
منير الرفاعي:
في خضم النقاش المتصاعد حول أولويات الإنفاق في المرحلة الحالية، يبرز ملف التوسع في بناء المجمعات السكنية المتكاملة (الكومباوند) كأحد أكثر المواضيع إثارة للجدل. يرى منتقدون أن توجيه الجهود نحو هذه المشاريع يأتي على حساب إعادة إعمار المساكن الشعبية ودعم الطبقات الهشة. في المقابل. يؤكد خبراء عقاريون أن هذه المشاريع لا تُموَّل من خزينة الدولة، بل تعتمد على أموال مستثمرين ورجال أعمال عرب، فيما يقتصر دور الحكومة على تقديم التسهيلات التشريعية والقانونية لإعادة تشغيل المشاريع المتوقفة وتحويل الأصول المعطلة إلى مصادر إنتاج.ويشدد هؤلاء على أن اقتصاد السوق الحر يفرض احترام استقلالية رؤوس الأموال الخاصة. فالمستثمر يتحرك وفق دراسات الجدوى والربحية، وأي محاولة لإجباره على تمويل مشاريع خدمية عامة قد تدفعه إلى الانسحاب.من يدفع الكلفة الحقيقية؟يطرح الخبير العقاري أنور وردة في حديثه “للعين السورية” تحفظات جوهرية حول طبيعة هذا التمويل. فالمجمعات المعلن عنها ليست فاخرة بالمقاييس العالمية السائدة في الإمارات أو تركيا أو مصر، بل تبدو فاخرة نسبياً مقارنة بالمناطق العمرانية القديمة التي تفتقر إلى التخطيط الحديث. كما أن بعض المشاريع تحصل على تمويل عيني من الدولة عبر تقديم الأرض ومشاركة المؤسسات الحكومية، ما يجعلها غير خاصة بالكامل.أما التمويل الخاص في بعض المشاريع العقارية المعلن عنها في سوريا مؤخراً فيأتي من جيوب المواطنين عبر البيع على الخارطة. حيث يدفع المشتري نسباً من قيمة المسكن قبل البدء بالتنفيذ أو عند إكمال الهيكل، في مخالفة محتملة لقانون التطوير العقاري والقرار رقم 18 الصادر عن هيئة الاستثمار. فإذا كانت الدولة تقدم الأرض والمواطن يدفع الكلفة مقدماً والمطور يسحب الأموال من المكتتبين، يبقى السؤال معلقاً حول من يمول المشروع فعلياً ومن يتحمل مخاطره.من جانبه، يؤكد الدكتور محمد أورفه لي، رئيس لجنة الاستثمار والتطوير العقاري في غرفة تجارة دمشق في تصريح لـ”العين السورية”، أن منطق الأعمال لا يسمح بإجبار أي مستثمر على الاستثمار في نوع معين من المشاريع. يمكن في حال الربحية العالية وضع اشتراطات تنعكس إيجاباً على البلد، لكن المستثمر ينسحب ببساطة إذا رأى انعدام الفائدة.التأثير على سوق الإسكان المحلييتفق الخبيران على أن المشاريع الكبيرة تؤمن تشغيلاً واسعاً للعمال والمهنيين والمهندسين والموردين، ما يرفد كثيراً من الأسر بدخل جيد ويزيد الإنفاق الاستهلاكي. ويذهب أورفه لي أبعد، مشيراً إلى أن أي دولار يدخل من الخارج يؤثر إيجاباً على فرص العمل ويخفض البطالة التي ارتفعت بشكل حاد مع توقف المصانع. ويدعو الحكومة إلى قرع ناقوس الخطر، فالصناعة كانت تستقطب الأيدي العاملة باستمرار قبل أن يضغط الاستيراد الجائر على المعامل ويؤثر سلباً على الميزان التجاري.أما تأثير هذه المشاريع على أسعار العقارات والإيجارات فيختلف بين الخبيرين .يرى الدكتور محمد أورفه لي أن الكومباوندات تستهدف أساساً شريحة المغتربين الذين اعتادوا الإقامة خارج المدن، بينما يفضل معظم سكان دمشق البقاء قريبين من وسط المدينة. لذلك تبقى شريحة المشترين مختلفة، ولا تنعكس أسعار هذه المجمعات مباشرة على السوق المحلي.في المقابل، يحذر أنور وردة من تأثير أوسع. فارتفاع أسعار الشقق داخل الكومباوندات، خاصة بعد إضافة المساحات المشتركة ورسوم الصيانة والحراسة الشهرية، ينتقل إلى مناطق أخرى عبر ما يشبه تأثير الأواني المستطرقة. كما يتوقع أن يزداد الطلب على الإيجارات بسبب قدوم المدراء والفنيين من خارج البلاد للعمل في هذه المشاريع.التحديات والاستدامةيرى أورفه لي أن مكانة سورية في قلوب الأشقاء العرب متأصلة، وهم يبادرون للتملك فيها كوطن ثانٍ. والاستدامة لا تتوقف عند التنفيذ، بل تمتد إلى الصيانة الدائمة وخدمات راحة القاطنين. أما وردة فيوضح أن المطورين ملزمون قانوناً بتوفير البنية التحتية داخل مشاريعهم فقط، وفق قانون التطوير العقاري رقم 15 لعام 2008. وإذا اعتمدت طريقة الطرح على سحب السيولة من جيوب المواطنين، فقد تؤدي إلى تجفيف الادخار الفردي وزيادة الطلب على الدولار، مع الإبقاء على فائدة تشغيل العمالة وتدوير مواد البناء.هل يكفي الاستثمار العقاري وحده؟يجمع الخبيران على أن الاعتماد على العقار غير كافٍ. يشبهه أورفه لي بحبة سيتامول تخدر الألم مؤقتاً، بينما تكمن الأسس المستدامة في الصناعة ومشاريع الطاقة. ويستشهد بالتجربة الصينية التي نجحت في رفع متوسط الرواتب رغم الكثافة السكانية الهائلة عبر دعم الصناعة ومحاربة الاستيراد والاستثمار في البحث والتطوير.ويرفض وردة مصطلح السيولة المجانية من أساسه، فلكل سيولة مصدر وكلفة ومخاطر. حتى لو وصل دخل المواطن إلى 1500 دولار شهرياً، تبقى المعادلة الحقيقية في العلاقة بين الدخل وسعر المسكن وكلفة التمويل ونسبة القسط. فإذا ارتفع سعر الشقة بوتيرة أسرع من الدخل، يبتعد المواطن عن التملك أكثر مما يقترب.ويستعرض وردة دروساً من تجارب دولية: سنغافورة التي بنت منظومة متكاملة من الإنتاج والتمويل والدعم عبر مؤسسة عامة للإسكان، وفيينا التي جعلت الإسكان الميسر عنصراً من عناصر التوازن في السوق، وتركيا عبر إدارة الإسكان الجماعي التي تنتج مساكن اجتماعية وتستخدم الأراضي العامة ونموذج تقاسم الإيرادات مع القطاع الخاص، ومصر التي انتقلت إلى برامج تمويل عقاري مدعوم، والمغرب التي ركزت على تحويل المدخرات إلى تمويل سكني طويل الأجل.ويخلص إلى ضرورة توزيع الأدوار بوضوح: الدولة تضع الإطار القانوني وتؤمن التخطيط، والقطاع الخاص يتحمل جزءاً حقيقياً من مخاطر التطوير، والمؤسسات المالية توفر التمويل طويل الأجل، والمواطن يدفع ثمناً يتناسب مع قدرته دون أن يتحول إلى ممول مسبق للمشروع.يظهر من آراء الخبيرين أن الاستثمار العقاري الخاص يمكن أن يساهم في خلق فرص عمل وجذب سيولة خارجية، خاصة إذا استهدف شريحة المغتربين والعرب. لكنه يحمل مخاطر حقيقية إذا اعتمد على التمويل المسبق من المواطنين أو أدى إلى رفع أسعار السكن دون معالجة جذور المشكلة. والإجماع واضح: العقار وحده ليس حلاً سحرياً. الأسس المستدامة تكمن في الصناعة والطاقة والزراعة والتمويل طويل الأجل، مع دور واضح للدولة في التخطيط والتنظيم دون أن تتحول إلى ممول أو ضامن لكل المخاطر.
العين السورية









