تخطى إلى المحتوى

ضبعة وكوكيش … وضيعة ضايعة

* د. جوليان بدور:

بعد أن نجحت في الصف التاسع، وجدت نفسي مضطرًا لمغادرة قريتي والانتقال إلى اللاذقية لمتابعة دراستي الثانوية هناك.

 

بالنسبة إلى فتى في سن المراهقة، كان الانتقال من القرية إلى المدينة أشبه بمغامرة كبيرة. لأنني كنت أجهل تماماً متطلبات الحياة في المدينة ولم أكن أعرف ماذا ينتظرني هناك. 

 

استأجر لي والدي استوديو صغيراً لدى قريبة لنا تُدعى «أم حسن»، كانت تقيم في حي القنينص الشعبي، القريب من اللاذقية.

 

ثم تسجلتْ في مدرسة «جول جمال» الشهيرة، الواقعة في ساحة الشيخ ضاهر، في قلب المدينة.

 

وعلى الرغم من إيقاع الحياة السريع والمزدحم في المدينة, إلا انها فتحت لي،أبوابًا جديدة لم أكن أعرفها من قبل.

 

أول لقاء مع البحر

 

ومن أجمل المفاجآت السارة التي اكتشفتها ، هو حديقة المنشية بجانب الكازينو المطلة على البحر. حديقة صغيرة تتوسطها أشجار كبيرة وجميلة تبدو وكأن عمرها منات السنين .

 

اغتنمت اول عطلة أسبوعية في العام الدراسي وذهبت لزيارة هذه الحديقة. جلست على أحد المقاعد الخشبية وطلبت فنجان شاي ثم بدأت اتأمل البحر . كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها البحر عن قرب .

 

لم أكن أتخيل أن يكون البحر بهذه الهيبة والاتساع، ولا بهذا الجمال والروعة، ولا بهذه الألوان المتنوعة التي تخطف العين والخيال وتأخدهما إلى ماوراء الأفق.

 

وبدات أتسأل : ماهي الدول الموجودة خلف هذا البحر؟ 

كيف يعيش الناس هناك؟ 

 

وهل سأزور يوماً أحد تلك البلدان؟

 

في ذلك الوقت لم أكن أعرف بأن القدر سيقودني فعلاً إلى بلدٍ يقع ما وراء البحار وانني سأقضي فيه ثلثي حياتي. 

 

لكن رغم بعض المميزات الايجابية بالمدينة، لم تكن الحياة فيها تخلو من بعض المتاعب والمعاناة.  

فبسبب بُعد قريتنا عن المدينة، كنت مضطراً إلى زيارة أهلي مرة كل شهر على الاقل.

 

الذهاب إلى الضيعة

 

يجب التنويه إلى أن سكان القرى الواقعة على الطريق الرئيسي كانوا محظوظين نسبيًا مقارنة بما نحن سكان القرى الناءية .لأن الميكروباص كان يوصلهم تقريبًا إلى أبواب بيوتهم مباشرة.

 

أما نحن، أبناء القرى البعيدة ، فكنا نعاني الأمريّن بالذهاب والإياب .

 

فمثلاً حين نريد الذهاب إلى المدينة، كان علينا أن نستيقظ حوالي الثالثة فجرًا، ثم نمشي على الأقدام في الظلام الدامس، وسط الوحل والمياه والحجارة، أو تحت المطر والثلج، حتى نصل إلى قرية عرامو، حيث كان ميكروباص مظهر يبيت.

 

وهناك كنا ننتظر احياناً وقتاً طويلاً حتى تمتلئ المقاعد، قبل ان ينطلق الميكرو باتجاه اللاذقية.

 

أما عند العودة من المدينة إلى القرية، فكنا نذهب إلى كراج الحفة، في ساحة الشيخ ضاهر حيث تنطلق ميكروباصات المنطقة. 

 

وهنا أيضاً كنا ننتظر…

 

ننتظر حتى تمتلئ المقاعد، قبل أن ينطلق الميكرو.

 

 

«يا وحيد… الضبعة بتاكلك!»

 

في أحد أيام الشتاء، تأخر المكروباص كثيرًا في الانطلاق من اللاذقية بسبب عطل ميكانيكي.

 

طال الانتظار، وغابت الشمس، وعتمت الدنيا، وما زلنا في المدينة.

 

وحين وصلنا إلى صلنفة، كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة مساءً بكثير.

 

كان معظم الركاب قد نزلوا إلا أنا وعدد قليل من الأشخاص. 

 

وبدأ الركاب ينظرون إليّ بقلق كوني وحيد ( هذه المرة اسماً وفعلاً) وساكن بقرية بعيدة.

 

قال لي أحدهم:

 

«يا وحيد، تأخر اليوم الميكرو كتير. ما لازم تروح عبيتكم. ضيعتكم بعيدة … والدنيا ليل والطريق خطير.»

 

ثم قال راكب آخر وبنبرة قوية:

 

«والله إذا بدك تروح على ضيعتك… بتاكلك الضبعة. دير بالك!»

 

 

حكاية الضبعة لم تكن خيالًا

 

في تلك الأيام، لم تكن حكاية الضبعة مجرد مزحة او حكاية من حكايات الجدات لتخويف الأطفال.

 

كانت حكاية حقيقية يعرفها الناس. 

 

فالمنطقة التي أسكن فيها هي منطقة جبلية ووعرة، قليلة السكان، كثيرة الغابات والوديان العميقة والكهوف والمغارات . وكانت تعيش فيها انذاك حيوانات مثل الجقيلات والضباع والثعالب… الخ.

ومن الحكايات المعروفة بالمنطقة هو ان، في سبعينيات القرن الماضي، هاجمت ضبعة في وضح النهار، أحد سكان قرية صليب بلوطة، كان اسمه بديع .

 

وقعت مواجهة مباشرة بين الرجل والضبعة، وتمكن جارنا، لحسن الحظ، من النجاة، رغم الجروح البليغة التي أصيب بها. القصة معروفة وتحولت شجاعة جارنا إلى حكاية تناقلتها الصحف المحلية ونال وسام الشجاعة . 

 

لهذا السبب تحذير الركاب كان في محله ولم أكن اجهل خطورة ما ينتظرني.

 

 عند وصولنا إلى مفرق قرية الكنفة، نزلت وحدي من الميكروباص  

 

فكرة من ذهب 

 

لم تستغرق المسافة بين موقف الميكرو وقرية الكنفة أكثر من عشر دقائق.

 

مشيت في طريق واسع ومزفتْ لكنني كنت بالكاد أرى أمامي. فكيف سيكون الحال عندما أصل إلى الطريق الضيق والوعر ، المليء بالطلعات والنزلات ! 

 

هنا شعرت فعلاً بالخطر .

 

في ذلك الوقت لم تكن هناك هواتف محمولة ولا مصابيح كهربائية تعمل بالبطاريات .

 

فبدأت أسأل نفسي: 

 

فما هو الحل الامثل في مثل هذه الحالة؟

 

صفنتْ قليلًا. ثم جاءتني فكرة جيدة 

 

«النار…! أكيد النار تخيف الضباع وجميع الوحوش المفترسة”

 

لكن من أين سأحصل على النار؟

 

أنا لا أدخن، ولا أملك قداحة.

 

لكنني أعرف أن الناس في فصل الشتاء يشعلون النار “بالدفية” للتدفئة ( الصوبا لم تكن قد وصلت بعد) .

 

لذلك قررت أن أمر على أحد بيوت القرية وأطلب من أهلها عود حطب مشتعلاً وفيه نار ( بالضيعة عندنا ، كان يسمى كوكيش».) 

 

فاذا حصلت على عود الخطب انحلّت المشكلة عملياً . 

 

وهكذا سأحمل كيس أغراضي، الذي يزيد وزنه على ١٠ كغ بيد، والكوكيش المشتعل باليد الأخرى.

 

كوكيش من قرية الكنفة 

 

عندما وصلت إلى أول بيت في قرية الكنفة، طرقت الباب.

 

ردت امرأة :

 

«تفضل… مين؟»

 

قلت أنا ياخالتي

 

فتحتْ الباب.

 

كان هناك امرأتان مسنتين تجلسان قرب الدفية ، تتدفآن وتتحادثان.

 

قلت:

 

«الله يمسيكن بالخير يا أوادم.»

 

ردو علي:

 

«الله يسعد مساك يا ابني… شو بدك؟»

 

قلت:

 

«والله يا خالتي، أنا رايح لحالي لعند أهلي بأبو مكة، وخايف تهاجمني الضبعة. بدي أطلب منكن خدمة صغيرة.»

 

قالوا:

 

«شو هي؟»

 

قلت:

 

«بدي كوشيك نار من الدفية.»

 

ولحسن حظي، كانت الدفّية مليانة حطب 

 

“اي والله منعطيك “

 

ثم نهضت احداهما وانتقت لي عود حطب ضخمًا، تتوهج منه النار، وقالت:

 

«تفضل يا ابني.»

 

ثم نظرت إليّ بحنان وأضافت:

 

«بس شو رأيك تنام عنا الليلة؟ وبكرا الصبح بتروح لعند أهلك.»

 

قلت:

 

«والله يا خالتي، ما عندي وقت… لازم روح اليوم.»

 

أخذت الكوكيش ، وقلت:

 

«الله يكتر خيركن… وتصبحوا على خير.»

 

 

كوكيش النار… سلاحي الواقي 

 

في البداية، شعرت بالأمان لأن ألسنة النار الصغيرة تتراقص أمامي وتتطاير منها الشرارات في الظلام.

 

 

لكن المشكلة هو ان قرية الكنفة تقع في لجّ الجبل، اي انها محمية نسبيًا من الهواء الشرقي.

 

ومع ابتعادي عن بيوت القرية وقبل أن أصل إلى رأس جبل عرامو، بدأت نار الكوكيش تخفت شيئًا فشيئًا.

 

 

وبدأ الكوكيش يوشك على الانطفاء.

 

وهنا…

 

خفت.

 

اي والله خفت…وقشعر بدني.

 

كنت في منتصف الطريق.

 

خلفي قرية الكنفة، وأمامي طريق طويل وعر وخطير.

 

العودة لم تعد سهلة، والذهاب إلى البيت ما زال بعيدًا.

 

وإذا انطفأ الكوكيش تماما فلن أرى امامي شيء وبإمكان الضبعة تهاجمني وتأكلني دون أن أراها .

 

قلت في نفسي:

 

«والله علقنا علقة سودة اليوم ، كان لازم اسمع كلام ركاب الميكرو!»

 

لكن للأسف لم يعد الندم يفيد 

 

وانا اتكلم مع نفسي… 

 

طار أمامي فجأة طائر اسمه “دويك”، بحجم الحجل تقريبًا، وأحدث بجناحيه الكبيرين ضجة هائلة .

 

هنا توقفت أنفاسي.

 

وانقطع قلبي.

 

وصرخت بأعلى صوتي:

 

«وااابي…”

 

ثم استعدت أنفاسي وتابعت السير باتجاه رأس جبل عرامو

 

حين هبّ الهواء

 

لكن، عندما اقتربت من رأس الجبل، بدأ الهواء الشرقي يتحرك شيئًا فشيئًا.

 

 وبدأت النار تتوهج من جديد 

 

وبدأت ألسنة اللهب تشتد، والشرارات تتطاير في الهواء.

 

عاد النور 

 

هنا أسرعت في المشي

 

وقلت لنفسي:

 

«هلق حتى لو كانت الضبعة وراي، أكيد ما راح تسترجي تهاجمني بهيك نار!»

 

ثم بدأت أحسب المسافة المتبقية :

 

«إن شاء الله بيكفيني هالكوكيش حتى أقطع القسم الأخطر من الطريق. حوالي نص ساعة… وبعد وصولي لطرف القرية، حتى لو انطفى، بكون الخطر خف….»

 

وعندما اقتربت من القرية لم يبقَ من الكوكيش إلا القليل. وحين وصلت إلى أول بيت طفيت الكوكيش بالقرية .

 

 الأمان الحقيقي

 

عندما وصلت إلى بيتنا كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساءً.

 

نظرت من الشباك.

 

كان بيتنا مضاءً بضوء اللكس ، ومليئًا بالسهيرة: 

 

رجال ونساء جالسين يتحدثون ، يضحكون، ويلعبون بالشدة في جو يسوده الحب والسعادة والهناء. 

 

توقفت لحظة أمام باب الغرفة .

 

ترددت قليلًا.

 

ثم طرقت الباب.

 

سأل والدي:

 

«مين؟»

 

قلت:

 

«أنا”

 

فتح الباب.

 

قلت 

“الله يمسيكم بالخير” 

 

فردّوا:

 

«الله يسعد مساك.»

 

نظر إليّ والدي وفي عينيه مشاعر امتزج فيها الغضب بالخوف والفرح.

 

وقال:

 

«الله يخرب بيتك يا مجنون! كيف بتمشي بالعتم لحالك؟ والله ما فيك عقل؟ منيح يلي ما أكلتك الضبعة!»

 

ضحكوا السهيرة وقالوا:

 

«أبوك معه حق! يا وحيد، ما لازم تخاطر بحياتك هيك. المهم هالمرة مرقت بسلام… بس المرة الجاية دير بالك!»

 

أما أمي الحنونة…، رحمها الله،اقتربت مني وقبلتني وسلمت عليّها وقبّلت يديها.

 

ثم قالت:

 

«أكيد إنك ميت من الجوع… راح حطلك عشا”

 

وضعت لي صينية الطعام على طرف ، وبدأت أتناول الطعام وأنا أنظر إلى اهلي والسهيرة .

 

وهنا شعرت بشيء لم أشعر به منذ بداية الرحلة

 

بالأمان… 

 

بالأمان الحقيقي والفعلي…

 

ذلك الأمان الذي تصنعه وجوه نحبها ونثق بها ، وتعمل كل ما بوسعها لحمايتنا وسعادتنا

 

واليوم ….

 

 

واليوم، عندما أتذكر تلك الليلة، أبتسم.

 

وأقول لنفسي:

 

المراهقين شو قليلين العقل …بيتصرفوا بسرعة وبيتخذوا قرارات من دون ما يحسبوا نتائجها كما ينبغي !

 

لكن رغم ذلك …

 

“بالله عليكم اصدقائي ، هل بحياة الأنسان مرحلة أجمل من مرحلة المراهقة؟ 

 

وهل هناك أجمل من ذكريات الشباب ؟ 

 

 نعم تغيّرت الدنيا وتقدّمنا في العمر …

 

وتغيرّت المدن والدول والعلاقات. وتبدلت الطرق. واختفت الميكروباصات القديمة. وظهرت وسائل نقل جديدة….

 

ورحل أشخاص حبيناهم، وولد أطفال جدد، وكبرت أجيال لم تعرف شيئًا عن تلك الطرق الموحلة، ولا عن الميكرو الذي لا يتحرك قبل أن تمتلئ مقاعده، ولا عن «الكوكيش» الذي كان سلاحًي في مواجهة الضباع.

 

لكن لحسن الحظ، هناك ذكريات لا تشيخ ، مهما مرّ عليها الزمن.

 

ذكريات تبقى مضيئة في القلب.

 

مثل نور الكوكيش الذي اضاء عتمتي في وسط الليل وفي ذروة خوفي وهلعي… 

 

كان نوراً في قلب الظلام الدامس…

 

نورًا لم ينطفئ حتى اليوم.

 

إنه نور الوالد والوالدة.

 

نور الإخوة والبيت والقرية.

 

نور الطفولة والمراهقة.

 

 نور الشباب 

 

نور الوطن. 

 

طابت أوقاتكم…وأدام الله عليكم نعمة الأهل، ودفء البيوت، وجمال الذكريات.

 

د. جوليان بدور: مدرس واكاديمي في جامعة ريونيون الفرنسية من أصل سوري 

 

هامش ١: هذا المقال ليس مجرد سردٍ لذكريات مضت، بل هو توثيق تاريخي لتجربة عشتُ تفاصيلها بنفسي، ومررتُ بمحطاتها في مرحلة مراهقتي وشبابي، وليست مشاعر مصطنعة أو عواطف يحاول كاتب استحضارها من نسج الخيال.

 

هامش ٢ : الهدف الأول والأخير من نشر مقالاتي التاريخية ، التي تأخذ مني الكثير من الوقت والجهد، هو رسم البسمة على وجوه الأحبة والأصدقاء ، وأن أوقظ في نفوسهم ذكريات جميلة عاشوها مع أهلهم وأحبتهم وأصدقائهم في زمنٍ ما زال يحتل مكانة عزيزة في قلوب السوريين.

 

هامش ٣: أتمنى أن يجد كل قارئ في هذه السطور شيئاً من ماضيه، وأن يستعيد ذكرى دافئة، أو موقفاً جميلاً، أو لحظةً عاشها مع أشخاص أحبهم وما زال يعتز بذكراهم. زمن قراءة المقال: نحو 8 دقائق.

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك