ميساء العلي
تعود الليرة إلى مسار التعافي بعد أسابيع من التراجع، وسط عوامل نفسية وموسمية، إلى جانب تحولات أعمق في آليات السياسة النقدية وإدارة سوق القطع. وفي ظل التقلبات التي شهدتها سوق الصرف، تبرز أهمية استدامة هذا التحسن وقدرته على الصمود أمام التحديات الاقتصادية والمالية القائمة.
وتواصل الليرة تحسنها في السوق الموازية، حيث بلغ سعر الدولار أمس السبت نحو 130 ليرة (13,000 ليرة قديمة)، بعد أن كان قد تجاوز خلال الأسابيع الماضية مستوى 145 ليرة (14,500 ليرة قديمة).
ومنذ آذار 2025، اتخذ المصرف المركزي إجراءات عدة لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، وشملت التعويم المدار، وتوحيد أسعار الصرف، وهوامش التسعير.
تحول جوهري
أعلن مصرف سوريا المركزي، الخميس الماضي، خفض قيمة الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي وباقي العملات الأجنبية في نشرة الأسعار الرسمية، وذلك لليوم الثاني على التوالي، وللمرة الثالثة خلال نحو شهرين.
وحدد المصرف سعر الدولار عند 118.5 ليرة جديدة (11,850 ليرة قديمة) للشراء و119.5 ليرة جديدة (11,950 ليرة قديمة) للمبيع، بدلاً من 115.5-116.5 ليرة جديدة (11,550-11,650 ليرة قديمة) في النشرة السابقة، في حين بلغ السعر الوسطي لليورو 135.20 ليرة جديدة (13,519.59 ليرة قديمة) بدلاً من 131.75 ليرة (13,175.28 ليرة قديمة).
كما خفّض المصرف هامش الحركة السعري من 15 بالمئة إلى 9 بالمئة، بعد أن كان 17 بالمئة قبل أيام.
وفي 26 نيسان الماضي، خفّض المصرف قيمة الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي وباقي العملات الأجنبية في نشرة الأسعار الرسمية، للمرة الأولى منذ تثبيتها في 13 أيار 2025.
ورأى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن ما تشهده سوق الصرف يُعد “تتويجاً لتحول جوهري” في فلسفة السياسة النقدية، حيث ينتقل المصرف المركزي من عقلية تثبيت السعر بقرار إداري إلى عقلية إدارة السعر بأدوات السوق.
وقال محمد لصحيفة “الثورة السورية” إن تخفيض السعر الوسطي لليرة وتوسيع الهامش يُعدّان اعترافاً بأن الفجوة مع السوق الموازية قد ضاقت فعلاً بفعل قوى العرض والطلب الحقيقية، وليس بالتسعير الجبري، متسائلاً عن مدى قابلية هذا التحسن للاستمرار، وما المتطلبات التي تضمن ترسيخه خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن تحسن الليرة يعود إلى تلاقي ثلاث محركات رئيسة، تتمثل بـ:
- محرك العرض (تدفقات حقيقية): دخول كميات استثنائية من القطع الأجنبي، يُرجح أنها ناتجة عن تحويلات المغتربين بعد العيد وبداية التدفقات الصيفية، ما أحدث فائضاً في عرض الدولار وقلب المعادلة مؤقتاً.
- محرك الآلية (نظام المزادات): يُعد العامل الحاسم، إذ لم يعد المصرف المركزي يبيع الدولار بسعر إداري، لكن أصبح يضخه يومياً عبر مزادات بسعر يكتشفه السوق، ما أسهم في كسر احتكار السوق، وتقليص المراجحة، وجعل سعر المزاد أقرب إلى سعر السوق الفعلي.
- محرك السيكولوجيا (انعكاس الموجة): يتمثل بانتقال الخوف من ارتفاع الدولار إلى الخوف من خسارة قيمته، ما أدى إلى موجة بيع عكسية لدى الأفراد والمضاربين، ما أسهم في تسريع وتيرة الانخفاض وتعميقها.
واعتبر أن النتيجة تعكس تحسّن الليرة في الوقت الراهن، مرجعاً ذلك إلى أن السياسة النقدية “نجحت في إدارة تدفق دولاري حقيقي بطريقة شفافة، ما كسر حلقة الذعر وخلق حلقة ثقة عكسية”.
تحريك الهامش السعري
في 23 آذار 2025، قرر مصرف سوريا المركزي توحيد نشرات أسعار الصرف وتقليص الفروقات بينها، ضمن حزمة إجراءات تهدف إلى الحد من الآثار السلبية لتباين الأسعار، وتقليص الفجوة بين سعر الصرف في السوق الرسمية والسوق غير الرسمية، والحد من عمليات المضاربة.
وشملت الإجراءات توحيد جميع النشرات الصادرة عن المصرف (الرسمية، المصارف والصرافة، الجمارك، الشهرية) في نشرة واحدة تحمل اسم “النشرة الرسمية”، بحيث تُعتمد في جميع المعاملات التي تستخدم سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة السورية، بما فيها عمليات البيع والشراء والتقييم، والتي كانت تُستخدم فيها النشرات السابقة.
وذكر المصرف حينها أن تحديد سعر الصرف في النشرة الرسمية (الشراء والمبيع والوسطي) يتم بناءً على دراسة واقع التغيرات في أسعار الصرف والمتغيرات الاقتصادية المؤثرة فيها، على أن يكون هذا السعر قابلاً للتعديل وفق معطيات السوق والعرض والطلب على القطع الأجنبي.
كما منح المصرف المصارف المرخصة للتعامل بالقطع الأجنبي ومؤسسات الصرافة مرونة في إصدار نشرات أسعار الصرف الخاصة بها، والتعامل مع الجمهور ضمن هامش حركة سعري يومي يحدده مصرف سوريا المركزي، بما يتيح لها التسعير أعلى أو أدنى من سعر المصرف المركزي ضمن هذا الهامش المقرر.
وأشار محمد إلى أن تقليص الهامش من 17 إلى 9 بالمئة خلال فترة قصيرة يعكس أن السعر الوسطي الجديد أصبح “منسجماً” مع واقع السوق، ولم يعد بحاجة إلى هامش واسع لاستيعاب التقلبات.
ورأى أن هذه الخطوة تحمل إشارة ثقة بتضييق الهامش، إذ يوجّه المصرف المركزي رسالة ضمنية إلى السوق مفادها أنه يثق باستقرار السعر الجديد، الأمر الذي يعزز الثقة ويدفع نحو مزيد من الاستقرار.
وأضاف أن الهامش بات أداة ديناميكية بيد المركزي، تُستخدم للتوسيع في فترات التقلب والتضييق في فترات الاستقرار، في تحول يعكس انتقالاً من نشرة أسعار جامدة إلى سياسة أكثر مرونة في إدارة سعر الصرف.
استدامة التحسن
حول التوقعات للفترة القادمة وإمكانية استمرار تحسن الليرة وكيفية استدامته، يرى محمد أن هذا الاحتمال قائم ويجب الاستعداد له، موضحاً أن التحسن الحالي قوي، لكنه يستند جزئياً إلى تدفقات موسمية وأثر نفسي.
وأضاف أن القلق يرتبط بانحسار موسم التدفقات بعد الصيف، ومع تراجع تحويلات المغتربين قد يتقلص فائض العرض، إلى جانب احتمال استنزاف احتياطي المصرف المركزي في حال استمرار الضخ عبر المزادات دون موارد جديدة، فضلاً عن تأثير العامل الجيوسياسي.
وأوضح أن استدامة التحسن تتطلب تحولات هيكلية، أبرزها استمرار آلية المزادات بغض النظر عن مستوى السعر بما يعزز المصداقية على المدى الطويل، إضافة إلى تحقيق اكتفاء ذاتي من القطع الأجنبي عبر قنوات إنتاجية مستمرة مثل الصادرات والاستثمار المباشر، وليس عبر التحويلات والمساعدات فقط.
كما أشار إلى أن دعم الزراعة والصناعة التصديرية يمثل حلاً جذرياً، إلى جانب ضبط عجز الموازنة وتقليصه بما يحد من الحاجة إلى طباعة الليرة التي تغذي الطلب على الدولار.
واعتبر أن ما يقوم به المصرف المركزي اليوم يمثل إدارة نقدية “ذكية وناجحة” لمرحلة قائمة تستحق الإشادة، إذ نجح في كسر الاحتكار وتوحيد السوق واستعادة الثقة، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.
وشدد على أن التحسن الحالي يمثل فرصة استراتيجية لا تعوض، ينبغي استثمارها في دعم الإنتاج المحلي والتصدير وبناء احتياطي نقدي قوي لمواجهة الصدمات القادمة، مع التأكيد على أن سوق الصرف سيظل بطبيعته متقلباً، وأن القرار المالي الرشيد يقوم على التنويع وتجنب المخاطرة تحت ضغط الخوف، لأن الاستقرار المستدام يُبنى على الإنتاج لا على التدفقات الموسمية وحدها.
الثورة السورية










