تخطى إلى المحتوى

الخصم أولاً… ثم الندم- بقلم إبراهيم عمر الطيب

المقال الخامس من سلسلة: أخطاء رجل المبيعات تؤدي إلى خسائر فادحة للشركات

 

بقلم: إبراهيم عمر الطيب

 

 

في المقالات السابقة، تحدثنا عن أخطاء قاتلة: محاسبة رجل المبيعات قبل تدريبه، وإغفال التفاصيل التي يظنها بديهية، وبيع المنتج بدلاً من بيع الحل، ثم الصيد في ماء العميل الحالم.

 

واليوم نقف عند خطأ لا يقل فتكاً. خطأ لا يقتل صفقة واحدة، بل يقتل قيمة الشركة كلها. خطأ لا يخسرك عميلاً واحداً، بل يخسرك أرباحاً كنت ستجنيها من كل عميل. إنه خطأ “الخصم أولاً… ثم الندم”.

 

 

قاتل القيمة: رجل المبيعات الذي لا يؤمن بمنتجه

 

في كل مرة يدخل فيها عميل ليسأل عن السعر، تجده مستعداً. ليس مستعداً ليشرح القيمة، بل مستعداً ليقدم خصماً. أول سؤال يوجهه العميل عن التكلفة، فيكون الرد: “حسناً… يمكننا أن نتفاهم على السعر”.

 

هذا الرجل لا يفعل ذلك لأنه كريم. هو يفعله لأنه يائس. يفعله لأنه في أعماقه لا يؤمن بقيمة ما يبيع. يفعله لأنه كسول عن شرح الفرق بين سعره وسعر منافسيه. يفعله لأنه يريد أن ينهي الصفقة بأسرع وقت وبأقل جهد.

 

الخصم عنده ليس استراتيجية. الخصم عنده هروب. هروب من مهمته الحقيقية: أن يشرح للعميل لماذا يستحق هذا المنتج كل قرش من ثمنه.

 

 

الخسارة ليست فقط في الجيب… بل في العقل والسمعة

 

قد تقول: “وما المشكلة؟ المهم أن الصفقة تمت، وحصلنا على عميل جديد”. هذه هي الكارثة بعينها. هذه هي قمة الوهم.

 

لأن الخسارة الحقيقية ليست في الهامش الربحي الذي تنازلت عنه. الخسارة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير. إنها سلسلة من التداعيات المدمرة:

 

الخسارة الأولى: الهامش. هذا هو الظاهر والمباشر. أنت تنازلت عن جزء من ربحك. جزء كان يمكن أن يبقى في جيبك لو أن رجل مبيعاتك شرح القيمة بدلاً من التنازل عن السعر.

 

الخسارة الثانية: قيمة المنتج في ذهن العميل. وهذا هو الأدهى والأمرّ. عندما تمنح خصماً بسهولة وبدون مقابل، فأنت لا تقول للعميل: “أنا أكرمك”. أنت تقول له: “منتجي لا يستحق سعره الأصلي. أنا أبالغ في السعر أولاً، ثم أتنازل لك. أنا لا أحترم تسعيري، فلا تحترمه أنت”. لقد قتلت قيمة منتجك في عقل العميل. قتلتها بيديك.

 

الخسارة الثالثة: السمعة في السوق. العميل الذي حصل على خصم كبير لن يصمت. سيخبر الآخرين. وسيقول لهم: “لا تشتروا منهم إلا بعد مساومة. أسعارهم أصلًا مبالغ فيها. انتظر حتى يقدم لك الخصم، فهو يقدمه لكل أحد”. هكذا تتحول علامتك التجارية في السوق من “شريك قيمة” إلى “بائع رخيص”. والسمعة إذا التصقت بك… لا تفارقك.

 

الخسارة الرابعة: ولاء العميل نفسه. العميل الذي يشتري بناءً على الخصم فقط هو عميل غير وفيّ. هو معك اليوم لأنك الأرخص، وسيتركك غداً فور أن يجد من هو أرخص منك. هو لا يرى فيك شريكاً، بل يرى فيك فرصة سانحة. والفرص تتغير.

 

هذه الخسائر الأربع، يا سادة، هي الثمن الحقيقي لخصم لم يكن ضرورياً.

 

 

“المبادئ” تعلمنا: واجه الحقيقة القاسية

 

في كتاب “المبادئ”، يتحدث راي داليو عن “الواقعية المفرطة”. يقول: لا تخف من مواجهة الحقيقة القاسية. واجهها، وحللها، وتعلم منها.

 

الحقيقة القاسية هنا هي أنك إن كنت تبيع بالخصم لا بالقيمة، فأنت لا تملك استراتيجية تسويقية. أنت تملك استراتيجية تصفية. أنت تصفي أرباحك، تصفي سمعتك، وتصفي مستقبلك.

 

الحقيقة القاسية الأخرى هي أن العميل الذي يطلب الخصم بإلحاح ليس عدواً. هو فقط لا يرى القيمة بعد. وهذه مسؤوليتك أنت. أنت لم تشرحها له. أنت قفزت إلى الخصم لأنك تعبت من الشرح، أو لأنك لا تجيد الشرح أصلاً.

 

 

الحل: “نحن نبيع القيمة أولاً… والسعر يأتي في النهاية”

 

بعد أن فهمت الكارثة، اسمح لي أن أقدم لك ثلاث قواعد تحمي أرباحك وسمعتك:

 

القاعدة الأولى: اشرح القيمة قبل أن تذكر السعر.

 

لا تذكر رقماً واحداً قبل أن تتأكد أن العميل قد فهم ماذا سيحصل. ما المشكلة التي يحلها؟ ما الأثر الذي سيلمسه؟ كم سيوفر من وقت؟ كم سيزيد من إنتاج؟ دع العميل يرى القيمة بكل وضوح. حينها فقط، يصبح السعر تتويجاً للقيمة، لا صدمة غير مفهومة.

 

القاعدة الثانية: لا تمنح خصماً إلا مقابل شيء.

 

إذا طلب العميل تخفيضاً، فلا تقل “نعم” أو “لا” مباشرة. قل: “إذا استطعنا تعديل السعر، فما هو المقابل؟”. المقابل قد يكون تقليل عدد التعديلات على التصميم. قد يكون توقيع العقد اليوم بدلاً من الأسبوع القادم. قد يكون شهادة مصورة يقدمها العميل لصالح شركتك. اجعل الخصم صفقة يربح فيها الطرفان، لا تنازلاً مجانياً.

 

القاعدة الثالثة: تعلم أن تنسحب بشجاعة.

 

إذا أصر العميل على سعر لا يحقق الحد الأدنى من الربح، فانسحب. قل له بكل احترام: “نحن لا نستطيع أن نقدم الجودة التي تستحقها بهذا السعر. نتمنى أن نخدمك في المستقبل”. هذا الرد يحفظ كرامة شركتك. وصدقني، كثير من العملاء الذين جربوا الأرخص وعانوا من رداءة الجودة… عادوا إلينا.

 

 

💎 الخاتمة: الخصم ليس الكرم… القيمة هي الكرم

 

في مجموعة عمر الطيب، تعلمت درساً لا أنساه: العميل ليس عدواً يريد أن يسرق مالك. العميل يريد أن يطمئن. يريد أن يعرف أن ما يدفعه يساوي ما سيحصل عليه.

 

رجل المبيعات الذي يمنح خصماً بسهولة يشبه طبيباً يصف الدواء قبل أن يشخص المرض. هو لا يعالج، بل يخدر. والعميل المخدر يستيقظ لاحقاً… نادماً.

 

أما رجل المبيعات الحكيم، فهو الذي يبيع القيمة أولاً. الذي يعرف أن الكرم الحقيقي ليس في خفض السعر، بل في منح العميل منتجاً يغير عمله وحياته. الذي يدرك أن السعر الحقيقي ليس ما تدفعه اليوم، بل ما تجنيه غداً.

 

 

في المقال القادم من هذه السلسلة، سنناقش خطأ آخر… لكن قبل ذلك، أخبرني: كم خصماً منحته اليوم دون أن يكون ضرورياً؟ 💬

 

 

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك