تخطى إلى المحتوى

البعد الاستراتيجي لإعادة الإعمار في سوريا.. من توطيد السلام إلى تعزيز التنمية المستدامة

البعد الاستراتيجي لإعادة الإعمار في سوريا.. من توطيد السلام إلى تعزيز التنمية المستدامة

في 5 آذار 2026، تحدث السيد الرئيس أحمد الشرع، خلال لقائه عددا من الإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني في قصر الشعب بدمشق، عن رؤيته لإعادة الإعمار عبر الاستثمار، من خلال اعتماد نموذج استثماري تشارك فيه شركات محلية ودولية.

وأشار الرئيس الشرع إلى أن هذا النموذج يمكن أن يسهم في تنشيط الاقتصاد ومعالجة البطالة وجذب الاستثمارات الخارجية، مؤكدا أن هناك اهتماما من شركات عالمية كبرى بالمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار في سوريا.

والترجمة الواقعية لهذه الرؤية تمثلت من خلال معرض “بيلدكس 24” الدولي للبناء والتشييد في 15 حزيران الجاري، ضمن خطة إعادة الإعمار في البلاد، حيث أعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية توقيع 21 عقدا رسميا في المعرض.

وقال برنية إن هناك عقودا أخرى لم يكشف عنها بعد، مؤكدا دخول شركات جديدة إلى السوق السورية وتحول بعض المستوردين إلى تأسيس مصانع محلية، ما يعكس ثقة متنامية بالاقتصاد الوطني.

وأضاف أن حجم المشاركة هذا العام في معرض “بيلدكس” سجل قفزة نوعية مع وجود أكثر من 1400 علامة تجارية من أكثر من 50 دولة، معتبرا أن المعرض يمثل أحد أبرز مظاهر التعافي الاقتصادي في سوريا، ويعكس دخول البلاد مرحلة جديدة من إعادة الإعمار والتنمية المستدامة.

وبالتوازي مع المعرض، كانت سوريا تشارك في اجتماع كبار مسؤولي الاتحاد من أجل المتوسط المنعقد في مدينة برشلونة الإسبانية في 14 حزيران الجاري، عبر وفد رسمي برئاسة القائم بأعمال السفارة السورية في بروكسل عبد اللطيف دباغ.

وأكد السفير دباغ خلال الاجتماع أهمية تعزيز التعاون الإقليمي، ودعم جهود إعادة الإعمار، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة السوريين إلى وطنهم، معربا عن تطلع سوريا إلى إعادة اندماجها في أطر التعاون البناء ضمن الاتحاد من أجل المتوسط، بما يسهم في تعزيز الاستقرار والتنمية والازدهار المشترك في المنطقة.

ويشار إلى أن الاتحاد من أجل المتوسط منظمة حكومية دولية تضم 43 دولة، وتعمل على تعزيز التعاون الإقليمي والحوار من خلال تنفيذ مشاريع ومبادرات ملموسة تتناول التنمية الشاملة والمستدامة، والاستقرار والتكامل في المنطقة الأورومتوسطية.

وتعمل الحكومة السورية على تطبيق المفهوم الاستراتيجي لإعادة الإعمار القائم على تجاوز المفهوم المادي لإعمار المباني والبنى التحتية المدمرة، نحو مشروع وطني شامل متعدد الأبعاد، يهدف إلى الانتقال بالدولة من حالة الضعف إلى القوة والسلام والاستقرار.

المفهوم الاستراتيجي لسياسة إعادة الإعمار والتنمية

يتحدث الجزائري محمد بالغالي، في دراسته التحليلية في “مجلة الدراسات الاستراتيجية”، عن الحكم الراشد والتنمية المستدامة، وعن ظروف ظهور مصطلح إعادة الإعمار وما سبقه من صراعات دولية.

ففي القرن التاسع عشر، ومع اندلاع الحرب الأهلية الأميركية وتدمير البنى التحتية للجنوب، بدأ الرئيس الأميركي حينها أبراهام لينكولن في تطبيق خطة عملية لإعادة الإعمار وتوحيد البلاد، إلا أن العملية توقفت بعد اغتياله، ليعود المصطلح إلى الظهور مرة أخرى عام 1950 بعد الحرب العالمية الثانية، التي تميزت بتطور الاقتصاد العالمي والتوجه الكبير نحو التعاون الدولي، حيث شهدت أوروبا واليابان عجزا في ميزان مدفوعاتهما، وتخريبا لبنيتهما التحتية والاقتصادية والاجتماعية، استدعى ضرورة إعادة الإعمار.

وسارعت الولايات المتحدة الأميركية إلى توفير مستلزمات إعادة الإعمار في أوروبا واليابان، حيث استحوذت على 80 في المئة من الذهب العالمي، وعلى هذا الأساس دعت واشنطن إلى إقامة نظام “بريتون وودز”، الذي أسس لمشروع “مارشال” أو ما سمي لاحقا ببرنامج الاسترداد الأوروبي، ومنه تم إنشاء صندوق النقد الدولي.

وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشؤون السياسية السورية الدكتور طلال مصطفى، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إن عملية إعادة الإعمار في المفاهيم التنموية الحديثة لم تعد مجرد عملية لإصلاح ما دمرته الحروب، بل أصبحت إطارا استراتيجيا متكاملا يهدف إلى الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة الاستقرار والتنمية المستدامة، وتقوم هذه السياسة على مجموعة من التدخلات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية التي تسعى إلى توطيد السلام، وتعزيز التماسك المجتمعي، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتهيئة البيئة المناسبة للاستثمار والنمو.

ويضيف أنه في سوريا يكتسب هذا المفهوم أهمية مضاعفة نتيجة حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والاقتصاد والموارد البشرية خلال سنوات الحرب، لذلك فإن تطبيق سياسة إعادة الإعمار يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تتجاوز إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، لتشمل إعادة بناء المؤسسات العامة، وتطوير منظومة الحوكمة، وتحفيز النشاط الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وإعادة دمج المجتمعات المحلية في العملية التنموية.

وحول المفهوم الاستراتيجي للمصطلح، يشير الباحث والمختص بشؤون إعادة الإعمار بشر دويدار، في مقالته البحثية “محددات إعادة الإعمار والتنمية في ما بعد الصراعات”، التي نشرتها “مجلة السياسة الدولية”، إلى أن المصطلح يشكل جزءا أساسيا من منظور أشمل يتعلق ببناء السلام.

وبحسب الباحث، فإن المقصود بسياسة إعادة الإعمار والتنمية لفترة ما بعد الصراعات هو أن تكون بمثابة دليل للسياسات والاستراتيجيات الشاملة التي تضع الإجراءات الساعية إلى توطيد السلام وتعزيز التنمية المستدامة وتمهيد الطريق أمام النمو واستعادة الحياة في الدول والأقاليم الخارجة من الصراعات.

ويقول الاقتصادي البريطاني بول كولير، في كتابه “التعافي بعد النزاعات: كيف ينبغي أن تكون السياسات مميزة؟”، الذي نشره مركز دراسات الاقتصاد الإفريقي التابع لقسم الاقتصاد في جامعة أكسفورد، إن إعادة الإعمار من المفاهيم التي تحمل في طياتها العديد من المعاني المتداخلة، حيث يرتبط مفهوم إعادة الإعمار بشكل مباشر بمفهوم بناء السلام بكل أبعاده، ويدور كلاهما حول فكرة رئيسية هي ترسيخ البنى التي من شأنها إحلال مظاهر السلام ومنع العودة إلى الحرب مرة أخرى.

ويستند كولير في ذلك إلى معالجة الأسباب الجذرية أو المحتملة للعنف، وخلق الوسائل المجتمعية لتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، والعمل على استقرار المجتمع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، من خلال إنشاء مؤسسات اجتماعية وسياسية وقضائية جديدة تكون بمثابة القوة الدافعة نحو التطور بعد الصراع.

وهنا، يرى الباحث الدكتور مصطفى، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن عملية إعادة الإعمار ترتبط بأهداف التنمية المستدامة، بحيث تسهم في معالجة الاختلالات التنموية التي كانت قائمة قبل الحرب، وتؤسس لنمو أكثر توازنا بين المناطق الجغرافية والقطاعات الاقتصادية، بما يعزز الاستقرار طويل الأمد.

الهدف الاستراتيجي لإعادة الإعمار

تقوم فلسفة سياسة إعادة الإعمار، بحسب الدراسات البحثية والتجارب السابقة، على هدف أسمى وفق بعد استراتيجي، وهو “إعادة البناء بشكل أفضل”، وليس العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل الصراع فقط، حيث تعتمد السياسة الاستراتيجية لإعادة الإعمار على مفهوم شامل يربط بين إعادة الإعمار المادي وإعادة إعمار الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع، وفق مبدأ تكاملي.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث “UNDRR”، فإن إعادة الإعمار المادي الشامل يعتمد على البناء الهندسي الذكي القائم على تمكين المجتمعات المحلية وإشراكها في صنع القرار، لضمان تلبية المشاريع لاحتياجاتهم الحقيقية، ودعم التعافي الاقتصادي لخلق فرص عمل جديدة، بما يتناسب مع الحد من المخاطر المستقبلية.

وفي هذا السياق، يقول الباحث الدكتور مصطفى، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إن الفلسفة الاقتصادية الحديثة لإعادة الإعمار تقوم على مبدأ أساسي يعرف بـ”إعادة البناء بشكل أفضل”، وهو مفهوم يتجاوز فكرة العودة إلى الوضع السابق للحرب، لأن العودة إلى ما قبل الحرب قد تعني إعادة إنتاج المشكلات والاختلالات التي أسهمت في إضعاف قدرة المجتمع والاقتصاد على مواجهة التحديات.

ووفق باحثين، فإن إعادة الإعمار هي عملية بناء الدولة بجميع قطاعاتها المختلفة، أولها القطاع الأمني عبر نزع السلاح، ودمج المقاتلين في المجتمع، وإزالة الألغام من مخلفات الحرب، وثانيها القطاع الاجتماعي من خلال ضمان توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية كالصحة والتعليم، وتقديم الدعم النفسي، وضمان المساواة والشمول لجميع فئات المجتمع، إضافة إلى القطاعات الاقتصادية والسياسية.

لذلك، فإن إعادة الإعمار والتنمية، بحسب الباحث دويدار، هي عملية استثمار في السلام والأمن الإنساني، وتعد فرصة فريدة ليس فقط لاستعادة ما دمرته الحرب، بل لبناء مجتمعات أكثر عدالة ومرونة وازدهارا، تعالج الأسباب الجذرية للنزاع وتضمن مستقبلا آمنا للأجيال القادمة.

وهنا، يرى الباحث الدكتور مصطفى أن الهدف الاستراتيجي لإعادة الإعمار في سوريا ينبغي أن يتمثل في بناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على المنافسة، وتطوير بنية تحتية حديثة وأكثر مرونة، وتعزيز كفاءة المؤسسات العامة، ورفع مستوى الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والصحة والطاقة والنقل، وتعزيز التنمية الاجتماعية وبناء السلام.

ويضيف أن هذا التوجه يعد فرصة لإدماج التحول الرقمي، واعتماد التقنيات الحديثة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتطوير المدن والمناطق المتضررة وفق معايير الاستدامة البيئية والاجتماعية. وبالتالي، تصبح إعادة الإعمار أداة للتحديث والتحول التنموي، وليست مجرد عملية تعويض للخسائر المادية التي خلفها الصراع.

التنمية الشاملة وتلازم التخطيط الاستراتيجي في سوريا

ينص “قانون براين تريسي للتخطيط والتنفيذ”، نسبة إلى الخبير العالمي في التنمية البشرية براين تريسي، على قاعدة ذهبية تقول: “إن الدقيقة الواحدة التي تقضيها في التخطيط، توفر عليك عشر دقائق عند التنفيذ”، بمعنى أن الوقت المستثمر مسبقا في الإعداد والتنظيم يقلل من الوقت الإجمالي لإنجاز أي مهمة بنسبة تصل إلى 90 في المئة.

لذلك، يعد التخطيط الاستراتيجي أداة أساسية لتوجيه المؤسسات والجهات الفاعلة نحو تحقيق أهداف إعادة الإعمار والتنمية المستدامة بطريقة منهجية وفعالة، باعتبار أن التنمية هي إحداث تغييرات هيكلية في المجتمع، بحيث تتجاوز مفهوم النمو الاقتصادي التقليدي لتشمل تحسين جودة الحياة، وتطوير القدرات البشرية، وحماية الموارد.

وهنا، يرى الباحث الدكتور مصطفى أن المفهوم الاستراتيجي للتنمية يرتكز على إحداث تحولات هيكلية عميقة في المجتمع والاقتصاد، بحيث لا يقتصر النجاح على تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، وإنما يمتد إلى تحسين نوعية الحياة، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وتنمية رأس المال البشري والمعرفي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.

وتعمل الجهات المشرفة على إعداد خطط استراتيجية لعملية إعادة الإعمار، تشمل الأهداف المحددة والجدول الزمني والموارد المالية والبشرية المطلوبة، إضافة إلى وضع تصورات محددة ورؤية نهائية، مع مراعاة تباين خطوات إعادة الإعمار بناء على طبيعة ومدى التحديات المحددة لكل حالة، بهدف تلبية الاحتياجات الوطنية واحتياجات المجتمع المحلي.

وتعرف الأكاديميات التخصصية التخطيط الاستراتيجي بأنه عملية منهجية تهدف إلى تحديد رؤية العمل ورسالته وأهدافه طويلة المدى، ثم وضع الخطط والسياسات التي تضمن تحقيق هذه الأهداف بكفاءة وفعالية، مع مراعاة المتغيرات الداخلية والخارجية.

وتشير الدراسات إلى أن التخطيط الاستراتيجي لا يقتصر على وضع خطة مكتوبة فقط، بل يشمل التفكير الاستراتيجي، وتحليل الواقع، واتخاذ قرارات مبنية على بيانات ومعطيات واضحة، حيث تكمن أهمية التخطيط الاستراتيجي في كونه الإطار الذي يوجه جميع الأنشطة الوطنية، من تحديد اتجاه واضح ورؤية مستقبلية، وصولا إلى تحسين عملية اتخاذ القرار، والاستخدام الأمثل للموارد المالية والبشرية، والاستعداد للمخاطر.

ويقوم التخطيط الاستراتيجي على الموازنة بين الموارد المتاحة والأهداف المراد تحقيقها، ومعرفة كيف سيتم استخدام هذه الموارد بفاعلية عالية في ضوء القوانين والسياسات المفروضة.

لذلك، فإن التخطيط الاستراتيجي ليس عملية تتم لمرة واحدة فقط وبعدها يتم تطبيقها لفترة طويلة وينتهي الأمر، بل هو عملية مستمرة ومتواصلة يتم التعديل فيها بشكل دوري من قبل المسؤولين لمواكبة كل تغيير يحدث أو ظروف تطرأ، كما تشير الدراسات الإدارية إلى أن العمليات التي تطبق التخطيط الاستراتيجي بشكل منتظم تحقق معدلات نمو واستقرار أعلى مقارنة بغيرها.

وفي هذا السياق، يقول الباحث الدكتور مصطفى، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إنه في سوريا لا يمكن فصل التنمية الشاملة عن التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل، فمرحلة ما بعد الحرب تتطلب تحديد أولويات واضحة للقطاعات الإنتاجية والخدمية، وربط الاستثمارات العامة والخاصة بأهداف تنموية محددة وقابلة للقياس، كما تستوجب تعزيز دور التعليم والتدريب المهني، وتطوير المهارات البشرية بما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد الحديث وسوق العمل المستقبلي.

ويضيف: “هنا تبرز أهمية حماية الموارد الطبيعية وإدارتها بكفاءة، خاصة في مجالات المياه والطاقة والأراضي الزراعية، باعتبارها ركائز أساسية للأمن الاقتصادي والغذائي، لذلك فإن نجاح إعادة الإعمار في سوريا يرتبط بقدرتها على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية، والاستدامة البيئية، ضمن إطار تخطيطي متكامل يضمن بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود ومجتمع أكثر استقرارا وازدهارا على المدى الطويل”.

الثورة السورية – علي إسماعيل

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك