
الغش الغذائي هو عملية متعمدة لتغيير أو تزوير مكونات المنتجات الغذائية أو معلوماتها، بهدف خداع المستهلك وتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة، ما يشكل خطراً على صحة الإنسان والاقتصاد.
في القانون
للوقوف على حقيقة هذه الجريمة، وكيف يتعامل معها القانون السوري وما عقوباتها؟ التقت ” الثورة السورية” المحامية سالي شار التي تستهل حديثها بالقول: “تُعدُّ جرائم الغش التجاري والغذائي، من أخطر الجرائم التي تمسّ صحة المستهلك وسلامته، لما تتضمنه من ممارسات غير قانونية تهدف إلى تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب صحة المواطنين وجودة المنتجات المتداولة في الأسواق”.
وتشمل هذه الجرائم استخدام مكونات غير صالحة للاستهلاك، أو إضافة مواد ضارة لتحسين اللون أو الطعم أو الرائحة، إضافةً إلى التلاعب في تواريخ الصلاحية، وإعادة تعبئة المنتجات الفاسدة بعبوات جديدة لإظهارها وكأنها صالحة للاستهلاك.
كما قد يمتد الغش، وفق الشار، ليطول المنتجات الزراعية والصناعية، من خلال خلط مواد رديئة بمواد أصلية، أو بيع منتجات غير مطابقة للمواصفات القياسية على أنَّها ذات جودة عالية، ما يشكل خداعاً مباشراً للمستهلك وإضراراً بالاقتصاد والصحة العامة.
وتتابع الشار: يُعتبر الغش في تاريخ صلاحية المنتجات من أكثر أشكال التدليس خطورة، لأنَّه يؤدي إلى تسويق مواد منتهية الصلاحية بعد تغيير أو تزوير البيانات المدونة على العبوة، الأمر الذي قد يسبب حالات تسمم وأضراراً صحية جسيمة.
وبعد شرح خطر هذه الجريمة تنتقل الشار لتوضيح أركانها، مبينةً أنَّ الركن المادي لها، يتمثل بالفعل الجرمي نفسه، كطرح مواد فاسدة في الأسواق، أو تغيير تاريخ الصلاحية، أو إعادة تعبئة المنتجات التالفة، أو إضافة مواد ضارة بهدف تحسين الشكل أو الطعم أو إخفاء الفساد.
أما بالنسبة للركن المعنوي، تؤكد الشار أنَّه يجب أن يتوافر فيه القصد الجرمي والعلم، أي بمعنى أن يكون الفاعل عالماً بأن المادة فاسدة أو مغشوشة أو منتهية الصلاحية، ومع ذلك يقوم بتداولها، أو بيعها، أو عرضها بقصد الربح أو التضليل.
بينما الركن القانوني، فهو وجود نص قانوني يجرّم هذا الفعل، وهو ما نص عليه، حسب قولها، المرسوم التشريعي رقم 8 لعام 2021 المتعلق بحماية المستهلك، حيث تجرم المادة 53 منه غش المواد الغذائية والمنتجات وطرح المواد الفاسدة أو المغشوشة أو منتهية الصلاحية في الأسواق.
وتضيف الشار، بالنسبة للعقوبة فإنَّها تتمثل بالحبس لمدة لا تقل عن سنة، إضافةً إلى غرامة مالية لا تقل عن خمسة ملايين ليرة سورية، مع مصادرة المواد المضبوطة وإتلافها وفق الأصول القانونية.
كما تتشدد العقوبة إذا كانت المواد المضبوطة ضارة بالصحة العامة، أو تسبب التسمم أو تشكل خطراً على حياة المواطنين، حيث قد تصل في هذه الحالة إلى الحبس لمدة سنتين أو أكثر مع غرامات مالية مشددة، وإغلاق المنشأة أو المحل التجاري لمدة قد تصل إلى ستة أشهر.
وتستطرد الشار، أما في حال ترتب على الفعل أذى جسدي أو حالات تسمم أو وفاة، فيمكن تطبيق نصوص أشد من قانون العقوبات العام، باعتبار الجرم ماسّاً بالصحة والسلامة العامة، وقد تتحول القضية إلى جناية بحسب حجم الضرر والنتائج المترتبة على الفعل الجرمي.
ترى الشار أنَّ الضابطة التموينية تلعب دوراً أساسياً في مكافحة هذه الجرائم من خلال الرقابة على الأسواق، وسحب العينات، والقيام بتنظيم الضبوط التموينية وإحالة المخالفين إلى القضاء المختص، ولكن يبقى وعي المستهلك، برأيها، عاملاً أساسياً في الحد من انتشار هذه الظواهر.
تآكل الثقة بين أفراد المجتمع
أما من الناحية الاجتماعية، يرى الباحث الاجتماعي أدهم نيصافي خلال حديثه لـ ” الثورة السورية” أنَّ جرائم الغش التجاري والغذائي لا تقتصر آثارها على الضرر الصحي أو الخسائر المادية، تمتد لتترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأفراد والمجتمع.
يقول النيصافي: يؤدي انتشار الغش إلى تآكل الثقة بين أفراد المجتمع، ويضعف العلاقة بين المستهلك والتاجر أو المنتج، كما ينعكس سلباً على حركة التجارة والاقتصاد.
ومن أخطر نتائجه برأيه، أنَّه يرسخ ثقافة التحايل والربح السريع على حساب القيم الأخلاقية، ما يضعف منظومة النزاهة والالتزام المجتمعي.
ويتابع، يعتبر المجتمع عموماً هذه الجريمة، من أكثر الجرائم خطورة، لأنَّها تستهدف المال، وتمس صحة الإنسان وسلامته بشكل مباشر، وغالباً، حسب قوله، ما يُنظر إلى مرتكبيها على أنَّهم يفتقرون إلى الضمير والمسؤولية الأخلاقية، لأنَّهم يضحون بسلامة الآخرين لتحقيق مكاسب مادية.
ووفق النيصافي، قد تتعزز مع تكرار هذه الحالات، المطالب الشعبية بتشديد العقوبات والمحاسبة العلنية، عبر التأكد من تاريخ الصلاحية وسلامة العبوة ومصدر المنتج قبل الشراء.
من جهة ثانية، توضح الباحثة النفسية رهف سليمان حسن لـ” الثورة السورية” أنَّ اكتشاف الغش الغذائي أو التجاري، يتسبب في شعور المستهلك بالقلق والخوف، خاصةً، عندما يتعلق الأمر بمنتجات غذائية قد تؤثر في صحة الأسرة والأطفال.
كما يولّد حسب قولها، حالة من فقدان الثقة تجاه الأسواق والمنتجين، ويزرع الشك الدائم لدى المستهلك عند شراء أي منتج، ما يخلق حالة من التوتر والارتياب.
وتضيف الحسن، أنَّه في الحالات التي ينتج عنها ضرر صحي مباشر، قد يتطور الأمر إلى شعور بالغضب والصدمة والإحساس بانعدام الأمان في المجتمع.
تفعيل الرقابة المجتمعية
يقدم النيصافي بعض الحلول التي تساعد في الحد من هذه الجريمة، مثل تعزيز الوعي المجتمعي عبر حملات إعلامية وتثقيفية توضح مخاطر الغش وطرق اكتشافه، وكذلك تشجيع ثقافة الإبلاغ عن المخالفات، مع ضرورة تفعيل قنوات الشكاوى للمستهلكين.
ويشير إلى أهمية تنمية الرقابة المجتمعية من خلال تعاون الجمعيات الأهلية ومنظمات حماية المستهلك، مبيناً أنَّه يجب غرس القيم الأخلاقية في المدارس والجامعات.
كما دعا إلى ربط التجارة بمبادئ الأمانة والمسؤولية، مؤكداً على دعم الشفافية من خلال نشر أسماء الجهات المخالفة لردع الآخرين، وتعزيز الشراكة بين المجتمع والجهات الرقابية لضمان الكشف المبكر عن المخالفات.
واختتم النيصافي بالقول: “إنَّ مواجهة الغش التجاري والغذائي تتحقق بالعقوبات، وببناء وعي مجتمعي يعتبر الأمانة مسؤولية جماعية، لأنَّ حماية المستهلك تبدأ من ضمير المنتج والتاجر قبل أن تصل إلى يد الرقابة”
التلاعب بصحة المستهلك وسلامته تعدُّ جريمة قانونية واجتماعية وأخلاقية، لذلك لا بدَّ من سنّ قوانين رادعة لها، مع ضرورة تنمية الرقابة المجتمعية وغرس القيم الأخلاقية اجتماعياً، لأنَّ حماية صحة المستهلك هي مسؤولية وأمانة يجب فرضها على المنتج والتاجر، وذلك حتى نضمن السلامة والصحة لجميع أفراد المجتمع.
الثورة السورية









