تخطى إلى المحتوى

كيف يتحقق الاستقرار النقدي في ظل تحديات داخلية ومتغيرات إقليمية؟

يؤكد مصرف سوريا المركزي أهمية الاستقرار النقدي بوصفه حجر الأساس في مسار التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، في ظل تحديات داخلية ومتغيرات إقليمية تلقي ظلالها على الأسواق.

ويأتي هذا المسار ضمن رؤية أوسع تستهدف ضبط التضخم، وتعزيز استقرار سعر الصرف، وصون القوة الشرائية، إلى جانب تطوير البنية المؤسسية للقطاع المصرفي، بما يسهم في تهيئة بيئة مالية أكثر انضباطاً وقدرة على دعم متطلبات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

لكن الخبراء يربطون نجاح هذا المسار بقدرة المؤسسات النقدية والمصرفية على التكيف مع التحديات وتطوير أدواتها بما يواكب متطلبات المرحلة.

ركيزة أساسية

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية، أن الدور الأساسي للمصرف يتمثل في الحفاظ على الاستقرار النقدي، باعتباره الركيزة الأساسية لأي عملية تعافٍ اقتصادي وإعادة إعمار مستدامة.

وأوضح الحصرية في تصريح، الثلاثاء، أن السياسات النقدية للمصرف تركز على ضبط التضخم، وتعزيز استقرار سعر الصرف، وصون القوة الشرائية للعملة الوطنية، بما يرسخ الثقة بالاقتصاد ويهيئ بيئة آمنة للاستثمار والإنتاج.

وشدد على أنه من دون استقرار نقدي، لا يمكن لأي جهود تنموية أو خطط إعادة إعمار أن تحقق أهدافها المرجوة.

ويعكس تصريح الحصرية توجهاً نحو إعادة ترتيب الأدوات المالية بما يتناسب مع مرحلة إعادة الإعمار المرتقبة.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر أن جوهر هذا التوجه يبرز الاستقرار النقدي باعتباره شرطاً أساسياً لأي مسار اقتصادي قابل للاستمرار.

وقال السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية”: إن الاقتصادات التي تعاني من تقلبات حادة في العملة أو ارتفاعات متسارعة في الأسعار تواجه صعوبات في جذب الاستثمار أو تنشيط الإنتاج، لذلك فإن ربط السياسات النقدية بأهداف واضحة مثل التحكم بالتضخم ضرورة لضبط الإيقاع العام للنشاط الاقتصادي.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن السياسة التي أشار إليها الحاكم تعتمد على استخدام أدوات نقدية تهدف إلى إدارة السيولة داخل السوق بشكل أكثر كفاءة، ويعني ذلك العمل على موازنة العرض النقدي مع مستوى الإنتاج والطلب الفعلي، بما يقلل من ضغوط التضخم ويحافظ على استقرار نسبي في الأسعار، كما يشكل تعزيز متانة القطاع المصرفي جزءاً أساسياً من هذه المقاربة، نظراً لدوره في نقل الأموال وتمويل الأنشطة الاقتصادية الحيوية.

سياسات مرنة

يراقب المصرف المركزي من كثب تداعيات الأزمة الحالية في المنطقة وما قد تفرضه من ضغوط على أسواق الطاقة وحركة التحويلات والتجارة الإقليمية، وفق الحصرية.

وأوضح الحصرية أن المتغيرات الحالية تتطلب يقظة مستمرة وسياسات مرنة قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية والحد من انعكاساتها على الاقتصاد الوطني.

وشدد على أن المصرف يعمل بشكل مستمر على استخدام الأدوات المتاحة بكفاءة، وتعزيز متانة القطاع المصرفي، وضمان انسيابية النظام المالي، بما يدعم تمويل الأنشطة الاقتصادية الحيوية ويسهم في تحفيز النمو.

وتشهد المنطقة تطورات متسارعة على صعيد أسواق الطاقة والتحويلات المالية على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وسط سعي سوريا لتعزيز استقرارها النقدي وتهيئة المناخ الملائم لجهود التعافي وإعادة الإعمار بعد سنوات من الحرب والعقوبات.

وأشار السيد عمر إلى أنه في ظل الظروف الإقليمية المتقلبة، خصوصاً ما يتعلق بأسعار الطاقة، يواجه الاقتصاد السوري مجموعة من التحديات الخارجية التي تنعكس بشكل مباشر على الاستقرار الداخلي.

وهذه العوامل تفرض ضرورة تبني سياسات مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات السريعة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على أهداف الاستقرار العام.

من الناحية العملية، وفق الخبير الاقتصادي، يشكل ضبط سعر الصرف ملفاً حساساً في الاقتصاد السوري، إذ إن استقرار العملة الوطنية ينعكس مباشرة على مستوى المعيشة وثقة الأفراد، ويسهم في الحد من تقلب الأسعار وتعزيز القدرة على التخطيط.

وفي الوقت نفسه، ترتبط حماية القوة الشرائية بالاستقرار الاجتماعي، لأن تآكلها يفرض ضغوطاً معيشية تحد من النشاط الاقتصادي، ما يجعل تحقيق التوازن بين ضبط الكتلة النقدية وتوفير السيولة أمراً ضرورياً لدعم الإنتاج والتجارة.

وكان الحصرية قد أوضح أن التحديات المتزايدة التي تواجه سوق الصرف تتطلب تعزيز تنظيم المهنة وتمكين العاملين فيها من ممارسة نشاطهم ضمن بيئة مهنية مستقرة ومنضبطة، بما ينسجم مع استراتيجية مصرف سوريا المركزي، لا سيما التركيز على بناء سوق صرف متوازن وشفاف، لافتاً إلى أن تطوير البنية المؤسسية والمهنية للقطاع خطوة أساسية لترسيخ التعامل عبر القنوات الرسمية ودعم كفاءة السوق.

أدوات تنفيذية

يبرز دور المصارف كأداة تنفيذية رئيسة للسياسة النقدية، فإدارة السيولة داخل الفروع المصرفية وتوجيهها بشكل عادل ومنظم تساعد في تقليل التفاوت داخل السوق المالية، كما يسهم ذلك في تعزيز الثقة بين المتعاملين والمؤسسات المالية، وهو عنصر ضروري لأي عملية إعادة بناء اقتصادي، وفقاً للسيد عمر.

وأضاف السيد عمر أن هذه التوجهات تأتي في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة صياغة بيئتها الاقتصادية ضمن ظروف معقدة تتداخل فيها العوامل الداخلية مع الضغوط الخارجية. ومع استمرار التحديات المرتبطة بتذبذب أسواق الطاقة، تصبح الحاجة إلى سياسات نقدية دقيقة أكثر إلحاحاً لضمان الحد من المخاطر المالية.

وفي ضوء ذلك، يرى الخبير الاقتصادي أنه يمكن النظر إلى التركيز على الاستقرار النقدي باعتباره مدخلاً أساسياً لإعادة الإعمار، وليس مجرد هدف اقتصادي منفصل.

ولفت إلى أن إعادة بناء البنية التحتية وتوسيع النشاط الإنتاجي يتطلبان نظاماً مالياً قادراً على توفير التمويل المستقر وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات السوق.

تحقيق التوازن

يرتبط نجاح هذه السياسات بقدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار قصير الأمد وأهداف النمو طويل الأمد؛ إذ إن التشدد النقدي المفرط قد يحد من النشاط الاقتصادي، بينما يؤدي التوسع غير المنضبط إلى ضغوط تضخمية جديدة، ما يجعل الإدارة المتوازنة ضرورة تراعي طبيعة المرحلة الحالية، وفق الخبير الاقتصادي.

وشدد السيد عمر على أن الخطاب النقدي يعكس توجهاً نحو إعادة بناء الأسس المالية للاقتصاد السوري على قواعد أكثر استقراراً، مع بقاء نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة المؤسسات النقدية والمصرفية على التكيف مع التحديات وتطوير أدواتها بما يواكب متطلبات التعافي التدريجي وإعادة الإعمار في بيئة اقتصادية شديدة التعقيد.

وكان الحصرية قد أكد أن الحفاظ على الاستقرار التزام راسخ يعمل عليه المصرف المركزي يومياً، بالتوازي مع دعم السياسات الاقتصادية العامة، لتحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار وآفاق التنمية، ووضع أسس لاقتصاد أكثر صلابة وقدرة على مواجهة التحديات.

وفي 3 من شهر شباط الماضي، طلب المصرف المركزي من إدارات المصارف العاملة توجيه الفروع لديها لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة لإدارة السيولة النقدية المتوفرة بشكل موضوعي وعادل، بهدف تعزيز قوة السياسة النقدية وتطويرها.

الثورة السورية – ميساء العلي

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك