تخطى إلى المحتوى

هل ينجح المصرف المركزي في كبح تراجع الليرة؟

تواصل الليرة تراجعها في السوق الموازية لتلامس حدود 140 ليرة جديدة (14 ألف ليرة قديمة) للدولار، وسط ترقب للسياسات النقدية التي سيعتمدها الحاكم الجديد لمصرف سوريا المركزي خلال المرحلة المقبلة، في وقت تتصاعد فيه التحديات المرتبطة باستقرار سعر الصرف وانعكاساته على التضخم وتكاليف المعيشة وجاذبية الاستثمار.

وأصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، الجمعة، المرسوم رقم (99) لعام 2026، الذي يقضي بتعيين محمد صفوت عبد الرحيم رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي.

وكان رسلان قد أكد، خلال تسلمه مهامه، الإثنين، أن الاستقرار النقدي والمالي يمثل مساراً مؤسساتياً تراكمياً أسهمت في بنائه كوادر وجهود متعاقبة داخل المصرف، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد العمل على تعزيز الاستقرار النقدي والمالي بشكل تدريجي ومستدام، عبر سياسات تقوم على التدرج والاستمرارية وتعزيز الثقة، بما يدعم استقرار الاقتصاد السوري على المدى الطويل.

بين المرونة والجمود

حدد مصرف سوريا المركزي سعر الدولار في النشرة الرسمية عند 112.5 ليرة جديدة (11,250 ليرة قديمة) للشراء، و113.5 ليرة (11,350 ليرة قديمة) للمبيع.

ورفع المصرف في 14 من الشهر الحالي هامش الحركة السعري إلى 17 بالمئة، وهو إجراء يمنح المصارف المرخص لها التعامل بالقطع الأجنبي ومؤسسات الصرافة مرونة في إصدار نشرات أسعار الصرف الخاصة بها، والتسعير أعلى أو أدنى من سعر المصرف المركزي ضمن هذا الهامش المقرر.

وخلال الفترة الماضية، اتخذ المصرف المركزي إجراءات عدة لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، وشملت التعويم المدار، وتوحيد أسعار الصرف، وهوامش التسعير، إلا أن أثرها بقي محدوداً أمام جذور المشكلة، وفي مقدمتها ضعف الإنتاج، ونقص الاحتياطيات الأجنبية، وفجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المصرفية، وفق خبراء.

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن أنظمة سعر الصرف تُصنَّف على طيف يمتد من المرونة الكاملة إلى الجمود التام، وقد اختار المصرف المركزي في الفترة السابقة سياسة التعويم الموجّه (المدار)، التي يُحدَّد فيها السعر بشكل أساسي وفق آليات العرض والطلب في السوق، مع تدخل المصرف المركزي أحياناً لمعالجة التقلبات المفرطة أو تحقيق أهداف محددة.

وقال قوشجي لصحيفة “الثورة السورية”، إن سوريا، قبل التحول إلى التعويم الموجّه، كانت تعتمد نظاماً إدارياً معقداً يتمثل في تثبيت سعر رسمي للعملة مقابل الدولار لأغراض حكومية ورسمية، إلى جانب أسعار أخرى للقطاع الخاص، وللتحويلات، وللسياحة، وللواردات التمويلية.

وقد نتج عن هذا النظام فجوات سعرية كبيرة، ما خلق أسواقاً موازية وسوداء، وشوّه حوافز الإنتاج والتجارة، وأدى إلى ندرة الدولار في القنوات الرسمية، وانتشار الفساد والسمسرة، في حين تفترض سياسة “الحر الموجّه” (نظرياً) سعراً واحداً يعكسه السوق، مع تدخل محدود وشفاف من المصرف المركزي.

ووحّد المصرف المركزي في آذار 2025 جميع نشرات سعر الصرف في نشرة واحدة باسم “النشرة الرسمية” تُطبّق على مختلف المعاملات، كما حدّد سعر الصرف فيها (شراءً ومبيعاً ووسطياً) وفق معطيات السوق، مع قابليته للتعديل بحسب العرض والطلب. ومنح المصارف وشركات الصرافة مرونة التسعير ضمن هامش حركة يومي يحدده المركزي.

متطلبات رئيسة

لكي تعمل سياسة سعر الصرف الحر الموجّه بنجاح في ظل الظروف السورية، لا بد من توفر متطلبات رئيسة، منها وجود احتياطي كبير ومتنوع من العملات الأجنبية لدى المصرف المركزي، إذ يُعد هذا الاحتياطي “الذخيرة” التي تمكّن المركزي من الدفاع عن العملة الوطنية.

كما ينبغي توفر حجم كافٍ من الاحتياطيات يسمح بتغطية الصادرات والواردات لأشهر عدة، علماً أن المعيار العالمي لا يقل عن 3 أشهر من الواردات. ويسهم ذلك في تعزيز ثقة المستثمرين والمتعاملين، وتقليل نزعات المضاربة، بما يتيح للمصرف المركزي القدرة على شراء أو بيع الدولار بحجم يؤثر فعلياً في اتجاه السعر، وفق قوشجي.

وتحتاج سوريا أيضاً إلى استراتيجية طموحة لإعادة بناء الاحتياطيات عبر إعادة تفعيل الصادرات غير النفطية (الزراعة والصناعة الخفيفة) بما يضمن عدم انعكاس ذلك على ارتفاع أسعارها في السوق المحلية، إلى جانب تسهيل تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية من خلال حوافز ضريبية ومصرفية، إضافة إلى توفير سيولة كافية من العملات الأجنبية في الجهاز المصرفي ضمن ما يُعرف بـ”رصيد المكوث”، مع التأكيد على عدم الاكتفاء بتجميع الاحتياطي في خزائن المصرف المركزي، بل العمل على جذب السيولة الأجنبية إلى المصارف التجارية.

ويُعرَّف مفهوم “رصيد المكوث” بأنه رصيد العملات الأجنبية (المودعة أو النقدية) لدى المصارف التجارية والمتاحة للاستخدام اليومي، وهو ما يعكس قدرة المصارف على تلبية طلبات عملائها من الدولار دون الرجوع المستمر إلى المصرف المركزي، مما يخفف الضغط عليه ويجعله “الملاذ الأخير” وليس المصدر الوحيد لتوفير القطع الأجنبي، كما يساهم في تسريع عمليات التحويل والتجارة الخارجية. ويتم تعزيز السيولة المصرفية عبر إلغاء القيود الإدارية على إيداع العملات الأجنبية واستخدامها، وتطبيق معايير “بازل” المتعلقة بمراكز العملات، إلى جانب إنشاء سوق ما بين بنوك نشط للدولار.

وتشير معايير “بازل” الخاصة بمراكز العملات إلى القواعد الرقابية التي تنظّم حجم انكشاف المصارف على العملات الأجنبية، عبر تحديد سقوف للتعامل بالقطع الأجنبي وإلزام المصارف بالاحتفاظ بسيولة ورأسمال كافيين لمواجهة مخاطر تقلب أسعار الصرف، بما يعزز الاستقرار المالي ويحد من المخاطر المصرفية.

من المتطلبات الأخرى، بحسب قوشجي، قدرة المصرف المركزي على التدخل عبر عمليات السوق المفتوحة، إذ تُعد هذه العمليات الأداة المباشرة للتأثير في سعر الصرف ضمن نظام التعويم الموجّه.

وفي هذا الإطار، يفترض أن يعلن المصرف المركزي عن سعر استرشادي أو نطاق مستهدف للسعر. فعندما يرتفع سعر الدولار في السوق (أي تنخفض قيمة الليرة)، يبيع المركزي الدولار للمصارف التجارية من احتياطيه، ما يزيد العرض ويخفف الضغوط الصعودية على السعر.

أما في حال انخفاض سعر الدولار بشكل مفرط (أي ارتفاع قيمة الليرة بما يضر بالمصدرين)، فيشتري المركزي الدولار من المصارف، ما يضخ سيولة محلية ويعزز الطلب على الدولار، وفق قوشجي.

وأضاف أنه لا يمكن فصل سياسة سعر الصرف عن السياسة النقدية العامة، إذ يتطلب نظام التعويم الموجّه أن يمتلك المصرف المركزي قدرة على تحديد سعر الفائدة وسياسات السيولة دون ضغوط سياسية مباشرة. فرفع سعر الفائدة قد يسهم في جذب ودائع بالليرة وتخفيف الضغط على سعر الصرف، لكنه قد ينعكس سلباً على الاستثمار.

وتحتاج المصارف أيضاً إلى إمكانية تداول الدولار فيما بينها بسعر يعكس السيولة لحظياً، على أن يتدخل المصرف المركزي عند الحاجة فقط. وغياب هذا السوق بين المصارف يجعلها تلجأ مباشرة إلى المركزي، ما يؤدي إلى تعطيل آلية التسعير الطبيعية.

وأكد قوشجي أهمية وجود إدارة لتوقعات السوق، حيث تلعب توقعات المتعاملين دوراً محورياً في تحديد سعر الصرف. فإذا توقع الجميع انهيار الليرة بادروا إلى شراء الدولار، ما يؤدي عملياً إلى تحقق هذا الانهيار. لذلك، على المصرف المركزي أن يبني “مصداقية” عبر:

  • الإفصاح الدوري عن حجم الاحتياطيات (بشفافية محكومة).
  • الالتزام بقواعد تدخل واضحة.
  • عدم التخلي عن السياسة فجأة أو العودة إلى التعدد في أسعار الصرف.

مخاطر وتحديات

رغم المزايا النظرية، يرى قوشجي أن تطبيق النظام الحر الموجّه في سوريا يواجه عقبات خاصة، منها الاقتصاد غير الرسمي الكبير، إذ إن جزءاً كبيراً من التجارة والتحويلات يتم خارج القنوات المصرفية، مما يضعف تأثير تدخلات المصرف المركزي. إضافة إلى ذلك، يبرز التضخم الموروث، حيث عادة ما يرافق التعويم الموجّه ارتفاع مؤقت في التضخم بسبب تمرير سعر الصرف، وهو ما يحتاج إلى سياسات دخل وأسعار متزامنة.

كما أشار إلى ضعف الثقة في النظام المصرفي، نتيجة سيطرة الدولة لسنوات على الحوالات والودائع بالعملات الأجنبية، ما دفع العديد من المواطنين إلى تفضيل الاحتفاظ بالدولار خارج المصارف.

ويقترح الخبير الاقتصادي خارطة طريق متدرجة، تشمل:

  • المرحلة القصيرة المدى (6–12 شهراً):
    إطلاق منصة إلكترونية لتسعير الدولار يومياً بناء على طلبات واستفسارات المصارف.
    إجراء مزاد أسبوعي لبيع الدولار للمصارف بكمية محدودة (مثلاً 5 ملايين دولار) بسعر تحدده آلية المزاد.
    إصدار تعهد رسمي بعدم العودة إلى تعدد الأسعار وتثبيتها.
  • المرحلة المتوسطة (1–3 سنوات):
    العمل على زيادة الاحتياطي إلى مستوى يغطي 3 أشهر من الواردات على الأقل.
    تطوير سوق ما بين بنوك للعملات الأجنبية مع نظام مقاصة إلكتروني.
    رفع سقف الودائع والحوالات بالعملات الأجنبية في المصارف مع ضمانات بالحرية في السحب والإيداع.
  • المرحلة الطويلة (3–5 سنوات):
    تحرير كامل لسعر الصرف تدريجياً مع تقليص نطاق التدخل إلى حالات الاضطراب الحاد فقط.
    ربط السياسة النقدية بسلة عملات بدلاً من الدولار وحده لتخفيف التبعية.
    تعزيز القطاعات التصديرية غير النفطية لتوليد تدفق مستدام من الدولار.

ويعتقد قوشجي أن انتقال سوريا من نظام سعر الصرف الثابت المتعدد إلى نظام “الحر الموجّه” يمثل خطوة ضرورية نحو اقتصاد أكثر مرونة وشفافية، إلا أنها ليست خطوة بلا تكلفة، مشيراً إلى أن نجاح هذا التحول مرهون بقدرة المصرف المركزي على بناء احتياطي كبير من الدولار، وتوزيع السيولة على الجهاز المصرفي، وممارسة تدخلات ذكية في السوق المفتوحة.

وحذّر من أنه في حال غياب هذه المقومات قد يتحول نظام “الحر الموجّه” إلى تعويم فوضوي يزيد من مستويات عدم الاستقرار بدلاً من الحد منها، مؤكداً أن العنصر الأهم يتمثل في استعادة الثقة بين المستثمرين والمغتربين والمواطنين بأن العملة الوطنية أداة آمنة للادخار والتبادل، وهو ما يتحقق عبر ممارسة نقدية متسقة وشفافة على مدى سنوات.

وأضاف أن السياسة النقدية تظل أداة وليست غاية، بينما تتمثل الغاية الحقيقية في بناء اقتصاد منتج ومستقر يوفر فرص عمل ورفاهية للمواطن السوري، لافتاً إلى أن سعر الصرف الحر الموجّه، إذا أُحسن إدارته، يمكن أن يشكل جسراً نحو تحقيق هذه الغاية.

بناء الثقة

أكد الحاكم الجديد للمركزي، السبت، أن استقرار الاقتصاد السوري مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تعاون الدولة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص والكفاءات السورية في الداخل والخارج، مشيراً إلى أن أي سياسة نقدية لا تكتسب قيمتها إلا عندما تنعكس بشكل حقيقي على حياة الناس واستقرارهم.

وشدد رسلان على أن الثقة تُبنى بالفعل والشفافية والنتائج وليس بالكلمات، وتابع: هذا ما سنعمل عليه بكل مسؤولية.. سيُقيَّم عملنا بما يتحقق على أرض الواقع لا بما يُقال في التصريحات.

ويرى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، أن استقرار سعر الصرف يُعد حجر الأساس لإعادة بناء الاقتصاد وجذب الاستثمارات وتحسين مستوى المعيشة.

وقال سليمان لصحيفة “الثورة السورية” إنه لا يمكن تحقيق استقرار سعر الصرف دون إعادة الثقة بالاقتصاد الوطني، موضحاً أن هذه الثقة تبدأ من وجود مؤسسات مالية قوية ومستقلة، وعلى رأسها المصرف المركزي، الذي يفترض أن يتبنى سياسات نقدية شفافة ويتمتع باستقلالية في القرار النقدي بما يساعد على ضبط التضخم والتحكم بالكتلة النقدية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على استقرار العملة.

وأضاف المحلل الاقتصادي أن زيادة الإنتاج المحلي تلعب دوراً مهماً، إذ كلما اعتمدت البلاد على الإنتاج بدل الاستيراد تراجع الطلب على العملات الأجنبية، ما يخفف الضغط على سعر الصرف، مشيراً إلى ضرورة دعم القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصناعة، عبر تسهيلات مالية وإصلاحات تشريعية تشجع المستثمرين المحليين والدوليين.

وأشار سليمان إلى أهمية توحيد سعر الصرف، لافتاً إلى أن تعدد أسعار العملة يخلق بيئة خصبة للمضاربة والفساد، ما يستدعي العمل تدريجياً على توحيد السوق الرسمية والموازية ضمن نظام صرف مرن ومدروس يسمح بالتكيف مع المتغيرات دون صدمات مفاجئة.

وأوضح أن تعزيز الاحتياطي من العملات الأجنبية يمكن تحقيقه عبر تشجيع الصادرات واستقطاب التحويلات من الخارج وجذب الاستثمارات الأجنبية، وهي عوامل تسهم جميعها في دعم استقرار سعر الصرف، كما أن استعادة الثقة بالنظام المصرفي ستشجع السوريين في الخارج على تحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية بدلاً من السوق السوداء.

وأكد أن السياسات المالية تلعب دوراً مكملاً، فخفض العجز في الموازنة، وضبط الإنفاق الحكومي، وتحسين النظام الضريبي، كلها عوامل تساعد في تقليل الضغوط التضخمية التي تنعكس سلباً على سعر الصرف.

وشدد على أن استقرار سعر الصرف في سوريا ليس مهمة مستحيلة، لكنه يتطلب رؤية اقتصادية متكاملة، وإرادة سياسية حقيقية، وإصلاحات عميقة تعيد بناء الثقة داخلياً وخارجياً، وعندها يمكن للعملة الوطنية أن تستعيد قوتها، ويبدأ الاقتصاد مسار التعافي المستدام.

الثورة السورية – ميساء العلي

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك