
ينوي الاتحاد الأوروبي إجراء مراجعة شاملة لنظام العقوبات المفروضة على سوريا، وذلك في سياق مساعي الاتحاد لإعادة توجيه سياسته بما يتناسب مع المرحلة التي تمر بها البلاد، من خلال توجيه العقوبات ضد الجهات التي قد تعرقل المرحلة الانتقالية، بدلا من حصرها فقط بالشخصيات المرتبطة بالنظام المخلوع.
ويستهدف نظام العقوبات الجديد، بحسب موقع “يوراكتيف” المتخصص في تغطية أخبار الاتحاد الأوروبي، كل الأطراف التي قد تعرقل مسار التحول السياسي والاستقرار الداخلي، مثل الجماعات المسلحة ومنتهكي حقوق الإنسان، وأطرافا أخرى جديدة، مثل الجهات المتورطة في فساد مرتبط بإعادة الإعمار وشبكات تهريب المخدرات، بدلا من حصر العقوبات بالشخصيات المرتبطة بالنظام المخلوع فقط.
وتأتي هذه المراجعة، بحسب الموقع، في إطار تكييف نظام العقوبات لدعم قرار الاتحاد الأوروبي استئناف الانخراط السياسي والاقتصادي مع سوريا بشكل أكثر فاعلية، مع الإبقاء مؤقتا على العقوبات الحالية التي تشمل 375 إجراء ضد شخصيات مرتبطة برئيس النظام المخلوع.
ويؤكد التقرير غير الرسمي الذي وزعه الجهاز الدبلوماسي الأوروبي على الدول الأعضاء أن الاتحاد أصبح ينظر إلى نظام العقوبات الحالي على أنه امتداد لمرحلة سابقة، ومن الممكن أن يسهم في إحجام المستثمرين عن دخول السوق السورية، خشية التعقيدات القانونية أو المخاطر المرتبطة بالعقوبات.
خطوة تاريخية بالتحول عن سياسة العقوبات
وبحسب المراقبين شكل نظام العقوبات الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على سوريا أحد أكثر أنظمة العقوبات متعددة الأطراف شمولا واستدامة في القرن الواحد والعشرين، حيث امتد لأربعة عشر عاما من القيود المتصاعدة.
وفي أعقاب السقوط المفاجئ لنظام الأسد المخلوع في كانون الأول 2024 اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة تاريخية بالتحول عن سياسة العقوبات، فرفع معظم القيود الاقتصادية مع الإبقاء على إجراءات محددة تستهدف الأفراد والكيانات المرتبطة بالنظام السابق، الأمر الذي شكل محطة مهمة في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، بما يوفر رؤى استراتيجية حول فاعلية استخدام العقوبات الاقتصادية كأدوات في الدبلوماسية الدولية وحماية حقوق الإنسان.
وكان رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا قام برفقة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بزيارة هامة إلى سوريا في 9 كانون الثاني الماضي بعد نحو عام من سقوط النظام المخلوع، أكدا خلالها المسؤولان الأوروبيان استمرار دعم الاتحاد الأوروبي لجهود إعادة البناء والإعمار.
وبحث السيد الرئيس أحمد الشرع مع كوستا ودير لاين في قصر الشعب بدمشق، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، سبل تطوير علاقات التعاون بين سوريا والاتحاد الأوروبي، ولا سيما في مجالات إعادة الإعمار وترسيخ الاستقرار في سوريا والمنطقة، إضافة إلى ملفات الشراكات الاقتصادية والتنمية المستدامة، والملفات الإنسانية وقضايا اللجوء في أوروبا.
وفور سقوط النظام المخلوع سارع الاتحاد الأوروبي للترحيب بذلك، حيث أصدرت الممثلة العليا للمفوضية الأوروبية بيانا نيابة عن الاتحاد في اليوم التالي لسقوط النظام، هنأت فيه الشعب السوري بسقوط النظام وقدرته الاستثنائية على الصمود في سعيه إلى الكرامة والحرية والعدالة.
وبدأ الانفتاح الأوروبي بزيارات إلى دمشق أجراها وزراء خارجية أوكرانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا واليونان وقبرص، والتقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وزير الخارجية البريطاني على هامش مؤتمر الرياض. كما زارت دمشق مفوضة المساواة والاستعداد وإدارة الأزمات في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى لقاءات عديدة أجراها القائم بالأعمال لبعثة الاتحاد الأوروبي في دمشق.
وأعادت ألمانيا وفرنسا فتح سفاراتها في دمشق بعد إغلاق استمر منذ شباط 2012 استنادا إلى قرار البرلمان الأوروبي بسحب سفراء الاتحاد من سوريا، وتوج هذا الانفتاح بزيارة الرئيس الشرع بتاريخ 7 أيار الماضي إلى فرنسا ولقاء الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون في قصر الإليزيه بباريس.
وبعد المشاركة في مؤتمر العقبة في الأردن بتاريخ 14 كانون الأول 2024 عقد الاتحاد الأوروبي في 16 من الشهر ذاته في بروكسل الاجتماع الدوري لمجلس الشؤون الخارجية للاتحاد، تبعه اجتماع المجلس الأوروبي (القمة الأوروبية) في 19 كانون الأول، حيث أطلعت كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، الدول الأعضاء في الاتحاد على ما تم الاتفاق عليه في اجتماع العقبة.
وبشكل خاص ما يتعلق بمعايير الانفتاح على الحكم الجديد في سوريا، والتي شملت احترام وحدة الأراضي السورية وسيادتها وإطلاق عملية سياسية شاملة ومحاربة داعش.
العقوبات الأوروبية استندت إلى المادة 29 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، التي تشكل الإطار الدستوري للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة، وتم تنفيذها من خلال هيكل قانوني مزدوج، يتألف من قرارات المجلس المتعلقة بالسياسة الخارجية، ولوائح المجلس التي تطبق مباشرة في الأنظمة القانونية الوطنية للدول الأعضاء.
إجراء تقييم شامل لسياسته تجاه سوريا
وبعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024 أجرى الاتحاد الأوروبي تقييما شاملا لسياسته تجاه سوريا، وتوصل المجلس الأوروبي باستنتاجاته في 19 من الشهر نفسه إلى أن الفرصة التاريخية متاحة لجميع السوريين لإعادة توحيد وبناء وطنهم. وشكل هذا التحول في السياسة الأوروبية نقطة انطلاق لمراجعة عميقة لنظام العقوبات الذي استمر لما يزيد على ثلاثة عشر عاما.
وبدلا من رفع العقوبات دفعة واحدة عقب التغيير السياسي اختار الاتحاد الأوروبي اتباع نهج تدريجي وقابل للتراجع، يهدف إلى دعم عملية التحول في سوريا مع الحفاظ على أدوات الضغط لضمان استمرار التقدم نحو الحوكمة الديمقراطية.
وبدأ تنفيذ ذلك في 24 شباط 2025 حين قرر المجلس تعليق عدد من التدابير التقييدية نتيجة التحولات الميدانية والسياسية في سوريا، لتسهيل التواصل مع الشعب السوري والشركات العاملة في قطاعات رئيسية مثل الطاقة والنقل.
وفي 20 أيار 2025 أعلن الاتحاد الأوروبي رسميا قراره السياسي برفع العقوبات الاقتصادية، وذلك بعد أشهر من تقييم الوضع في ظل الإدارة الجديدة. ومثل هذا القرار تحولا جوهريا في توجه الاتحاد الأوروبي من سياسة الضغط والاحتواء إلى تقديم الدعم الفعلي لعملية التحول السياسي في البلاد، مع احتفاظه بضمانات مهمة، أبرزها استمرار فرض العقوبات على الأفراد والكيانات المرتبطة بالنظام السابق، والإبقاء على القيود الأمنية بشأن تصدير الأسلحة والتقنيات الحساسة، إلى جانب وجود آليات لإعادة فرض العقوبات إذا تدهورت أوضاع حقوق الإنسان.
وتم تفعيل قرار رفع العقوبات عبر حزمة إجراءات قانونية اعتمدها المجلس الأوروبي في 28 أيار 2025 شملت قرار المجلس (CFSP) 2025/1096 ولائحة المجلس (EU) 2025/1098، التي أدخلت تعديلات على الإطار القانوني الأساسي الساري منذ عام 2013.
بين دعم التعافي الاقتصادي وضمان المساءلة
كما أبقى الاتحاد الأوروبي العقوبات المفروضة على 318 فردا و58 كيانا مرتبطا بنظام الأسد المخلوع، مع تمديدها حتى 1 حزيران 2026.
ويشكل تحقيق التوازن بين دعم التعافي الاقتصادي وضمان المساءلة تحديا سياسيا مستمرا، يتطلب تقييما دقيقا ومتواصلا لأدوات السياسة المعتمدة.
وأوضح الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، المهندس باسل كويفي، أن الآلية الأوروبية في العقوبات تعتمد على مبدأ “العقوبات الذكية” أو المستهدفة، والتي تفصل بين دعم الدولة السورية ومعاقبة الأفراد المعرقلين للعملية السياسية.
ويمكن تقسيم هذه المواءمة إلى أربعة مسارات رئيسية. أولها سياسي عبر تحويل العقوبات من كونها شاملة ضد النظام المخلوع إلى أداة ضغط انتقائية تستهدف الأطراف التي قد تعرقل مسار التحول السياسي والاستقرار الداخلي في البلاد، مثل الجماعات المسلحة الخارجة على القانون ومنتهكي حقوق الإنسان.
وقال كويفي في حديث مع صحيفة “الثورة السورية”: أما في المسار الاقتصادي فتكون المواءمة من خلال رفع الحظر الاقتصادي الشامل، خاصة على الطاقة والنقل والتمويل، لتمكين التعافي، مع الإبقاء على عقوبات محددة ضد شخصيات النظام السابق (375 إجراء) لطمأنة المستثمرين بعدم وجود ثغرات قانونية تسمح بعودة منظومة الفساد لنهب المال العام.
بينما يكون المسار الاجتماعي عبر تقديم دعم مالي مباشر للحكومة الجديدة، مثل حزمة الـ620 مليون يورو المقررة لعامي 2026 و2027، ولكن هذا الدعم مشروط باستمرار الحكومة في تحقيق الاستقرار، ويتم بالتوازي مع استهداف شبكات تهريب المخدرات والاتجار بالبشر وخطابات التحريض والكراهية التي أصابت النسيج الاجتماعي بشروخ عميقة وانقسامات كبيرة.
وبحسب كويفي يكون المسار الرابع الأمني عبر إبقاء العقوبات على الجهات المتورطة في الفساد المرتبط بإعادة الإعمار، مع تسهيل التعاون الأمني عبر رفع العقوبات عن مؤسسات سيادية مثل وزارتي الداخلية والدفاع، بهدف تمكينها من مكافحة الإرهاب وحماية الحدود.
وأشار كويفي إلى أن الاتحاد الأوروبي أصبح يرى أن نظام العقوبات القديم بات “رواسب من الماضي” تثني المستثمرين عن الدخول إلى السوق السورية، لذلك يسعى الأوروبيون إلى إعادة تفعيل اتفاقية التعاون لعام 1978 (المتعلقة بالشق التجاري) والتي تم تجميدها منذ 2011، لفتح قنوات انخراط سياسي واقتصادي أوسع.
وبين الباحث السياسي والاقتصادي، أن الاتحاد الأوروبي يعمل على مساري التشجيع والتحذير، في الدعم المالي ورفع العقوبات عن القطاعات الرئيسية، وتحويل بعضها نحو الجهات التي قد تعرقل مسار المرحلة الانتقالية، مع المضي قدما بوتيرة سريعة في إعادة الإعمار والبناء، وضمان القيام بعملية انتقالية سلمية وشاملة، مع الإبقاء على العقوبات ضد الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق، وأي جهة جديدة تثبت تورطها في الفساد أو انتهاك حقوق الإنسان.
وفرضت أولى العقوبات الأوروبية بشكل رسمي بموجب قرار المجلس الأوروبي رقم 2011/273/CFSP بتاريخ 9 أيار 2011، والذي مثل أول إدانة أوروبية رسمية لـ”القمع العنيف واستخدام الذخيرة الحية ضد الاحتجاجات السلمية في مناطق متفرقة من سوريا، ما أسفر عن مقتل وجرح واعتقال عدد كبير من المتظاهرين”. وقد شكل هذا القرار الأساس القانوني لنظام عقوبات شامل يستهدف الأفراد والقطاعات الاقتصادية الحيوية على حد سواء.
وبعد أن أدرك الاتحاد الأوروبي أن هذه الإجراءات وحدها لا تكفي لمواجهة تصاعد الأزمة قام بتوسيع نطاق القيود بشكل ملحوظ في كانون الأول 2011 من خلال القرار 2011/782/CFSP، والذي استند إلى بيان المجلس الأوروبي الصادر في 23 تشرين الأول 2011، والذي أعلن فيه أن الاتحاد الأوروبي “سيواصل فرض مزيد من الإجراءات على النظام السوري ما دام أنه استمر في قمع المدنيين”.
وشهدت العقوبات الأوروبية على سوريا تصعيدا تدريجيا تماشى مع تدهور الأوضاع الإنسانية بسبب تزايد وحشية النظام ضد الشعب السوري. وفي عام 2013 تم توحيد الإطار العام للعقوبات بموجب قرار المجلس الأوروبي رقم 2013/255/CFSP، والذي فرض قيودا قطاعية واسعة شملت تجارة الأسلحة والسلع ذات الاستخدام المزدوج ومعدات القمع الداخلي وتقنيات المراقبة. صحيفة الثورة السورية







