فقدان نصف الثروة الحيوانية لهذه الأسباب ..!

ميليا اسبر

فقدان نصف الثروة الحيوانية في سورية، كان حصيلة خسائر سنوات الحرب عليها، وذلك بعد تعرضها للسرقة والتهريب، ما أدى إلى تراجع كمي ونوعي في الإنتاج وخسارة عدد كبير من الأسر الريفية لمصادر رزقهم.
صعوبات كثيرة واجهت هذا القطاع, أبرزها قلة توفر الأعلاف وضعف الاستثمار بالثروة الحيوانية واستنزاف الكوادر المدربة، كل ذلك أدخل قطاع الإنتاج الحيواني في حلقة مفرغة من الاضطرابات وانتقلت بالقطاع إلى أسوأ السيناريوهات، حيث سجل قطاع الثروة الحيوانية انكماشا حاداً، وبرغم ذلك يبقى القطاع الأهم والرافد الأساسي للاقتصاد الوطني.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه؛ ما إجراءاتها الحالية والاستراتيجية لإنعاش الثروة الحيوانية من جديد؟.
تراجعت بنسبة 50%
مدير الإنتاج الحيواني في وزارة الزراعة الدكتور أسامة حمود كشف أنّ خسارة الثروة الحيوانية خلال سنوات الحرب على سورية تراوحت بين 40- 50% من حجم القطيع وذلك قياساً إلى إحصائية العام 2010 (آخر إحصائية رسمية) والتي بلغ فيها عدد قطيع الأغنام 15510918 رأساً، فيما بلغ عدد رؤوس الأبقار في العام ذاته 1010328 رأساً، بينما كان تعداد الماعز 2056627 رأساً ، والجاموس 6983 رأساً.
بينما تشير الإحصاءات الحالية إلى وجود 14557000 رأس غنم ، بينما قدرت أعداد الأبقار 788321 رأساً، و الماعز وصل عدده إلى 1844197رأس ماعز، والجاموس وصل إلى 7640 رأساً، مؤكداً أنّ كل هذه الأنواع الحيوانية تعرضت خلال سنوات الحرب على سورية للسرقة والتهريب، مبيناً أن عمليات التهريب تعود في بعض أسبابها إلى أن أنواع الثروة الحيوانية في سورية مرغوبة في دول الجوار لاسيما دول الخليج والأردن والعراق وأكثر الأنواع المستهدفة هي الأغنام، لافتاً إلى ضرورة تكاتف كل الجهود لقمع هذه الظاهرة لتأثيرها الكبير في الاقتصاد الوطني وفي توفر المادة في السوق المحلية، علماً أن هذا التراجع كان له نوعان من التأثير؛ الأول: نوعي نظراً لاستهداف الحيوانات المحسنة والخاضعة لعمليات التحسين الوراثي، والثاني: كمي نتيجة فقدان أعداد كبيرة من رؤوس الحيوانات.
انخفاض الإنتاجية
وفي الحديث عن الإنتاجية، أشار الحمود في إطار المقارنة بين عامي 2010 كإحصائية رسمية والعام 2019 (كإحصائية مكتبية تعتمد نسب نمو القطيع), حيث وصل إنتاج الحليب في عام 2010 إلى 2241746 طناً، بينما التقديرات في عام 2019 بلغت 1785102 طن، فيما بلغ إنتاج الجبن 115550 طناً في عام 2010، وكانت تقديرات إنتاجه في عام 2019 نحو 89075 طناً إضافة إلى تراجع في إنتاج اللبن والسمون وغيرها.
صعوبات
وأشار حمود إلى وجود معوقات أمام عودة الثروة الحيوانية إلى سابق عهدها, أبرزها قلة توفر المواد العلفية في ظل الارتفاع العالمي لأسعارها، ما انعكس على تكاليف المنتج النهائي، لذلك طرحت الوزارة موضوع البدائل العلفية مع الكثير من المربين ولكن أيّاً كانت كميات هذه البدائل فالحاجة بالنسبة للموارد العلفية كبيرة جداً، إضافة إلى الاستنزاف الكبير للعمالة المدربة خلال سنوات الحرب، وضعف الاستثمار بقطاع الثروة الحيوانية، مبيناً أن الوزارة تعمل حالياً على تشجيع الاستثمار في هذا المجال حيث بدأت تعود إلى سابق عهدها, وهذا يمكن لحظه من خلال أعداد منشآت الثروة الحيوانية التي تم ترخيصها خلال السنوات الأخيرة.
ويضاف إلى المعوقات مشكلة التسويق وضرورة إيجاد منظومة متكاملة لتسويق منتجات الثروة الحيوانية.
و شدد حمود على ضرورة ترميم قطيع الثروة الحيوانية وأن الوزارة كانت قد بدأت أولى خطوات الترميم من خلال استيراد البكاكير الحوامل منذ عام 2018 والتي بلغت أعدادها آنذاك 5011 بكيرة حاملاً لرفد قطيع الأبقار بأعداد إضافية وكذلك رفده بصفات وراثية عالية لتحسين القطيع المحلية، وقد أعلنت الوزارة مؤخراً عن الحاجة لاستيراد أكثر من 30.000 رأس من الأبقار من سلالة الفريزيان هولشتاين.

الاهتمام بها أولوية
بدوره معاون وزير الزراعة أحمد قاديش أشار إلى أنه ورغم كل الخسائر التي تعرضت لها الثروة الحيوانية، بقي الاهتمام بها أولوية لأهمية منتجاتها للمستهلكين سواء منتجات الدواجن أو الأبقار والأغنام، لافتاً إلى أنه في فترة الحرب على سورية استمر تقديم الدعم للمربين من خلال المقننات العلفية التي كانت تقدم بشكل منتظم وكذلك الرعاية الطبية والصحية, حيث لم تظهر أي جائحة مرضية وهذا يحسب للمنظومة الصحية البيطرية في القطر التي بقيت تعمل رغم الظروف الصعبة، كما استمر مشروع التلقيح الاصطناعي والتحسين الوراثي للأبقار وهذا ساهم كثيراً في رفع وتحسين نوعية مواليد الأبقار الموجودة والتي أصبح إنتاجها جيداً و تواكب التطورات العالمية.
وأوضح قاديش أن مجموعة من القرارات اتخذت وساهمت في استقرار قطاع الثروة الحيوانية؛ أهمها إعفاء منشآت الإنتاج الحيواني من الضرائب والرسوم لمدة خمس سنوات جُددت لخمس سنوات أخرى لا تزال سارية المفعول حتى الآن، وأيضاً تم إلغاء الضميمة على المستوردات من الأعلاف، وكذلك اعتبار التعرفة الكهربائية لمنشآت الإنتاج الحيواني تعرفة زراعية وليست صناعية وهناك فارق بالسعر بين التعرفتين.
تفكير ورؤية جديدان
وبين قاديش أن الوزارة تعمل على إعادة القطيع كما كان عليه قبل الحرب على سورية وتالياً زيادة الأعداد من جهة، وتحسين النوعية والإنتاجية للوحدة الحيوانية من جهة ثانية، لذلك يتم العمل في البحوث العلمية الزراعية ومن خلال المديريات المركزية والمؤسسات المعنية (الدواجن – المباقر – الأعلاف) بفكر ورؤية جديدين للنهوض بقطاع الثروة الحيوانية، بالإضافة للبحث عن بدائل الأعلاف بحيث تخفف من فاتورة الأعلاف المستوردة، كما تقوم تلك الجهات بعملية تحسين بعض المخلفات الموجودة في سورية وإدخالها في طريقة التغذية الحيوانية التي تشكل 75% من التكلفة العامة لتربية الثروة الحيوانية، ما يخفف من الاستيراد ومن تكاليف الإنتاج وتالياً تباع المنتجات بأسعار أقل مقارنة بأسعار الأعلاف المستوردة التي ترتفع أسعارها باستمرار نتيجة ارتفاع سعرها العالمي.
ضعف الرعاية الحكومية
الخبير بالثروة الحيوانية المهندس عبد الرحمن قرنفلة يقول: إن قطاع الثروة الحيوانية يشهد حالات ازدهار وحالات تدهور تعود إلى عوامل متداخلة، وذلك نتيجة تبدل الإنتاج السنوي من المواد العلفية، وتذبذب إنتاجية المراعي الطبيعية، وإن كانت الحرب على سورية قد أدت إلى تعميق تأثير هذه العوامل بشكل حاد خلال الأعوام الماضية.
وبين قرنفلة أن السبب في تدهور إنتاجية الثروة الحيوانية هو عدم تلقيها احتياجاتها الحقيقية من الغذاء والرعاية في ظل ضعف متزايد تجاه قطاع الإنتاج الحيواني وغياب الاتحادات النوعية والجمعيات العلمية للعروق والسلالات الحيوانية المعنية بتطوير أداء الحيوان، وكذلك غياب الدور الفاعل للجمعيات التعاونية الإنتاجية التي تكبلها ضوابط وإجراءات تعوق قدرتها على القيام بدور أكثر فاعلية، مبيناً وجود عوامل أخرى منها: محدودية الموارد العلفية المحلية، حيث إن حجم العجز في الموارد العلفية يقدر بـ 6.5 ملايين طن من المادة الجافة وتكافئ 42.573% من حجم الاحتياج، إضافة إلى تخلف نظم الإنتاج, حيث إن 78% من مربي الأغنام حيازتهم أقل من 100 رأس غنم، و83% من مربي الأبقار حيازتهم أقل من 5 رؤوس بقر و71% من مداجن البياض طاقتها تتراوح بين 5-10 آلاف طير أما مداجن الفروج فإن 85% من المداجن طاقتها الإنتاجية بين 5-10 آلاف طير وتحت هذه الطاقات الإنتاجية لا تتحقق اقتصادية عالية من التربية، بالإضافة إلى انخفاض إنتاجية الوحدة الحيوانية السورية مقارنة بالعالم، إضافة إلى عدم توافر سلالات حيوانية متخصصة بالإنتاج، فالسلالات المرباة في سورية ثنائية أو ثلاثية الغرض.
حزمة إجراءات
ومن وجهة نظره فإن إعادة إحياء قطاع الثروة الحيوانية تستلزم حزمة واسعة من الإجراءات يأتي في مقدمتها الاهتمام بالإنسان باعتباره جوهر العملية التنموية، وهنا لا بد من تطوير المشاركة الفاعلة لمربي الثروة الحيوانية في صناعة القرارات والسياسات التي تتعلق بأمورهم، وتوفير شبكة أمان خاصة بمنتجي الثروة الحيوانية تُمول من المنتجين أنفسهم يطلق عليها اسم عقود خسارة دخل الثروة الحيوانية، وهو برنامج يعوض المنتجين عندما تنخفض أسعار منتجات الحليب واللحوم والبيض عن مستوى محدد.

وشدد قرنفلة على ضرورة إحداث اتحادات نوعية للأنواع الحيوانية المنتجة للغذاء وتحديد البصمة الوراثية للحيوانات الزراعية السورية للمساهمة في تسريع عمليات التحسين الوراثي، وإقامة أسواق ومسالخ نظامية في كل المحافظات والمدن بهدف تحقيق رقابة صحية ومنع ذبح الحيوانات التي تشكل قاعدة القطيع من دون مسوغات بيطرية، ولا بد من تشجيع المستثمرين على إنشاء تجمعات من مزارع الأبقار والأغنام، إضافة إلى ضرورة تكليف مؤسسات التسويق الحكومية بتشكيل مخزون احتياطي تشغيلي من المنتجات الحيوانية القابلة للتخزين لينظم تدفق تلك المنتجات ضمن سلسلة الإمدادات ويوفر الاحتياطي الاستراتيجي للمنتجات الجاهزة للاستهلاك الفوري عند نقص الإنتاج المحلي ويمنح الحكومة الوقت الكافي لتدبير إمدادات بديلة وينبغي صياغة استراتيجية للاحتياطي بعناية وإدارتها بصورة سليمة من أجل نجاح تلك السياسة.
في الختام
وأخيراً نقول: إنّ سورية بلد زراعي بامتياز، والثروة الحيوانية كانت ولا تزال تشكل رافداً أساسياً للقطاع الزراعي وتشكل مصدراً رئيساً للغذاء، ولذلك فإن خسارة جزء كبير من هذه الثروة قد تهدد الأمن الغذائي للسوريين فضلاً عن فقدان الكثير من أبناء الريف فرص عملهم، انطلاقاً من ذلك واجب الوزارة أن تضع القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني على قائمة أولوياتها.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات