
منير الرفاعي:
في وقت تُواجه فيه الموازنة العامة تحديات تمويلية كبيرة، وتسعى الدولة للخروج من دائرة التمويل بالعجز التقليدي الذي يغذي التضخم، بدأت وزارة المالية خطوات عملية نحو إصدار أول صكوك سيادية.
هذه الخطوة ليست مجرد إضافة أداة مالية جديدة، بل قد تمثل محاولة جادة لإعادة هيكلة التمويل العام، وتوجيه السيولة المتكدسة نحو الاستثمار المنتج، وبناء سوق مالية أكثر عمقاً واستدامة.
ترأس وزير المالية محمد يسر برنية اجتماعاً للجنة الأوراق المالية والصكوك السيادية خُصص لمناقشة مسودة الخطة الاستراتيجية التي ستُنظم إصدار الأوراق المالية الحكومية، بما فيها الصكوك السيادية. وتأتي هذه المساعي متزامنة مع التحضيرات لموازنة 2026، التي اعتمدت هذه الأدوات كمصدر رئيسي لتمويل العجز.
أداة تمويل تعتمد بأصول حقيقية
تتوافق الصكوك السيادية، كأداة تمويل حكومية، تماماً مع أحكام الشريعة الإسلامية، وتمثل بديلاً عن السندات التقليدية التي تعتمد على الفائدة الثابتة. بدلاً من أن تقترض الدولة أموالاً مقابل فائدة ربوية، تقوم ببيع حصص شائعة في حق الانتفاع بأصول حكومية حقيقية مثل الأراضي أو المباني أو المشاريع التنموية. ويحصل المستثمرون على أرباحهم من الإيرادات الفعلية الناتجة عن تشغيل هذه الأصول، سواء كانت إيجارات أو رسوم خدمات.
مثال عملي مبسط
لتوضيح الفكرة بشكل عملي، تخيل أن الحكومة ترغب في تمويل بناء جسر حيوي أو تطوير منطقة صناعية بقيمة 100 مليون دولار. في البداية، تختار أصلاً حكومياً مناسباً، مثل قطعة أرض عامة أو مبنى، ولا تبيع الملكية الكاملة له، بل تبيع فقط حق الانتفاع به لفترة زمنية محددة. بعد ذلك، تنشئ شركة تصكيك سيادي (شركة خاصة ذات غرض محدد) تشتري هذا الحق نيابة عن المستثمرين المستقبليين. تقوم هذه الشركة بإصدار الصكوك وبيعها، حيث يمثل كل صك حصة في العوائد المتوقعة من الأصل.
على سبيل المثال، إذا اشترى مستثمر صكاً بقيمة 10,000 دولار، فإنه يحصل كل سنة على عائد دوري (مثلاً 6% أي 600 دولار) يأتي مباشرة من إيرادات تشغيل الجسر أو إيجار المباني. وبعد انتهاء مدة الصك، يسترد المستثمر رأسماله كاملاً. بهذه الطريقة، يحصل المستثمر على عائد، بينما تحصل الحكومة على التمويل اللازم للمشروع دون زيادة الدين التقليدي.
وتلعب شركة التصكيك السيادي دوراً محورياً في هذه العملية. فهي شركة مملوكة للدولة، غرضها الوحيد إصدار وإدارة الصكوك. تقوم بامتلاك حق الانتفاع بالأصول نيابة عن حملة الصكوك، وتدير هذه الأصول (تأجيرها أو تشغيلها)، وتوزع العوائد بشكل دوري ومنتظم. وعند انتهاء المدة، تسترد الأصل وتعيد رأس المال للمستثمرين. يهدف إنشاء هذه الشركة إلى فصل المخاطر، تعزيز الشفافية، وضمان التوافق التام مع أحكام الشريعة، مما يجعل الإصدار أكثر جاذبية وثقة للمستثمرين المحليين والأجانب.
رؤية تحليلية شاملة
في تصريح خاص لـ “العين السورية”، أكد الدكتور علي محمد، الخبير الاقتصادي، أن إصدار الصكوك السيادية يمثل خطوة استراتيجية مهمة نحو توفير تمويل غير تضخمي لموازنة عام 2026، التي تبلغ قيمتها نحو 10.5 مليار دولار بعجز مالي يقدر بنحو 1.8 مليار دولار. وأوضح أن تمويل هذا العجز عبر الصكوك وأذون الخزينة سيسمح باستقطاب السيولة الفائضة بالليرة السورية وبالعملات الأخرى لدى المصارف والمستثمرين والمؤسسات المالية، مما يقلل من السيولة المكتنزة غير المنتجة ويوجهها نحو تمويل الإنفاق العام، وخاصة المشاريع الاستثمارية.
وأشار الدكتور محمد إلى أن هذه الأدوات ستُمكّن مصرف سورية المركزي من إدارة السيولة بشكل أفضل من خلال عمليات البيع والشراء في سوق الأوراق المالية وعمليات السوق المفتوحة. كما ستساهم في الحد من الآثار التضخمية الناتجة عن التمويل التقليدي بالعجز، مما يدعم الاستقرار النقدي.
أما بالنسبة لسعر الصرف، فأوضح أنه على الرغم من تأثره بعوامل متعددة، فإن تقليل العرض النقدي في السوق سيخفف الضغوط التضخمية عليه، مع التأكيد على أن الاستقرار الشامل يتطلب دعماً إضافياً من استقرار الإنتاج وتحجيم استنزاف القطع الأجنبي.
وشدد الخبير على أن الصكوك تمثل أداة تمويلية مؤقتة فعالة، لكنها ليست حلاً جذرياً لعجز الموازنة. وقال إن “الاستدامة هي التحدي الحقيقي”. مشيراً إلى أن أسباب العجز تعود إلى انخفاض الحصيلة الضريبية وارتفاع الإنفاق الجاري وتراجع الأداء الاقتصادي العام.
ودعا محمد إلى إصلاحات هيكلية شاملة تشمل ترشيد الإنفاق العام وزيادة كفاءته، وتوسيع القواعد الضريبية مع مكافحة التهرب، ودعم قطاع الإنتاج والاستثمار، ورفع الكفاءة التشغيلية لمؤسسات وشركات القطاع العام.
وأثنى الخبير الاقتصادي على النهج التدريجي في الإصدارات، خاصة مع محدودية الخبرة السابقة في السوق السورية. وأكد أن هذا النهج يتيح استكشاف حجم الطلب الحقيقي، وتقدير تكلفة الاقتراض بدقة، وتحديد الموارد المتاحة.
كما أبرز أهمية بناء مؤشر عائد مرجعي (benchmark yield) لتمكين المؤسسات المالية من التسعير الصحيح، ومساعدة المستثمرين في تقييم الجدوى الاقتصادية.
وفيما يتعلق بتعزيز ثقة المستثمرين، أوضح أن إصدار الصكوك يعكس التزام الجهات الرسمية بالمعايير العالمية، خاصة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطبيق معايير المحاسبة والتدقيق الدولية. وأشار إلى أن الحكومة بدأت بخطوات عملية لبناء إطار تشريعي متوافق مع الممارسات الفضلى، مع إطلاق برنامج تدريجي يحدد جدول الإصدارات وكمياتها ومواعيدها، بالإضافة إلى إصدار بيانات دورية من وزارة المالية لتعزيز الشفافية.
ودعا الدكتور علي محمد في ختام تصريحه إلى التركيز على خطوات أولوية لضمان النجاح على المدى المتوسط والطويل، منها تعزيز الإطار القانوني والتنظيمي، وبناء قدرات السوق المالي المحلي، وضمان الشفافية الكاملة وتدفق المعلومات، والاستمرار في الإصلاحات الهيكلية المرتبطة بالإنفاق والإيرادات. وختم بأن نجاح هذا المشروع سيمثل نقلة نوعية نحو تمويل مستدام وأكثر استقراراً للاقتصاد السوري، شريطة الالتزام بالنهج التدريجي والإصلاحات الشاملة.
الاستفادة من التجربة الأردنية
في سياق التحضيرات السورية، تبرز أهمية الاستفادة من التجربة الأردنية الناجحة في إصدار الصكوك السيادية وإدارة أدوات التمويل الإسلامي. بدأت الأردن مسيرتها عام 2016 بإصدار سيادي حقق نجاحاً ملحوظاً، ويمكن استخلاص عدة دروس محورية منها.
أول هذه الدروس هو بناء إطار تشريعي وتنظيمي متكامل، حيث وضعت الأردن قوانين واضحة وتعليمات دقيقة لإصدار الصكوك وتسجيلها وتداولها بما يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية.
كما أثبتت التجربة الأردنية أهمية اعتماد نهج تدريجي مدروس، خاصة في الأسواق الناشئة التي تعاني من ضعف الخبرة أو السيولة الأولية. فالتدرج يتيح استكشاف حجم الطلب الحقيقي، وقياس الرغبة في الاكتتاب، والوصول إلى تقديرات دقيقة لتكلفة الاقتراض قبل التوسع. أما الإشراف المؤسسي والتنسيق المشترك، فيظل عنصراً أساسياً، حيث تطلب النجاح إشرافاً مستمراً من وزارة المالية ولجنة توجيهية متخصصة، مع دور محوري للبنك المركزي كمدير للإصدار ووكيل للدفع والحافظ الأمين، بالإضافة إلى دور هيئات الرقابة الشرعية وهيئة الأوراق المالية.
وتكمن أهمية تفعيل دور البنوك والمؤسسات المالية في توفير بيئة استثمارية تسمح للبنوك الإسلامية والمؤسسات الأخرى بتوظيف سيولتها عبر أدوات متوافقة مع الشريعة الإسلامية، موجهة نحو تمويل مشاريع تنموية حقيقية. ولا تقل أهمية الشفافية وإصدار البيانات الدورية، حيث حرصت الجهات الأردنية على نشر بيانات مفصلة حول حجم الاستقطاب والصكوك المصدرة ومواعيد الإطفاء، مما عزز ثقة المستثمرين وبنى سوقاً مالية أكثر عمقاً واستدامة.
فرص وتحديات على الطريق
يمثل إصدار الصكوك السيادية فرصة تاريخية لسوريا لتنويع مصادر التمويل، وتطوير سوق مالية حديثة، وتوجيه المدخرات الوطنية نحو النشاط الإنتاجي الحقيقي. إلا أن النجاح يتطلب تجاوز تحديات عديدة، أبرزها استعادة ثقة المستثمرين المحليين والأجانب من خلال الشفافية الكاملة واحترام العقود، وربط الإصدارات بمشاريع ذات جدوى اقتصادية واضحة وقابلة للقياس. كما يجب العمل على تطوير سوق ثانوية نشطة تسمح بتداول الصكوك بسهولة، مع ضمان عدم تحول هذه الأداة إلى مجرد بديل شكلي للتمويل بالعجز.
في النهاية، يبقى إصدار الصكوك السيادية أكثر من مجرد عملية مالية فنية. إنه اختبار حقيقي لقدرة الدولة على بناء اقتصاد أكثر استدامة وثقة، وفرصة لتحقيق نقلة نوعية في التمويل التنموي. والاستفادة الواعية من التجارب الناجحة مثل التجربة الأردنية، مع مراعاة الخصوصيات السورية، قد تجعل من هذه الخطوة بداية مرحلة جديدة في مسيرة الاقتصاد الوطني.
العين السورية









