
*منير الرفاعي:
في تمام الساعة المحددة لإعلان نتائج امتحانات الثانوية، لم يكن المشهد في الشارع السوري هادئاً. على العكس تماماً، تحولت المنصات الرقمية لوزارة التربية والتطبيقات الرسمية إلى ساحة تدافع افتراضي مهيب، حيث أدت ملايين النقرات الفورية والبحث الحثيث عن أرقام الاكتتاب في الدقائق الأولى إلى شلل شبه تام وبطء حاد في الخوادم. هذا الاختناق الرقمي لم يكن مجرد عطل تقني عابر، بل كان تجسيداً مادياً لـ “الاستنفار الوجودي” الذي تعيشه العائلة السورية؛ إنه التعبير الحي عن ثقافة مجتمعية متجذرة ترسخ فكرة أن “المجموع العالي” هو صك الغفران الوحيد في الحياة، وأن امتحان البكالوريا هو المحكمة الكبرى التي تُصاغ في ومضة قلم خريطة الحياة ومسارها، وسط ظروف معيشية واقتصادية تستنزف طاقات الأهل والطلاب معاً.
عندما تتراجع لغة العاطفة وتفسح المجال لقراءة الأرقام بعناية، تبرز دلالات صارخة تعكس عمق التصدعات في البنية التعليمية. فعلى صعيد الفجوة بين الأكاديمي والمهني، بينما تحافظ الفروع النظرية على شبه استقرار نسبي في معدلات النجاح، يستمر التعليم المهني والتقني في الدوران في فلك النسبة المنخفضة البالغة 39.4%؛ وهو عزوف رقمي ليس صدفة، بل هو ثمرة مرة لتراجع البنى التحتية والتجهيزات العملية، وغياب الجاذبية الاقتصادية لتخصصات يفترض أن تقود قاطرة إعادة الإعمار والتنمية. وإلى جانب ذلك، يقرع بقاء نسب نجاح الطلاب الأحرار دون حاجز الـ 48% ناقوس الخطر حول واقع “الفرص الثانية”، مسلطاً الضوء على هشاشة مسارات التعويض لمن اضطرتهم ظروف الحرب والحياة إلى مغادرة المقاعد الدراسية النظامية مبكراً، لتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى ما يتجاوز تقييم حصيلة عام دراسي واحد وتضع المناهج برمتها في قفص الاتهام حول ما إذا كانت تختبر فهماً عميقاً أم طاقة استيعابية مؤقتة تعتمد على الحفظ والتسميع.
سجن المجموع العام
إن اعتماد التعليم الثانوي السوري على “الامتحان النهائي الأحادي” كمعيار حصري وأوحد يفرز أضراراً هيكلية بالغة، فهذا النظام يغذي بعبع “الدروس الخصوصية” التي باتت تبتلع القسم الأكبر من ميزانية الأسرة، ويخلق بيئة من التوتر العصبي المزمن. من هنا، لم يعد التفكير الجدي في إعادة هيكلة التعليم الثانوي ترفاً فكرياً، بل يستوجب خطوات جريئة تقوم على إيجاد معادلة للتقييم التراكمي المستمر توزع الأوزان النسبية للعلامات على سنوات المرحلة الثانوية الثلاث لتكسر حدة “يوم الحساب الامتحاني”، مصحوبة بتحديث فلسفة الأسئلة للانتقال من استرجاع المعلومات بالحرف إلى قياس مهارات التفكير النقدي والتحليل والربط المنطقي، وصولاً إلى منح التعليم المهني اعتباره الحقيقي عبر تحويله إلى مسار جاذب وممكّن مدعوم بشراكات فعلية مع سوق العمل لإنهاء العقدة النفسية المرتبطة به.
لقد انقضى صيف إعلان النتائج وحصد الطلاب أرقامهم ومقاعدهم، لكن ما تبقى على الطاولة أثقل بكثير من مجرد تفاصيل إدارية. إن أزمة البنية الرقمية التي رافقت ساعة الحفر في بيانات وزارة التربية قد عالجتها الساعات، ولكن أزمة الفلسفة التعليمية وبنية الامتحان المؤتمت أو التقليدي تظل تنادي بصوت عالٍ. إن إصلاح الثانوية العامة في سوريا ليس مجرد تعديل في دفاتر الوزارة، بل هو إعادة هندسة لمستقبل جيل كامل ينتظر من يحرره من أسر “المجموع الوهمي” ليعيد الاعتبار للعقل والمعرفة الحقيقية.









