*بقلم: إبراهيم عمر الطيب:
أغلق مكتبي خلفي، وجلست وحدي. كان قلبي ما يزال ينبض بسرعة، وأنفاسي متقطعة. قبل لحظات، انفجرت في وجه أحد الموظفين. صرخت. قلت كلامًا لا أذكره الآن، لكني أذكر نظرات زملائه: خوف، وصمت، وبرود.
في تلك الليلة، لم أكن أفكر في الخطأ الذي ارتكبه الموظف. كنت أفكر في شيء آخر: ماذا فعل غضبي بفريقي؟ وماذا فعل بي؟
بعد سنوات من القيادة، فهمت الحقيقة التي أفتتح بها هذه السلسلة:
الغضب ليس مشكلتك. علاقتك بالغضب هي المشكلة.
المشهد الذي يعرفه كل مدير
قليلون يتحدثون عن هذا. نحن نعيش في ثقافة إدارية تمجد “الحزم”، وتخلط بين الصرامة والصراخ، وبين القوة والانفجار. المدير في خيال كثيرين هو ذلك الرجل الذي يضرب الطاولة، فيرتجف المكان، وتنحني الرؤوس.
لكن الحقيقة التي لا يراها الموظفون، أن المدير بعد انفجاره يعود إلى بيته مثقلًا. يشعر بالذنب أحيانًا، وبالغضب من نفسه أحيانًا أخرى. يتقلب في فراشه، يعيد شريط الموقف، ويسأل نفسه: هل كان يمكن أن أتصرف بشكل مختلف؟
ثم يأتي الصباح، فيرتدي قناع الثقة، ويعود إلى المكتب. لكن شيئًا ما في الفريق قد تغير. الموظف الذي صرخ في وجهه لم يعد ينظر إليه بنفس العينين. والموظفون الآخرون صاروا أكثر حذرًا، أقل مبادرة، أكثر صمتًا.
هذا هو الثمن الخفي للغضب الخام: تتآكل الثقة بصمت.
لماذا يغضب المدير؟
قبل أن نعالج الغضب، يجب أن نفهمه. الغضب لا يأتي من فراغ. إنه عرض لشيء أعمق. والسؤال ليس: “كيف أمنع غضبي؟” بل: “ما الذي يحاول غضبي أن يقوله لي؟”
من خلال خبرتي، وجدت أن المدراء يغضبون من أربعة منابع أساسية:
1. الخوف
الخوف من فقدان السيطرة. الخوف من أن يظهر ضعيفًا أمام فريقه. الخوف من أن تفوته صفقة، أو يخذله موظف، أو تنهار خطته. هذا الخوف يتحول إلى غضب، لأن الغضب أسهل من الخوف. الغاضب يبدو قويًا. والخائف يبدو هشًا.
2. الإحباط
حين تكون رؤيتك أكبر من قدرة فريقك على التنفيذ، تشعر بأنك وحيد. تحملت أنت التعب، والتخطيط، والمسؤولية، ثم يأتي من “يتقاعس” أمامك. هذا الإحباط يتحول غضبًا، لأنك لا تجد كلمات تعبر بها عن هذا الفارق بين توقعك وواقع فريقك.
3. الأنا
حين يشعر المدير أن أحدهم يمس مكانته، أو يتحدى رأيه أمام الآخرين، أو لا يعطيه “حجمه”، تشتعل الأنا. الغضب هنا ليس من خطأ في العمل، بل من جرح في الصورة. وهو أخطر أنواع الغضب، لأنه أعمى، ولا يرى إلا نفسه.
4. الانحراف الحقيقي
حين يحدث خطأ يهدد المؤسسة فعلاً: إهمال جسيم، خيانة أمانة، تلاعب. هذا الغضب مشروع. وهو الوحيد الذي يمكن أن يتحول إلى وقود للتغيير.
الغضب الخام… جريمة
الغضب دون ضبط ليس مجرد عاطفة عابرة. إنه جريمة في حق الفريق، وفي حق المؤسسة، وفي حق نفسك.
ماذا يحدث للموظف الذي يصرخ في وجهه مديره؟
· يذبل. يفقد حماسته. يتحول من موظف يبادر إلى موظف ينفذ فقط.
· يكذب. الموظف المذعور لا يخبرك بالحقيقة. يخبرك بما تريد سماعه. وبهذا، تفقد أنت أهم مصدر للمعلومات: الصدق.
· يغادر. أفضل الموظفين هم أكثرهم امتلاكًا لخيارات. لن يتحملوا بيئة سامة. سيبحثون عن مكان يحترم إنسانيتهم.
· ويتذكر. حتى لو بقي، فلن ينسى. وقد يسامح، لكنه لن ينسى. وفي يوم من الأيام، عندما تحتاجه فعلًا، ستجد أنه لم يعد هناك.
الغضب الخام يمنحك طاعة اللحظة، ويسلبك ولاء العمر.
الغضب المروض… قوة
هل نمنع الغضب إذن؟
لا.
المدير الذي لا يغضب أبدًا ليس ملاكًا. إنه إنسان فقد الحماس. فقد الغيرة على المؤسسة. فقد القدرة على التفريق بين الخطأ والصواب.
الغضب المروض هو الذي يتحول إلى:
· قرار حازم بدل صراخ.
· محاسبة عادلة بدل اتهام.
· تصحيح مسار بدل عقاب.
· حركة تطوير بدل تجميد.
الغضب كالنار. إن تركتها بلا حدود، أحرقت البيت. وإن وضعتها في موقد، أنارت ودفأت.
الثانية التي تتقرر فيها كل شيء
هنا أخطر جزء في هذا المقال.
لحظة الغضب ليست طويلة. إنها ثانية واحدة. في هذه الثانية، يحدث كل شيء:
المثير (خطأ الموظف) → الاستجابة (رد فعلك)
بين هذين القطبين، توجد مساحة صغيرة. سمّها ما شئت: صمتًا، توقفًا، نفسًا عميقًا. هذه المساحة هي التي سماها علماء النفس “المساحة بين المثير والاستجابة”. وفيها، كما قال فيكتور فرانكل، تكمن حرية الإنسان.
المدير المنفعل لا يرى هذه المساحة. ينتقل من المثير إلى الاستجابة كأنهما شيء واحد. أخطأ الموظف، فانفجر.
أما المدير الواعي، فيقف في هذه المساحة لحظة. يسأل نفسه سؤالين سريعين:
الأول: ما الذي أشعر به الآن؟
الغضب؟ الخوف؟ الإحباط؟ الأنا؟
الثاني: ما الذي أريد تحقيقه من ردة فعلي؟
أن أصرخ لأفرغ شحنتي؟ أم أن أصحح المسار لأحمي المؤسسة؟
من يسأل هذين السؤالين، لن يمنع الغضب. لكنه سيفهمه. وسيوجهه. وهذا هو الفرق كله.
خلاصة المقال
الغضب ليس عيبًا. ليس ضعفًا. ليس خطرًا بحد ذاته.
إنه طاقة. مثل الكهرباء تمامًا. قد تنير مدينة، وقد تحرق بيتًا.
المدير الذي يدرك غضبه، ويفهم مصدره، ويقف في المساحة الفاصلة بين الانفعال والفعل، هو من يملك نفسه. ومن يملك نفسه، يملك أن يقود مؤسسته.
وإن كنا قد بدأنا هذه السلسلة بسؤال “كيف تدير نفسك؟”، فالجواب الأول هو: ابدأ بغضبك. اعرفه. افهمه. روّضه.
لا تطفئه. ولا تطلقه. بل ضعه في موضع يضيء.
في المقال القادم، سنفتح بابًا آخر من أبواب النفس القيادية:
“لماذا يخاف المدراء من قول لا أعرف؟”
#إبراهيم_عمر_الطيب
#فن_الإدارة
#مقالات
#الغضب
#القيادةVSالإدارة









