
«محدا بيحبني» العبارة الدائمة التي يصوبها زين الدين ابن العشر سنوات إلى والدته كل يوم بعدما تهجر هو ورفاقه وأصبح لكل مصيره، فالكثير من أبناء جيل الحرب الإرهابية على سورية –إن صح التوصيف– يفتقدون مفهوماً تتجاوز أهميته الصورة النمطية المتعارفة عنه، يفتقد الصداقة والأصدقاء، والصديق لا يعني الشخص المُصادِق أو المُصادَق فقط، بل هو شارع قديم، وحيٌّ قديم، ومدرسة وحكاية.. هو ذاكرة وانتماء.
وأحد أهم شروط تشكل الصداقات الحقيقية، الاستمرارية، وهذا ما جعل الكثير من أبناء جيل الحرب الذي تنقل وهُجِّر الكثير منهم مرات كثيرة، بلا أصدقاء، يضاف إلى هذا خوف الأهالي – الطارئ الذي فرضته ظروف الحرب – من الاختلاط، ومن كل من لا يعرفونهم.
وينتج عن عدم وجود أصدقاء لدى الأطفال – حسبما أكد اختصاصيون – مجموعة من الأضرار النفسية التي قد تأخذ أشكالاً خطيرة مع التقدم في العمر، وتتجاوزها إلى الأضرار الصحية أيضاً، فهل ينتبه الأهل إلى وحدة أبنائهم؟ أم إن مشاغل الحياة أكبر؟
«محدا بيحبني»!
ومن الحالات التي تم رصدها الطفل ابن العشر سنوات (زين العابدين)، وهو من أبناء العائلات التي هُجرت من منزلها بفعل الإرهاب، وتنقّل خلال سبع سنوات مع أهله تسع مرات، وكلما كان يبدأ بتأسيس صداقات، يتركها ليتحوّل إلى منطقة جديدة ومدرسة جديدة وأشخاص جدد.
تقول والدته إنه يكرر دوماً الجملة التالية: (محدا بيحبني)، وتوضح أنها ووالده يحاولان نزع هذه الفكرة من رأسه، والشرح له بأن هؤلاء الأطفال لا يكرهونه، وإنما يشعرون بالغربة تجاهه لأنهم تعرفوا إليه من فترة قصيرة، بينما هم يعرفون بعضهم منذ وقت أطول، وتقول إنه يبقى وحيداً في المنزل ويُلاحظ على ملامحه الوجوم والحزن دوماً.
وتضيف والدته (زهور): ابني ليس انعزالياً، بل يحاول الاختلاط بالأطفال في المدرسة بشكل دائم، ويسعى لإرضائهم من أجل تكوين صداقات، فكان يصطحب معه لفترة جهاز الموبايل لأنه سمع أحد الأطفال يقول إنه يحب اللعب بالموبايل، وأحياناً يصطحب معه ألعاباً أخرى ليغري زملاءه بالتعرف إليه واللعب معه، وكلما ينجح بتكوين صداقات، ننتقل إلى منطقة جديدة لأسباب تتعلق إما باقتراب الاشتباكات مع الإرهابيين إلى المنطقة التي نسكن بها، أو لأن صاحب المنزل يريد رفع الإيجار بشكل يفوق طاقتنا.
وتوضح أم زين أنهم يحاولون تعويضه باللعب والتعرف إلى الأقارب ما أمكن، في محاولة لإسعاده وإخراجه من حالة العزلة التي يعانيها.
صمام أمان
الاستشارية في العلوم السلوكية، ورياض الأطفال والتدخل المبكر- روعة كنج، بدأت حديثها بالتأكيد على أن الصداقة صمام أمان نفسي وصحي للطفل، فالطفل الذي ليس لديه أصدقاء هو حتماً طفل مكتئب، فالإنسان يكتشف نفسه والعالم من خلال الآخر، وعندما لا يوجد هذا الآخر، سيكون منغلقاً على نفسه، وهذا ينسحب على المراهقة وعلى مرحلة الشباب، ففي المراهقة إن لم يكبر الطفل مع صداقات، ستكون إمكانية خلق علاقة مع الأقران ومع الجنس الآخر أصعب بكثير، مضيفة أن وجود الطفل مع مجموعة أطفال وأصدقاء، يجعله يتدرب على تطوير وتطويع عاطفته، وتطوير مهاراته الاجتماعية وتفكيره النقدي، إذ إن تبادل الأفكار والآراء، وتقبل العادات المختلفة وفهمها، تضبط حالة الخوف التي نشأت مع الطفل في مثل المرحلة التي يمر فيها بلدنا.
نخاف من الآخر
وعن قلة تشكل الصداقات أو عدم استمراريتها في السنوات الأخيرة، قالت كنج: سابقاً، كانت العلاقات تخلق بين الأطفال بشكل عفوي، حين كان الطفل يلعب في الشارع، وهذا الشكل تغيّر بسبب الحرب والتهجير، وليس هذا فقط، وإنما أيضاً بسبب المخاوف من الآخر وانشغال الأهل، حيث أصبح موضوع الصداقة واستقرار الطفل في آخر الأولويات، لأن الإنسان بحاجة لتلبية متطلبات قاعدة الهرم ألا وهي حاجاته الفيزيولوجية التي على رأسها الغذاء والأمان، وبعدها يفكر بحاجاته الاجتماعية وتقدير وتحقيق الذات وتقدير الآخر، فالأهل يفكرون أولاً بإطعام أولادهم وتدفئتهم وحمايتهم من كل ما قد يسبب لهم الخطر، وأصبح (الآخر) الذي قد يحمل آراء مختلفة وسلوكاً مختلفاً أحد هذه المخاطر، فسابقاً كنا نعرف خلفيات جيراننا الفكرية والثقافية وعاداتهم وقميهم، أما حالياً ومع كثرة التهجير والتنقل بتنا لا نعرفها، لذا تتشكل لدينا هواجس ومخاوف نحن في غنى عنها، ما يؤدي إلى المبالغة في الحماية وإبقاء الأطفال في المنزل، وهذا أمر خاطئ، فالصديق ملاذ، وعلى الطفل أن يفهم معنى الصداقة بعمر مبكر، وأن تكون له مساحته الخاصة بعيداً عن أهله، فالصداقة تعزز الثقة بالنفس عند الطفل، وتمكنه من مهارات عاطفية ونفسية واجتماعية، وتمرنه على احترام الآراء المختلفة وعلى القدرة على حل المشكلات بينه وبين الآخر، فعندما يتخاصم الطفل مع صديقه مثلاً، سيضطر إلى معرفة أدواته وما يجب عمله لجذب هذا الصديق وحل الخلاف، كما أن الصداقة تخفف على الطفل مشكلة التنمر، لأن له أصدقاء سيساندونه، أما الطفل الوحيد فيقع عليه التنمر بقوة.
مؤثِّر في النسيج الاجتماعي
وأكدت الاستشارية كنج أن مفهوم الصداقة ينمي التعرف على الحقوق وعلى الواجبات تجاه الآخر، وأن الصداقة هي ممر الطفل إلى الواقع، فهذا الطفل المحمي من قبل الأهل في المنزل وفي المدرسة، خُلقت له صورة تختلف عن صورة الواقع الحقيقي الذي فيه الجميل والقبيح والأذى والألم أحياناً، وفيه مواقف يوضع فيها الطفل فتحرضه على التفكير والبحث عن كيفية الخروج منها، وعندما نقوم بالنيابة عن أطفالنا بحل مشكلاتهم عن طريق التلقين، فإن هذا الطفل لن يجيد التصرف بشكل صحيح إن وقع في مشكلة ما، كما أنه يجب أن يعيش الطفل قدراً من القلق والتوتر والخلاف والاختلاف.
من جهة أخرى، بيّنت كنج أن عدم وجود صداقات يؤثر في النسيج الاجتماعي وعلى الهوية والانتماء، فقسم كبير من السوريين رفضوا السفر خارج سورية رغم كل الصعوبات التي عانوها بسبب الشعور بالانتماء والارتباط مع الآخر (أقارب – أصدقاء – معارف)، وقسم غير قليل يرفض العودة ويسوغها بأنه لم يبقَ لديه من يعود لأجله، فالصداقة من أهم أسباب ارتباطنا بالمكان وبالوطن.
وعن الحلول، قالت كنج: على الأهالي أن يعدّوا أن الحالة الاجتماعية لأبنائهم توازي حاجاتهم الفيزيولوجية، لأن الشخص الذي يستطيع خلق علاقات مع أقرانه ومع محيطه، سيكون مستقبلاً شخصاً ناجحاً، وبما أن الظروف الحالية لا تفرز خلق حالات تعارف وصداقة بعفوية وتلقائية، فيجب خلقها، وعلى الأهل – برغم انشغالهم وعدم تركيزهم وإرهاقهم النفسي والمادي – أن يبذلوا جهداً لخلق هذه الصداقات لأولادهم، والبحث عن أصدقاء تحت إشرافهم بمعايير ومحاذير معينة، مؤكدة أن سؤال الطفل عند عودته من المدرسة عن أصدقائه وعما فعله معهم أمر مهم جداً وحاسم في هذا الموضوع.
مشكلات بالجملة
مشرفة برنامج الدعم النفسي في الأمانة السورية للتنمية والاختصاصية النفسية- روان القطيفاني، قالت: إن عدم وجود صداقات لدى الطفل يتسبب بضعف في النمو الاجتماعي لديه، وهذا الضعف يتسبب بمشكلات أخرى، إذ من الضروري أن يؤسس الطفل بيئة اجتماعية خاصة به، ليستطيع إكمال نموه الاجتماعي الذي لا تقل أهميته عن النمو اللغوي والجسدي والمعرفي والعقلي والاجتماعي.
وأوضحت القطيفاني أنه عند إدارة حالة أي مشكلة نفسية، فإن الاختصاصي النفسي يتبع خطوات معينة في الخطة العلاجية، واحدة منها ما يعرف بحشد الموارد المجتمعية للشخص، (السؤال هل لديه أصدقاء، هل يرتاد الأندية؟.. إلخ) لأن هذه نقاط قوة في حياة أي شخص، وتالياً فإن وجود ثغرة في هذا الموضوع سيتسبب بمشكلات نفسية للشخص، وإن لم يتسبب بمشكلات نفسية، فبأفضل الأحوال ستكون نقطة ضعف لديه، وهذه الثغرة ستتسبب باضطرابات سلوكية تنشأ بسبب عوامل كثيرة، واحدة منها الجانب الاجتماعي عند الطفل، إذ لا نستطيع أن نصف شخصاً بالمتوازن نفسياً من دون أن ننتبه ونلحظ محيطه الاجتماعي وبيئته وصداقاته وكيف يستطيع تكوين الصداقات، وتتسبب أيضاً بعزلة وانطواء عند الطفل، وغالباً، يترافق هذا الانطواء مع لجوء دائم للأجهزة الإلكترونية التي تزيد من المشكلة، وتؤدي إلى تأخر دراسي وخوف من المجهول عند الطفل، وتعلق زائد بالأهل يؤدي إلى إصابته بقلق الانفصال الذي ينشأ عند الطفل عندما يبدأ بارتياد المدرسة ويبتعد عن أهله.
عنف وتفكك في المجتمع
وأضافت القطيفاني: إن عدم وجود صداقات لدى الطفل يولد لديه عنفاً تجاه الغرباء نتيجة توجيه الأهل بهذا الشيء لشدة خوفهم عليه، وهذا العنف سيكبر ليتحول إلى عنف جسدي وعنف يطول المجتمع بشكل عام، وهذا يؤدي إلى تفكك في المجتمع، وهذا التفكك صار واضحاً وجلياً حالياً، فبدأنا نسمع أطفالاً يسألون أطفالاً مثلهم من أي منطقة أنت؟ وذلك ليحدد إن كان سيتخذه صديقاً أم لا، وهذا يسبب شرخاً في المجتمع ومشكلات نفسية وسلوكية لدى الطفل، ومشكلات مجتمعية، فالطفل عندما يُحرم من أحد جوانب النمو، يلجأ إلى أساليب أخرى للتعويض، مثل الأصدقاء الافتراضيين على مواقع التواصل ومواقع الألعاب، ويكوّن لنفسه بيئة اجتماعية افتراضية، وهذا دليل مهم على أن الطفل بحاجة لتكوين صداقات. أما في مرحلة المراهقة، فإن الصديق هو الحياة وتوازي أهمية وجوده أهمية الأهل، وإن لم تكن هذه الصداقات موجودة، فإن هذا يؤدي إلى انحرافات سلوكية ومشكلات اجتماعية كبيرة مثل اللجوء إلى المخدرات على سبيل المثال لا الحصر.
تشرين









