تخطى إلى المحتوى

مشاريع سكنية بمئات آلاف الدولارات في سورية… لمن تُبنى؟

*منير خليفة:

كم يسعدني أن أسمع عن إطلاق مشاريع عقارية سكنية جديدة في سورية، فنحن بالفعل بحاجة ماسّة إلى مثل هذه المشاريع، ليس من باب الترف أو الاستثمار فقط، وإنما لتأمين مساكن تساعد العائلات المهجّرة على الاستقرار، وتمنح الشباب الراغبين في الزواج فرصة امتلاك بيت يؤسسون فيه حياتهم.
لكن ما إن ننتقل من الإعلان إلى الأرقام حتى تتبدد هذه السعادة.
فعندما يُطرح المتر السكني بسعر يتجاوز 1800 دولار، يصبح من المشروع أن نسأل: لمن تُبنى هذه المشاريع تحديدًا؟
بالتأكيد هي ليست موجهة إلى الشريحة الأكبر من السوريين، لأن قدرتهم الشرائية لا تسمح أصلًا بالاقتراب من هذه الأسعار. وإذا قلنا إنها موجهة إلى الطبقة المتوسطة من المغتربين السوريين، فحتى هذه الفئة قد تجد صعوبة كبيرة في شرائها، خصوصًا عندما نعلم أن مساحة أصغر شقة في بعض هذه المشاريع تقارب 200 متر مربع، أي إن ثمنها سيصل إلى نحو 360 ألف دولار، وهو مبلغ ليس بسيطًا حتى بالنسبة إلى شريحة واسعة من المغتربين.
فهل المستهدف إذًا هو الشريحة الغنية من المغتربين؟
حتى هنا تبدو الفكرة غير مقنعة؛ لأن كثيرًا من أصحاب الملاءة المالية يمتلكون أصلًا عقارات وشققًا وفللًا، وفي أفضل المناطق داخل المدن السورية وخارجها.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: هناك خطأ في قراءة السوق قبل أن يكون هناك خطأ في التسعير.
يبدو أن بعض شركات التطوير العقاري تحاول نقل تجربة دبي إلى سورية كما هي، من دون أن تدرس اختلاف السوقين، ولا احتياجات الناس، ولا قدرتهم الشرائية.
نعم، في دبي تنتشر مشاريع الـ Off-plan، أي شراء العقار وهو ما يزال قيد الإنشاء وقد يستغرق إنجازه ثلاث أو أربع سنوات، لكن السوق هناك يوفر للمشتري خيارات متعددة: استوديو، غرفة وصالة، غرفتان، ثلاث غرف، ومساحات وأسعار متفاوتة، بحيث يستطيع كل شخص أن يختار ما يتناسب مع إمكاناته. يضاف إلى ذلك وجود أنظمة دفع مرنة وتمويل وتسهيلات مصرفية تساعد شريحة واسعة من المشترين.
أما في سورية، فالمعادلة مختلفة تمامًا، الرواتب متدنية جدًا قياسًا بأسعار العقارات، والقدرة الشرائية ضعيفة، والبنوك لا تستطيع أن تقدم تمويلًا عقاريًا حقيقيًا بمئات آلاف الدولارات لأشخاص يتقاضون رواتب لا تسمح أصلًا بخدمة مثل هذه القروض.
وبالتالي فإن شراء شقة بمئات آلاف الدولارات يصبح شبه مستحيل بالنسبة إلى الغالبية الساحقة من السوريين.
وهنا أقول لكل مطوّر عقاري يفكر بالدخول إلى السوق السورية:
من الطبيعي أن تبحث عن الربح، وأن ترغب في بناء مشروع مميز يحقق لك عائدًا جيدًا، فهذا هو أساس أي استثمار. لكن الخطأ هو أن تنقل نموذجًا ناجحًا في دبي وتفترض أنه سينجح تلقائيًا في دمشق أو حلب أو غيرهما.
السوق لا يتكيّف مع مشروعك؛ مشروعك هو الذي يجب أن يتكيّف مع السوق.
وإذا بنيت منتجًا لا يستطيع الناس شراءه، فلن تنفعك فخامته ولا تصميمه ولا حملاته الإعلانية، وقد يبقى جزء كبير منه على المخطط لأن الطلب الحقيقي عليه محدود.
السوق السورية اليوم، برأيي، تحتاج أولًا إلى وحدات سكنية بسيطة وعملية، صغيرة ومتوسطة المساحة، وبأسعار مدروسة، مع أنظمة تقسيط طويلة وميسّرة قدر الإمكان.
نحن بحاجة إلى شقق بمساحات تناسب الأسرة السورية وإمكاناتها، وليس إلى فرض مساحات ضخمة تجعل سعر الوحدة خارج قدرة معظم المشترين منذ البداية.
المواطن السوري اليوم لا يبحث في المقام الأول عن الرخام الفاخر والمسابح والخدمات الاستثنائية، بل يبحث عن بيت محترم وآمن يأويه هو وأسرته، يستطيع دفع ثمنه دون أن يتحول امتلاك المنزل إلى حلم مستحيل.
لذلك، قبل أن نسأل: كم يمكن أن نربح من المتر؟
يجب أن نسأل أولًا: من سيشتري هذا المتر؟ وكم يستطيع أن يدفع؟
فنجاح إعادة الإعمار لا يقاس بعدد الأبراج والمشاريع الفخمة التي نعلن عنها، وإنما بعدد العائلات التي تستطيع فعلًا أن تسكن فيها.
سورية اليوم بحاجة إلى سكن على مقاس السوريين، لا إلى مشاريع منسوخة من أسواق تختلف عنها جذريًا في الدخل والتمويل والقدرة الشرائية.

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك