تخطى إلى المحتوى

كيف تحوّل سوريا موقعها الجغرافي إلى ورقة قوة في صراعات الشرق الأوسط؟

تعود الجغرافيا، في الصراع الدائر في الشرق الأوسط على خلفية الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” على إيران، لتكون موجهة وورقة ضغط على طاولة المفاوضات، مختصرة جوهر الصراع ومسلطة الضوء مجددا على مفهوم الجيوبوليتيك، وبالتالي على تحويل الموقع الجغرافي إلى عامل قوة يدار من خلاله الصراع بطريقة منفصلة عن الحسم العسكري، أي ما يمكن أن يؤول إليه الميدان.

في هذا الصراع، تحول مضيق هرمز من مجرد حيز جغرافي إلى أداة ضغط استراتيجية قادرة على خنق الاقتصاد العالمي، وسلاح فتاك يطال الاقتصاد العالمي ومعه النظام الدولي بأسره.

وبناء عليه، فإن ما يجري على خلفية الحرب دفع الإقليم إلى التفكير بالجيوبوليتيك ليس فقط محركا للصراع وعامل قوة يستخدم بمثابة ورقة للتفاوض على طاولة الاتفاقيات، بل أيضا أداة يمكن تطويعها لخدمة المصالح المشتركة، وليكون عامل قوة وانفتاح لا عامل انغلاق، إلى جانب خدمة النفوذ والقوة وإعادة التموضع، من خلال إحياء خطوط الترانزيت وإيجاد مسارات جديدة.

على خلفية ذلك، يصبح السؤال المطروح حول كيفية تحويل الموقع الجغرافي إلى عامل قوة في إقليم مضطرب، كما جرى في مضيق هرمز: أي كيف يمكن تطويعه، كما ذكر آنفا؟

وتبرز في السياق سوريا الخارجة من حرب، والواقعة ضمن إقليم مضطرب، والتي تمتلك موقعا جغرافيا بات اليوم قبلة الشرق والغرب، كما كان دائما، وتحاول أن تسلك طريق الحياد والبراغماتية في العلاقات والأزمات. فإلى أي مدى تستطيع سوريا، في ظل كل تلك المعطيات، أن تحول موقعها الجغرافي السياسي اليوم إلى عامل قوة وورقة تفاوض في ظل عالم متغير؟ وما الحدود السياسية والعوامل الاقتصادية المساعدة؟

يمكن القول، بناء على المعطيات التي بدأت تتوارد مؤخرا عن الرغبة الإقليمية والدولية في إعادة سوريا إلى دورها كممر عبور ومركز تصدير، ورغم الوضع السوري الراهن غير المستقر بشكله النهائي، إن سوريا ليست بلدا عاديا، بل مفصل جغرافي يعيد تشكيل النفوذ والتموضعات. وربما تكون الفرصة متاحة لتطويع الموقع الجغرافي بما يلائم إعادة بناء الدولة السورية، ويضمن حيادها وتوازن علاقاتها الدولية، مبتعدة عن الانطواء ضمن محاور، لصالح إدارة العلاقات مع الجوار والعالم على أسس المصالح المشتركة والسيادة المتبادلة.

الجغرافيا كعامل محدد
على الدوام، كانت الجغرافيا السورية عاملا محددا ورئيسيا للتفاعلات السياسية بين سوريا ومحيطها وبين العالم، وستبقى سوريا عاملا إقليميا لا يمكن تجاوزه طالما بقي للجغرافيا دورها. وبالرغم مما تواجهه سوريا من تحديات، فإن السياسة السورية فاعلة في محيطها، ومدركة لحجم الخطر الذي يتربص بها، لذلك تنتهج الحياد والتوازن في العلاقات.

والتمحور حول سوريا اليوم، وإعادة تموضعها ضمن خطوط الطاقة والإمداد، يشيران بوضوح إلى تحولها من جغرافيا صراع وأزمة إلى عقدة جيوسياسية، حيث أصبحت نقطة تقاطع بين المشاريع الإقليمية، وفي مقدمتها الطاقة، وهذا يقودها إلى لعب دور فاعل في التوازنات الإقليمية.

بمعنى آخر، برزت أهمية الموقع الجغرافي السوري على خلفية حرب الشرق الأوسط وارتداداتها، ما حول الأنظار إليها لحل جزء من أزمة الطاقة الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، عبر البحث في إمكانية ضخ قسم كبير من الصادرات النفطية وغير النفطية عبر الأراضي السورية وموانئها إلى العالم.

وعلى أثر ذلك، بدأت خطوط النقل والترانزيت تتفعل، وبدأت صهاريج النفط العراقي تعبر إلى ميناء طرطوس، إضافة إلى بحث إصلاح الأنابيب التي تربط بين كركوك العراقية والساحل السوري، والتي توقفت عام 2003، كما بدأ العمل من أجل تأهيل خط “التابلاين” القادم من السعودية، وجرت اتصالات مع الأردن لتعزيز المعبر البري، الذي يعرف باسم “كوريدور الشرق الأوسط”.

ومؤخرا، بحث ممثلون عن وزارات الطاقة في سوريا والأردن ولبنان الإجراءات التنفيذية المتعلقة بتفعيل “خط الغاز العربي”، في خطوة تعكس حراكا إقليميا لتعزيز التكامل الاقتصادي في مجال الطاقة.

وأكد معاون وزير الطاقة لشؤون النفط، غياث دياب، أن الشبكة السورية في أعلى مستويات الجاهزية بعد استكمال الاختبارات الفنية اللازمة على طول المسار الممتد من الحدود الأردنية – السورية وصولا إلى الحدود اللبنانية.

وأشار دياب إلى البعد الاستراتيجي لهذا المشروع، مبينا أنه يعد شريانا حيويا يعزز التكامل الاقتصادي بين هذه الدول، حيث تستمر سوريا في أداء دورها المحوري كدولة عبور آمنة ومستقرة للطاقة الإقليمية.

ويأتي هذا التحرك في وقت يشهد فيه قطاع الطاقة في منطقة الشرق الأوسط تحولات كبرى، حيث تسعى الدول العربية إلى إعادة تفعيل مشاريع البنية التحتية المشتركة. ويعد “خط الغاز العربي” أحد أبرز هذه المشاريع، حيث يمتد من مصر عبر الأردن وسوريا وصولا إلى لبنان.

وفي كانون الثاني الماضي، وقعت كل من الأردن وسوريا اتفاقية لبيع وشراء الغاز الطبيعي، تقضي بتزويد الأردن سوريا بنحو 4 ملايين متر مكعب يوميا من الغاز عبر الأراضي الأردنية، في خطوة تهدف إلى دعم قطاع الكهرباء السوري والتخفيف من أزمة الطاقة في البلاد.

ويعول المسؤولون في الدول الثلاث على أن يسهم تفعيل خط الغاز العربي في تحسين وضع الكهرباء في لبنان، الذي يعاني من أزمة طاقة خانقة، كما سيساعد على استقرار الشبكة الكهربائية السورية التي تعاني من انقطاعات واسعة.

وخط الغاز العربي هو مشروع استراتيجي إقليمي لنقل الغاز الطبيعي، يمتد بطول يزيد على 1200 كيلومتر، وصمم لربط حقول الغاز في مصر بدول المشرق العربي وأوروبا.

وينطلق الخط من مدينة العريش المصرية وصولا إلى العقبة في الأردن، ثم يمتد شمالا عبر الأراضي الأردنية ليصل إلى سوريا ومنها إلى لبنان، مع وجود خطط مستقبلية لربطه بتركيا والعراق وشبكة الغاز الأوروبية.

وتدرج إنشاء المشروع على مراحل؛ فالمرحلة الأولى بين العريش المصرية والعقبة الأردنية تم إنجازها في تموز 2003، بطول 265 كيلومترا، وبسعة 350 مليار قدم مكعبة يوميا، بينما أنجزت المرحلة الثانية من العقبة جنوبي الأردن إلى شمالها قرب الحدود مع سوريا في عام 2005، بطول يزيد على 390 كيلومترا.

أما المرحلة الثالثة، من الأردن إلى دير علي قرب دمشق، بطول 324 كيلومترا، ومنها إلى حمص وسط سوريا، فقد تم إنجازها في عام 2008، وكانت مصر تضخ عبرها 90 مليون قدم مكعبة يوميا من الغاز إلى سوريا.

أوراق سوريا
وفقا لمحللين، تمتلك سوريا أوراقا عدة، كالموقع الجغرافي باعتباره عقدة ربط بين آسيا وأوروبا وبوابة للبحر المتوسط، ووجود قوى دولية على أراضيها يمنحها أهمية تفاوضية، إضافة إلى الشرعية السياسية من حيث بقاء مؤسسات الدولة واستعادة تدريجية للعلاقات.

في السياق، يستعرض الدكتور طلال مصطفى، الأستاذ والباحث في “السوسيولوجيا السورية”، في حديث صحفي، حدود قدرة سوريا على التأثير في إعادة هندسة المشهد الإقليمي وأبرز أوراق القوة التي تملكها، ضمن ثلاثة سيناريوهات: الأول يتمثل في تحول سوريا إلى شريك متوازن ضمن محيطها الإقليمي، والثاني في استمرار سوريا كساحة تجاذب إقليمي ودولي، حيث يبقى النفوذ الخارجي عاملا حاسما في رسم السياسات والاتجاهات، والثالث في تحول سوريا إلى محور مغلق يقوم على عودة العزلة الدولية.

ويستبعد هذا السيناريو، أي “المحور المغلق”، في ظل الانفتاح الدولي والإقليمي على سوريا ودمجها في المؤسسات الدولية وإعادتها لتأخذ دورها في التوازنات التي تتشكل اليوم على قواعد اقتصادية بخلفيات سياسية مرتبطة بالتحول السياسي في البلاد منذ 8 كانون الأول 2024، وما أعقبه وصولا إلى الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وتداعياتها الاقتصادية والسياسية على الإقليم والعالم.

من منظور الجيوبوليتيك الكلاسيكي، تقع سوريا فيما يعرف بـ”الحافة المشرقية” (Rimland)، وهي المنطقة التي تفصل قلب آسيا اليابس عن البحار المفتوحة. فهي ليست دولة محاطة بحدود فحسب، بل ممر بين الإمبراطوريات، ومن يسيطر عليها يمتلك مفاتيح العبور بين الخليج والمتوسط، ويتحكم في طرق الطاقة والممرات التجارية. لهذا كانت دائما ميدان اختبار لإرادات القوى الكبرى، تتقاطع فيها مصالح الشرق والغرب، وتختبر عندها حدود الشرق الأوسط ذاته.

وتشير النظرية الجيوبوليتيكية، التي تقوم على فرضية مفادها أن ثمة علاقة بين قوة الدولة وجغرافيتها، إلى أن العامل الجغرافي يؤدي دورا كبيرا في بناء قوة الدولة وزيادة أسباب ومصادر قوتها.

ويعد العامل الجيوبوليتيكي من أهم عناصر قوة الدولة، حيث يقصد به الحيز الجغرافي المكاني الذي تشغله الدولة وتوجد فيه ضمن رقعة من الأرض، وهو يتمثل بنوعية وطبيعة مواردها، وحجم إقليمها من حيث ضيقه أو اتساعه، وكذلك موقعها وعدد سكانها. وكل هذه العوامل تعد مكونا أصيلا في بناء الحياة السياسية والاجتماعية للدولة، كما تؤدي دورا مهما في صياغة استراتيجياتها وخططها الأمنية والعسكرية.

وضمن آفاق هذا الفضاء، تشير الأدبيات السياسية إلى أن الجيوبوليتيك، بمدلولاته المعرفية، يهتم بعلاقة الجغرافيا السياسية بقوة الدولة، فتمخض عن تلك الرؤية ظهور مصطلح “علم الجيوبوليتيك”، الذي يرتكز على مبدأ أن لكل حيز أرضي، أي مساحة محدودة المعالم، أهمية نسبية في تحديد وإبراز مغزى النظام السياسي العالمي. وتدرس الجيوبوليتيك العلاقة بين الأرض والحيز الجغرافي، أو رقعة الدولة الأرضية التي تقوم عليها، أو ما تطمع سلطاتها السياسية والعسكرية في السيطرة عليه من أرض مجاورة لها، وبين الاتجاهات السياسية التي رسمتها لنفسها، لقناعاتها بأنها تصبح دولة قوية من خلال فهم العوامل الجغرافية في هذه الأراضي. وهذا يعني أن الجيوبوليتيك، في مناهجه وميادينه ومرجعياته الفكرية، نشأ من مقاربات الجغرافيا السياسية وأسهم في تطويرها.

من ساحة صراع إلى ورقة قوة
يرى الكاتب والمحلل السياسي جابر سلامة أن سوريا قادرة على تحويل موقعها الجغرافي من ساحة صراع إلى ورقة قوة، بفضل تحولها إلى دولة مرتكز لا يمكن تجاوزها في أي ترتيب إقليمي.

ويقول سلامة في حديث لـ”الثورة السورية”: راهنا برزت سوريا كطريق بري بديل لنقل الطاقة من الخليج والعراق إلى المتوسط وأوروبا، بعد تصاعد تهديدات الممرات المائية كهرمز وباب المندب، ويتم العمل على إحياء خط كركوك – بانياس بتكلفة كبيرة.

ولا شك أن تراجع النفوذ الإيراني خلق فراغا تتسابق القوى الإقليمية لملئه، وفقا لسلامة، فتحولت سوريا إلى حلبة تنافس جيوسياسي يمنح الحكومة مساحة للمناورة اقتصاديا، على أن تتبنى الاستراتيجية الجديدة تنوعا في الشراكات واستقطاب الاستثمارات.

وفي السياق، نالت شركة موانئ دبي العالمية عقد تطوير ميناء طرطوس بصفقة ضخمة، مما جعله عقدة لوجستية حيوية. كما تسعى دمشق إلى مبادرة “البحار الأربعة” لربط الخليج والمتوسط وبحر قزوين والبحر الأسود في شبكة نقل وطاقة متكاملة تلبي الاحتياجات، وهو مشروع ضخم قد يسهم في إعادة الإعمار التي تقدر بنحو مئتي مليار دولار. كما جذبت البلاد استثمارات مباشرة بلغت ثمانية وعشرين مليارا ونصف المليار دولار في النصف الأول من هذا العام.

أما سياسيا، فيوضح سلامة أن المعادلة تقوم على توازن بالغ الدقة في العلاقات مع موسكو وأنقرة والدول العربية دون ارتهان كامل، وقدرة دمشق على ضبط حدودها ومنع التهريب. كما أن انضمامها الرسمي إلى مبادرة “الحزام والطريق”، إن تم، سيعزز موقعها الاستراتيجي ويمنحها عمقا إضافيا.

ويخلص سلامة إلى القول: نجاح سوريا في تحويل الجغرافيا إلى ورقة قوة يتوقف على قدرتها على إدارة التناقضات الداخلية والإقليمية، والتوازن في علاقاتها، وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها.

محددات السياسة الخارجية
على مدى التاريخ، كانت سوريا الطبيعية قد حظيت دائما بالاعتراف بتربعها على عرش من عروش الجغرافيا السياسية، حتى قبل أن يعرف هذا المصطلح كفكرة أو كعلم، حيث كان يعرف بالموقع المهم على طرق التجارة مثلا، أو عند نقطة تلاقي نفوذ إمبراطوريات العالم القديم، وأحيانا في قلبها تماما، كما كانت في زمن الدولة العربية الإسلامية في عهديها الأموي والعباسي، وقبل ذلك في الحضارات الآشورية والبابلية، وفي الحقب والمجالات الحيوية للآراميين والفينيقيين.

وتعد الجغرافيا من محددات السياسة الخارجية للدولة، وقد تفضي إلى علاقة صراعية مع دولة مجاورة نتيجة عدم وجود حدود طبيعية مانعة، أو نتيجة تمتع الدولة بموقع استراتيجي مهم يجعلها موضوعا للتنافس الدولي.

وفيما يتعلق بالمحددات الجغرافية في السياسة الخارجية السورية الراهنة في علاقاتها بجوارها، نجد أن لهذه المحددات أهمية بالغة تنطلق من طبيعة الدور السوري راهنا وخصوصيته ضمن الفضاء الإقليمي الأوسع.

ويرى البعض أن القيمة الفعلية للدولة لا تقاس فقط بعدد الكيلومترات المربعة، بقدر ما تقاس بما يتوفر لديها من موارد حيوية ومصادر طاقة بشرية أو طاقوية قادرة على استغلال هذه الموارد المتاحة في زيادة الإنتاج، بشكل يحافظ على المستوى المعيشي المناسب للسكان، إلى جانب قياسها، أي المساحة، من خلال خدمات طرق التجارة والنقل المحلي أو العابر للحدود الجغرافية، ناهيك عن الاستراتيجية العسكرية ومتطلبات الدفاع عن الدولة أوقات الخطر. فليس هناك مساحة مثلى للدولة، بل إن كل مساحة يمكن أن تكون مثلى إذا ما توفرت فيها الأمور السالفة الذكر، وارتبط ذلك بالدور الذي تسعى إليه في البيئة الدولية.

الثورة السورية – هبا أحمد

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك