سمر حمامة
أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) في بيان لها 15 أيار الجاري تسجيل 10 حالات إصابة مؤكدة بفيروس “هانتا” حول العالم، تسع منها مختبرية وواحدة محتملة، إلى جانب 3 وفيات، جميعها مرتبطة بتفشٍّ محدود النطاق على متن سفينة “إم في هوندس” (MV Hondius) السياحية الهولندية بداية أيار الحالي.
وقد أظهرت التحاليل أن جميع الحالات المصابة مخبرياً تحمل سلالة “أنديز” (Andes virus) الفريدة القادرة على الانتقال المباشر بين البشر في حالات المخالطة اللصيقة.
وأكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس في تصريحات صحفية أن خطر انتشار الفيروس على الصعيد العالمي لا يزال منخفضاً، ومع ذلك، شدد غيبريسوس على أن فترة حضانة الفيروس الطويلة، والتي تصل إلى ستة أسابيع تجعل رصد حالات جديدة أمر وارد خلال الأيام القادمة عقب عودة الركاب إلى بلدانهم.
وقد أثارت المخاوف من تكرار سيناريو جائحة “كوفيد 19” موجة من التكهنات على وسائل التواصل الاجتماعي حول حقيقة هذا الفيروس ومدى خطورته وإمكانية تحوله إلى تهديد وبائي عابر للحدود، وصولاً إلى السؤال الأهم حول حقيقة وجود خطر مباشر يهدد الواقع الصحي في سورية.
يقدم الدكتور معاوية العليوي، استشاري طب الأطفال وصانع المحتوى الطبي السوري، شرحاً مفصلاً لطبيعة فيروس “هانتا”، موضحاً آلية ظهوره وتفشيه، وإجراءات الوقاية المطلوبة، في رده على المخاوف والتداول الإعلامي الراهن.
عودة الفيروس القديم
يستهل العليوي حديثه بالتأكيد أن فيروسات “هانتا” ليست جديدة على الإطلاق، بل هي عائلة فيروسية معروفة لدى الأوساط الطبية وموثقة منذ عقود، لكن ما أعادها إلى دائرة الاهتمام الإعلامي هو رصد بؤرة انتشار محدودة النطاق، مرتبطة بسفينة رحلات سياحية، انطلقت في رحلة استكشافية عبر جنوب المحيط الأطلسي من الأرجنتين في مطلع نيسان من العام الحالي 2026، عابرة مناطق نائية وصولاً إلى القارة القطبية الجنوبية.
ويوضح العليوي حسب اطلاعه، أن البداية كانت مع ظهور أعراض مبهمة تشبه النزلة الفيروسية العادية على أحد الركاب، ثم تدهورت حالته سريعاً، ليتوفى على متن السفينة بسبب ضيق تنفس حاد.
وبعد ذلك، تم تسجيل حالات وإصابات أخرى بين ركاب مخالطين، جرى نقلهم ومتابعتهم طبياً في جنوب إفريقيا.
وبعد الفحوصات المخبرية الدقيقة، وتحديداً تحاليل تفاعل “البوليميراز المتسلسل”، تبيّن أن الفيروس المتسبب في هذه الحالات هو نوع محدد يعرف باسم فيروس “أنديز” (Andes virus)، وهو سلالة من فيروسات “هانتا” قادرة على إحداث متلازمة رئوية شديدة الخطورة، ومميتة في بعض الحالات.
العدوى والخطر
وفي السياق، يبين العليوي أن الانتقال الأساسي والتقليدي لفيروسات “هانتا” يحدث حين يستنشق الإنسان هواءً ملوثاً بجزيئات ناتجة عن غبار يحتوي على بول أو براز أو لعاب القوارض.
ويزداد الخطر، خصوصاً، عند تنظيف أو ارتياد الأماكن المهجورة والمغلقة التي تستوطنها الفئران والجرذان، أو من خلال اللمس المباشر للأسطح الملوثة ثم ملامسة الوجه، وفي حالات أخرى عبر عضة قارض.
أما سبب الاهتمام بهذه البؤرة تحديداً، كما يوضح العليوي، فيكمن في أن السلالة المكتشفة “أنديز” تمثل الاستثناء الوحيد بين عائلة هانتا بأسرها، إذ تمتلك قدرة نادرة على الانتقال المباشر بين البشر في حالات المخالطة اللصيقة والعميقة جداً داخل البيئات المغلقة، كما حدث في غرف السفينة السياحية المذكورة.
ومع ذلك، يؤكد العليوي أن هذا الأمر لا يعني إطلاقاً أننا أمام فيروس سريع الانتشار مجتمعياً، مثل “الإنفلونزا”أو “كوفيد19″، بل يظل تفشياً محدوداً، تتابعه منظمة الصحة العالمية والجهات الدولية المعنية عن كثب لضمان احتوائه.
حدود التهديد
وعن السؤال الذي يشغل بال المواطن السوري حول إمكانية وصول الفيروس إلى البلاد، يوضح العليوي أن الاحتمال نظرياً يبقى قائماً لأي بلد في العالم، بما في ذلك سوريا.
فمن الممكن أن يسافر شخص حامل للمرض، أو مخالط لحالة مؤكدة، قادماً من مناطق التفشي أو من تلك السفينة،
لكن هذا الاحتمال يظل عملياً منخفضاً للغاية في الوقت الراهن، ولا يستدعي الهلع أو القلق، نظراً لطبيعة الفيروس التي لا تتيح له الانتقال الهوائي السهل والسريع بين جميع الناس.
ومع ذلك، يلفت العليوي الانتباه إلى أن التهديد الأكبر والحقيقي الذي يجب التركيز عليه في سوريا لا يأتي من الخارج عبر المطارات، ينبع من الداخل، عبر البيئات المحلية التي توفر أرضاً خصبة لتكاثر القوارض وتماسها المباشر مع الإنسان.
ويحذر العليوي من أن مناطق، مثل المنازل المهجورة، والمستودعات القديمة، ومواقع تراكم النفايات، وضعف شبكات الصرف الصحي، كلها تمثل بؤراً محتملة تزيد من فرص التعرض للقوارض المحلية وفضلاتها، التي قد تحمل سلالات أخرى من هذا الفيروس الخطير.
الوقاية والوعي
انطلاقاً من هذه الرؤية العلمية، يشدد العليوي على أن الوقاية الفعالة تبقى العامل الأساسي لمواجهة كل التهديدات الوبائية،
وتتطلب هذه الوقاية جهوداً مشتركة بين الفرد والمجتمع والجهات الخدمية، تبدأ من الانتباه لأي شخص لديه حرارة وضيق نفس بعد سفر أو مخالطة مع حالة مشتبهة، وتحسين النظافة البيئية مع مكافحة القوارض بشكل دوري، وسد الفتحات التي قد تتسلل منها إلى المنازل، وحفظ الأغذية في أوعية محكمة الإغلاق تفادياً لتلويثها.
كما يوجه نصيحة مهمة لكل من يقوم بمهام التنظيف في أماكن كانت مغلقة لفترات طويلة أو تحتوي على آثار للفئران، حيث يُمنع تماماً كنس أو شفط الأتربة والفضلات بطريقة جافة، لأن ذلك يؤدي إلى تطاير الجزيئات الملوثة واستنشاقها مباشرة.
وبدلاً عن ذلك، يجب تهوية المكان جيداً قبل البدء، ورش الفضلات بمحلول مطهر أو كلور مخفف لترطيبها، مع ضرورة ارتداء الكمامة والقفازات الواقية كإجراء احترازي بسيط وفعال يقي من مخاطر جسيمة.
يُعتبر تفشي فيروس “هانتا” على متن السفينة السياحية محفزاً لضرورة الوعي الصحي والالتزام بإجراءات النظافة والوقاية، فالتهويل والشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا تسهم في الحماية بقدر ما تزرع الخوف الذي يعرقل العمل المنظم، وسوريا ستبقى في مأمن من هذه الأنماط الوبائية، مادام المواطن ملتزماً بالوقاية والوعي البيئي والصحي.










