
يتحرك سعر صرف الليرة السورية ضمن مشهد اقتصادي تتداخل فيه القنوات الرسمية مع مسارات تداول موازية، ما يجعل تحديد قيمته الفعلية عملية معقدة ترتبط بالسياسات النقدية المعلنة، وأيضاً بتفاعلات يومية في السوق السوداء. وفي ظل هذا التباين بين السعر الرسمي وسعر التداول الفعلي، تتسع فجوة تعكس اختلافاً في آليات التسعير ومصادر التأثير، ما يفتح تساؤلات حول الجهة الأكثر قدرة على صياغة سعر الصرف الحقيقي في الواقع الاقتصادي.
ويبلغ سعر الصرف الوسطي في النشرة الرسمية الصادرة عن المصرف المركزي 113 ليرة جديدة (11,300 ليرة قديمة) للدولار، مع هامش حركة يبلغ 15 بالمئة، في حين يصل سعر الصرف في السوق الموازية إلى نحو 134 ليرة جديدة (13,400 ليرة قديمة) للدولار.
ويُعد هامش الحركة إجراء يتيح للمصارف المرخصة للتعامل بالقطع الأجنبي ومؤسسات الصرافة مرونة في إصدار نشرات أسعار الصرف الخاصة بها، بحيث يمكنها التسعير أعلى أو أدنى من سعر المصرف المركزي ضمن الحدود المقررة لهذا الهامش.
ثلاثة محاور
في أوقات الأزمات الاقتصادية والسياسية يشتعل الطلب على العملات الأجنبية، سواء لتأمين الاستيراد أو سداد الديون أو حتى كملاذ آمن للحفاظ على قيمة المدخرات. هذا التهافت يوسع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، ويخلق بيئة خصبة للمضاربين وتجار العملات.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي حول الكيفية التي تتشكل بها أسعار العملات داخل السوق الموازية، والآليات التي تدفعها للتحرك خارج نطاق المؤشرات الرسمية المعتمدة. ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه السوق تعكس في كثير من الأحيان واقع التسعير الفعلي بصورة أدق من التقديرات الرسمية الصادرة عن المصرف المركزي.
ويرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أن تحديد سعر الصرف في السوق الموازية يقوم على تفاعل منظم بين قوى العرض والطلب ضمن إطار أوسع من العوامل الاقتصادية والمالية، ترتبط بثلاثة محاور رئيسة، تشمل حجم الودائع الأجنبية لدى المصرف المركزي، وميزان الإنفاق والإيرادات، والتدخلات السياسية التي تؤثر في توجهات قرارات المصارف.
وأوضح الدبس لصحيفة “الثورة السورية” أن سعر الصرف يرتبط بحجم الودائع والأصول الأجنبية المتوفرة لدى المصرف المركزي، بما في ذلك الذهب والعملات الأجنبية والمعادن الثمينة.
وأشار إلى أن الدول التي تمتلك احتياطات نفطية، مثل بعض دول الخليج، يمكن أن تؤدي دوراً محورياً في دعم عملتها الوطنية والتأثير في مستويات سعر الصرف، عبر تعزيز قدرتها المالية والنقدية. كما لفت إلى أن بعض هذه الدول قد تودع مليارات الدولارات كودائع طويلة الأجل لدى بنوك مركزية في دول أخرى كسوريا أو مصر أو باكستان، من دون عائد مباشر، ما يمنح تلك الاقتصادات دعماً مؤقتاً لاستقرار سعر الصرف.
وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في حجم الإنفاق الحكومي مقابل الإيرادات، إلى جانب ميزان التصدير والاستيراد، إذ إن ارتفاع فاتورة الاستيراد مقارنة بحجم التصدير يؤدي إلى تراجع قيمة العملة المحلية، وهي قاعدة اقتصادية كلاسيكية تكتسب وزناً أكبر في الاقتصادات الهشة.
أما العامل الثالث، والأكثر إثارة للجدل وفق الدبس، فيتمثل في “التداخل السياسي أو الضغط”، حيث قد تلجأ بعض الدول إلى ضخ كميات كبيرة من العملة الوطنية بهدف شراء عملة أجنبية وتحسين قيمة عملتها المحلية.
واعتبر أن هذه الأدوات ذات طابع سياسي قبل أن تكون مالية، موضحاً أن القرارات النقدية يفترض أن تستند إلى حجم الأصول والاحتياطات من العملات الأجنبية، إلا أنها قد تتأثر في بعض الحالات بتوجهات وزارات الاقتصاد أكثر من ارتباطها المباشر بمعطيات السوق. وأعرب عن اعتقاده بأن هذا التداخل هو أحد الأسباب التي تجعل السوق السوداء أكثر قرباً من تحديد السعر الفعلي للعملة.
سعران لليرة
يتسم المشهد النقدي في سوريا بوجود سعرين لصرف الليرة، يتمثل الأول في السعر الرسمي الذي يحدده المصرف المركزي ويُعتمد في المعاملات الحكومية والبنوك والجمارك، فيما يتشكل الثاني داخل السوق الموازية نتيجة تفاعل العرض والطلب على الليرة والعملات الصعبة.
وفيما يتعلق بالسعر الرسمي، يوضح الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر، أن المصرف المركزي يحدده استناداً إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية، مع الإشارة إلى أن هذا السعر يُستخدم في الإطار الرسمي للمعاملات.
وأضاف اسمندر لصحيفة “الثورة السورية” أن المصرف المركزي أعلن مؤخراً عن توجهه لإحداث سوق منظمة لتداول العملات، ما قد يؤدي إلى اقتراب سعر الصرف من مستوى التوازن الطبيعي بين العرض والطلب، وهو ما قد يسهم في تقليص الفجوة بين السعرين مستقبلاً.
وأعلن مصرف سوريا المركزي، الشهر الماضي، إحداث منصة إلكترونية جديدة تهدف إلى تنظيم تداول العملات الأجنبية والذهب، في إطار جهود إعادة ضبط سوق الصرف وتعزيز الثقة بالقطاع المالي.
أما سعر الصرف في السوق الموازي، فيقوم على آليات مختلفة كلياً، إذ ينتج عن تفاعل مباشر بين العرض والطلب على العملات الصعبة، ويتأثر بعوامل متعددة تشمل الوضع الاقتصادي العام، والأخبار السياسية والاقتصادية، وتوقعات الفاعلين في السوق، وحجم الكميات المتداولة من الليرة مقابل العملات الأخرى، ويُستخدم هذا السعر في المعاملات غير الرسمية بين الأفراد والشركات، وفق اسمندر.
وأشار إلى أن ازدواجية سعر الصرف تعكس تبايناً تقنياً بين سوق رسمية وأخرى موازية، وتكشف في الوقت نفسه عن مستوى أعمق من الاختلال المرتبط بانعدام الثقة في بنية الاقتصاد السوري.
عملات الظل
يصف الدبس آليات السوق السوداء بأنها أقرب إلى “حكومة ظل”، تعمل ضمنها شركات حوالات كبرى ومكاتب صرافة وشركات لتداول الذهب والمعادن الثمينة، إلى جانب منصات العملات الرقمية، وتتفق هذه الأطراف بشكل غير رسمي على نطاق سعري يومي يستند إلى تقارير يصدرها محللون ماليون متخصصون.
ويرصد هؤلاء المحللون حركة الواردات، ومستوى توفر العملة الأجنبية في المصرف المركزي، والأحداث الجيوسياسية المحيطة، ثم يقدمون تقييماً واقعياً يعكس ما يجري في السوق فعلياً أكثر مما تعكسه البيانات الرسمية المعلنة.
وفي السياق ذاته، أشار اسمندر إلى أن أبرز الجهات الفاعلة في تحديد السعر الموازي هي جمعية الصاغة وشركات الصرافة، إذ تسهم هذه الجهات في تشكيل التسعير اليومي عبر تأثيرها في التطبيقات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، مع تأكيده أن هذا السعر، بوصفه نتاجاً مباشراً لحركة السوق، يقترب أكثر من التقييم الفعلي لليرة السورية.
ويخلص الدبس إلى أن السوق السوداء تحدد السعر وتعكس أيضاً واقعاً اقتصادياً أوسع لا تعكسه القرارات الرسمية للبنك المركزي بشكل كامل.
نموذج متوازن
من جهته، يرى الخبير والمحلل الاقتصادي عبد المنعم الحلبي، أن التطبيقات الإلكترونية التي تُظهر أسعار العملات لا تتجاوز كونها وسيلة لتداول المعلومات، دون أن تكون جزءاً من عملية التسعير نفسها. ويشرح أن السعر المتداول في السوق الموازية هو سعر اسمي وليس حقيقياً، بمعنى أنه لا يرتبط مباشرة بمستوى أسعار السلع النظيرة حتى في الأسواق المحيطة.
وأوضح الحلبي لصحيفة “الثورة السورية” أن هذا السعر يتشكل في الوضع الطبيعي وفق عوامل معروفة تعكس قوى العرض والطلب بحسب مبادئ ونظريات التحليل الجزئي، مع تثقيل خاص للطلب الصباحي اعتماداً على معطيات اليوم السابق ومستوى توفر المعروض.
وأضاف أن ما يُعرف بـ”السعر الاسمي التوازني” يستمر عادة حتى وقت الظهيرة في الظروف الطبيعية، حيث تُقفل المعاملات وتتعادل الأرصدة.
وأشار الحلبي إلى أن هذه الآلية تفترض غياب التلاعب المشترك بين العارضين، وأن يكون جميعهم مستعدين للبيع بالهامش المتداول، بينما في الأوضاع غير الطبيعية يتغير المشهد بشكل جذري ويتجاوز هذا النموذج التوازني البسيط.
وتتقاطع الآراء السابقة عند فكرة أساسية مفادها أن سعر الصرف تحول من مؤشر نقدي إلى مرآة تعكس واقعاً اقتصادياً وسياسياً لا تعكسه البيانات الرسمية بشكل كامل، في وقت يطرح فيه إعلان المصرف المركزي نيته إنشاء سوق منظمة لتداول العملات تساؤلات حول مدى قدرتها على استعادة الثقة وإعادة تشكيل السعر الحقيقي في المشهد النقدي.
الثورة السورية – مجد عبيسي









