إذاعة دمشق وبيروت والقاهرة، وانتظر بفارغ الصبر البرامج الموسيقية التي أحببتها، مثل «ما يطلبه المستمعون» و«صباح الخير من دمشق».بالرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على وجودي في الغربة، ما زالت تلك الأصوات تُعيد إليّ شيء من دفء الوطن وذكريات المراهقة والشباب كلما ابتعدت المسافات واشتد الحنين.

 

في نهاية كل يوم، كنا نحمل خيوط الدخان إلى المسطح حيث توجد السقالات ونعلقها بين عودين من الخشب او قضيبين من الحديد باستخدام المعالق الموجودة في نهاية كل خيط، ثم نتركها في الشمس حتى تجف.

 

في الأوقات المشمسة والجافة، كان كل شيء يسير على ما يرام، إذ كان الدخان يجف بسرعة. لكن في الأيام الغائمة أو الممطرة تزداد المعاناة. وكثيراً ما كنا نستيقظ في منتصف الليل، مذعورين من صوت المطر، خوفاً من أن تتبلل محاصيلنا وتتلف. في الظلام الدامس، ومن دون كهرباء أو إنارة أو هواتف محمولة، كنا نركض بين خيوط الدخان والستائر البلاستيكية لنغطي السقالات بالنايلون أو لندخل الدخان إلى المنزل حفاظًا عليه .

 

بعد أن يجف الدخان تمامًا في نهاية الصيف، كنا ننقله إلى المنزل ونكدسه في أكوام كبيرة. في شهري تشرين الأول أو تشرين الثاني، كنا نسطر الخيطان ونكبسها في بالات دخان كبيرة تزن الواحدة منها حوالي ١٥ أو ٢٠ كغ تمهيدًا لتسليمها إلى الجهات المختصة في شهري كانون الأول أو كانون الثاني.

بقي عليّ التذكير بأنه في بعض السنوات، كنا ننتج أكثر من ألف كيلوغرام من دخان البصمة، وهو رقم خيالي بالنسبة للوقت الحالي .

 

أخيراً قد يتساءل البعض: لماذا أقضي كل هذا الوقت وأبذل كل هذا الجهد في كتابة ذكريات طفولة ومراهقة تبدو للكثيرين غير مريحة وقاسية ومليئة بالتعب؟

 

في الحقيقة أنا لا أنكر صعوبة تلك السنوات وما رافقها من عمل شاق وتحديات يومية، لكنني أنظر إليها اليوم بعين مختلفة. هي بالنسبة لي من أجمل الذكريات مقارنة بما نعيشه الآن . لانها مرتبطة بأجمل مراحل حياتي وأكثرها لحمة وتكاتف . هناك، في القرية، تعلمت معنى العمل والمسؤولية والصبر والوفا والعرفان وعشت حياة بسيطة لكنها كانت غنية بالقيم والمعاني والأخلاق.

 

فعندما أتذكر العطاء اللامحدود الذي غمرنا به والدي ووالدتي، وحبهما الكبير لأبنائهما، وما قدماه من تضحيات في سبيل تربيتنا على قيم العمل والجد والاجتهاد والتسامح والاحترام ، أشعر بانني مهم عملت لن أتمكن من أن أوافيهم حقهم.

 

بالإضافة إلى ذلك، لقد تركت ذكريات طفولتي ومراهقتي أثرًا عميقًا في شخصيتي، وصاغت الكثير من القيم التي ما زالت ترافقني حتى اليوم وتسعد حياتي. لقد منحني والداي ، رحمها الله، أكثر ما يمكن للكلمات أن تصفه. ربّياني على الأخلاق والاجتهاد والاحترام والتسامح والوفا والإخلاص ، وغرسا في قلبي حب الأرض والناس والطبيعة،. وكلما تقدمت بي السنوات، ادركت أكثر حجم تضحياتها وعظمة ما قدماه لنا.

 

لهذا السبب، كلما عدت بذاكرتي إلى تلك الأيام، لا أتذكر التعب والإرهاق بقدر ما أتذكر المحبة الصادقة، والإخلاص في العطاء، وروح التعاون التي كانت تجمع أفراد عائلتي وأبناء قريتي.

واليوم ، بعد سنين طويلة من الغربة، ستبقى تلك الذكريات، مهما ابتعدت المسافات وتعاقبت السنوات، من أجمل ما أملك في هذه الحياة. ستبقى نورًا يضيء زوايا روحي، وكنزًا من القيم والدروس التي أستمد منها القوة والدفء كلما أثقلتني مشقات الغربة وأعباء الحياة الحديثة . وستظل قريتي وأهلها وذكريات تلك الأيام وطنًا صغيرًا أحمله في قلبي أينما ذهبت ومهما ابتعدت عن قريتي الوادعة ، وأعود إليها كلما اشتقت إلى نفسي الأولى وإلى الأيام التي صنعتني.

هكذا كانت ذكريات طفولتي مع محصول التبغ، وهلّ هناك أجمل من هذه الذكريات؟

 

د. جوليان بدور

 

هامش ١: هامش ١: بعد نشره بمساعدة الصديقة رفاه نيوف، بجريدة الحرية بتاريخ 03/06/2026 تحت عنوان “الغربة تؤجج الحنين لحياة القرية وتفتح باب الذكريات الجميلة رغم قسوة الحياة” سأنشر اليكم النسخة الأصلية للمقال. رابط المقال هو : الحرية- رفاه نيوف : ذكريات الطفولة في جبال الساحل السوري لهل نكهتها الخاصة التي تختزن في القلب والروح ولا تنسيها الغربة

هامش ٢ : المقال هو لتوثيق فترة مهمة في تاريخ قرى الساحل السوري . لهذا السببب لا يمكن اختصاره أكثر من ذلك

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك