تخطى إلى المحتوى

المعارض الدولية والاتفاقيات السياسية في سوريا.. كيف تتحول حصيلة تفاهمات واتفاقيات إلى محرك للنمو؟

تدل القيمة الإجمالية للعقود ومذكرات التفاهم وطلبات الإنتاج والتوريد والتفاهمات التجارية والاستثمارية التي شهدتها الدورة الـ63 لمعرض دمشق الدولي، والمعلن عنها رسمياً، والتي تجاوزت 150 مليار ليرة سورية جديدة، مقارنة بمخرجات الدورة الثانية والستين التي قاربت 100 مليون دولار أميركي، على نمو تجاوز عشرة أضعاف خلال عام واحد. وهذا يعني أن سوريا تسير سريعاً في مسارات التعافي وتحقيق النمو المستدام.

الأرقام السابقة الذكر تعد بمثابة مؤشرات على الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي ومراكمة عوامل جذب الاستثمارات. فلم تكن الدورة الـ63 للمعرض مجرد مساحة لعرض المنتجات السورية، فالحضور الدبلوماسي اللافت والوفود الرسمية الخارجية جميعها دلائل على التعافي السوري، وبالتالي على الرغبة الدولية في المشاركة ودعم هذا التعافي، ونقل مشاهدات من داخل المعرض إلى الخارج، بما يسهم لاحقاً في جذب الاستثمارات والشراكات، وإعادة التشبيك بين سوريا والخارج رسمياً، وبين الشركات الداخلية والخارجية.

ما يميز هذه الدورة لمعرض دمشق الدولي عن دورة 2025 أنها تأتي بمثابة ترسيخ وتكريس لانفتاح سوريا الواسع على محيطها الاقتصادي واستعادة حضورها على خارطة الأسواق الإقليمية والدولية، مع إيجاد مساحة واسعة لتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين الشركات المحلية والدولية.

ويمكن القول: إن المعرض لم يسهم فقط في فتح قنوات جديدة للتجارة والاستثمار، وإنما رسم ملامح سوريا الجديدة سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً. ومن هنا، لم يكن شعار “سوريا تشرق من جديد” الذي أقيم المعرض تحته شعاراً عابراً أو اعتباطياً، بقدر ما هو عنوان تأسيسي للمرحلة المقبلة على جميع الصعد والمجالات.

نقطة تحول حقيقية

منذ انطلاقته عام 1954 وإلى اليوم، شكل معرض دمشق الدولي منصة اقتصادية وتجارية رائدة جمعت الشركات والمستثمرين والزوار من مختلف أنحاء العالم، ورسخ مكانته كأحد أعرق المعارض الدولية في المنطقة.

وتميزت دورة هذا العام، التي اختتمت الجمعة الماضي واستمرت عشرة أيام، بحصيلة اقتصادية أولية تجاوزت 150 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل أكثر من مليار دولار أميركي، في حين بلغ عدد زوار المعرض خلال أيامه نحو 1.4 مليون زائر، بمشاركة نحو ألف جهة محلية وعربية ودولية تمثل قرابة 60 دولة.

وأوضح المدير العام للمؤسسة السورية للمعارض والأسواق الدولية محمد حمزة أن هذه الدورة شكلت نقطة تحول حقيقية في مسيرة المعرض، ورسخت انتقاله من مساحة تقليدية لعرض المنتجات إلى منصة متكاملة للأعمال والاستثمار والإنتاج وبناء الشراكات.

وشملت المخرجات المعلنة، وفق حمزة، مشروعات واتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاعات الصناعة والزراعة والنقل والمياه والطاقة والبنية التحتية والسياحة والخدمات اللوجستية، من بينها حزمة مشروعات صناعية في مدينة حسياء بقيمة تقديرية تصل إلى 500 مليون دولار، إضافة إلى مشروعات وتفاهمات مرتبطة بمدن باب الهوى والشيخ نجار وحماة والرقة، وتفاهمات اقتصادية وتجارية مع عدد من الدول والشركات العربية والدولية.

بماذا تميزت الدورة؟

تميزت الدورة الـ63 بإطلاق منتدى دمشق الاقتصادي العالمي، ليكون منصة اقتصادية مستدامة تعمل على مدار العام، تجمع الحكومة والقطاع الخاص والمستثمرين والمؤسسات الاقتصادية والتنموية والخبرات المتخصصة، لمتابعة تحويل الفرص والتفاهمات التي بدأت في المعرض إلى مشروعات منتجة وفرص عمل وصادرات وشراكات طويلة الأجل.

يضاف إلى ذلك تخصيص الأيام الثلاثة الأولى لرجال الأعمال والمستثمرين والوفود الرسمية، وتنظيم لقاءات B2B وB2G بين الشركات والمستثمرين والجهات الحكومية، إلى جانب عودة الجناح الألماني الرسمي بعد أكثر من أربعة عقود، عبر جناح ضم 13 عارضاً، رافقه وفد وبرنامج للتعاون مع قطاع المعارض في سوريا، إلى جانب مشاركة تركية بتكليف من وزارة التجارة، مع إدراج المعرض ضمن برنامج هيئة تنمية الصادرات السعودية.

ورافقت الفعاليات الاقتصادية سلسلة واسعة من الندوات والجلسات الحوارية التي تناولت ملفات ترتبط بمرحلة إعادة البناء والتنمية وتطوير القطاعات الاقتصادية والخدمية، وكان أبرزها: الفرص الاستثمارية في قطاع النقل وفق نموذج PPP، وتحديات الدفع الإلكتروني والتجارة الرقمية، ودور المدن الصناعية في دعم الاستثمار، وتطوير منظومة التمويل طويل الأجل، وأهمية المواصفات والمقاييس في تعزيز جودة المنتجات، وواقع القطاع الكهربائي بعد 20 شهراً من التحرير، وتطوير المنظومة التعليمية بما يواكب متطلبات سوق العمل.

وضمت قائمة الدول التي شاركت في المعرض: ألمانيا، والصين، وتركيا، والسعودية، والإمارات، وليبيا، والأردن، ومصر، والعراق، والجزائر، وإيطاليا، ولبنان، وفلسطين، وجنوب أفريقيا، والهند، وإندونيسيا، وباكستان، وسريلانكا، وتايلاند، وفيتنام، وكمبوديا، والسودان، إضافة إلى تمثيل جماعي لنحو 25 دولة عبر غرفة وسط أوروبا، ما عكس الثقة بمستقبل سوريا وإعادة تموضعها ضمن الأسواق العربية والدولية.

وشهدت هذه الدورة زيادة في حجم مشاركة الشركات المحلية والعربية والدولية، إلى جانب وزارات وهيئات حكومية، وغرف تجارة ومجالس أعمال، وجهات استثمارية وخدمية وحرفية. وفي حين شهدت دورة 2025 من المعرض مشاركة 800 شركة محلية وعالمية تمثل 46 دولة عربية وأجنبية، مع استقطاب نحو مليونين و261 ألف زائر، فإن دورة 2026 شهدت مشاركة 1000 جهة محلية وعربية ودولية تمثل نحو 60 دولة، وبلغ عدد الزوار 1.4 مليون زائر.

وأقيمت الدورة الـ63 خلال الفترة من 26 آب إلى 4 أيلول 2026، لتؤكد أن معرض دمشق الدولي لا يزال منصة تجمع فرص الاستثمار والتجارة، وتعزز الشراكات، وتفتح آفاقاً جديدة نحو مستقبل تجاري أكثر ازدهاراً.

منصة للتفاوض وبناء الشراكات

يرى الاقتصادي مهند الزنبركجي، المتخصص في التخطيط الإستراتيجي وتأسيس الشركات القابضة، أن ارتفاع حجم الاتفاقيات والتفاهمات في معرض دمشق الدولي يعكس أولاً وجود طلب على السوق السورية وفرصها الاستثمارية والتجارية، ويشير إلى أن المعرض لم يعد مجرد مساحة لعرض المنتجات، لكنه أصبح منصة للتفاوض وبناء الشراكات وفتح قنوات جديدة بين المنتجين والمستثمرين والتجار.

وتلك النقطة مهمة في اقتصاد يحتاج إلى زيادة النشاط الإنتاجي وتوسيع قاعدة الاستثمار، لأن تحريك عجلة الإنتاج يبدأ عادة بوجود توقعات وسوق وفرص يمكن البناء عليها.

ويقول الزنبركجي في حديث لـ”الثورة السورية”: المؤشر الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة لن يكون حجم الاتفاقيات التي وقعت في المعرض، وإنما نسبة ما تم تنفيذه منها، وحجم الأموال التي تحولت إلى استثمارات فعلية، وعدد المشاريع التي دخلت مرحلة الإنتاج، والوظائف التي خلقتها، والإيرادات التي ولدتها، وحجم الصادرات التي ساهمت فيها.

وحول كيفية ترجمة تلك الأرقام وآلية الدورة الاقتصادية التي تجعل من تلك الأرقام نقطة بداية لنمو طويل الأمد، أوضح الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد لا ينمو بصورة مستدامة بمجرد زيادة حجم التجارة في فترة قصيرة، وإنما عندما ترتفع قدرته الإنتاجية بصورة متواصلة. فإذا أدى الاستثمار الجديد إلى إنشاء مصنع، فهذا المصنع يحتاج إلى عمال ومواد أولية ونقل وطاقة وخدمات وتمويل وتسويق، وبالتالي فإنه يخلق نشاطاً اقتصادياً يتجاوز حدود المشروع نفسه. وإذا كان إنتاج المصنع موجهاً للتصدير، فإنه يضيف أيضاً مصدراً جديداً للنقد الأجنبي، ويزيد قدرة الاقتصاد على تمويل وارداته واستثماراته المستقبلية.

قناة موازية لتحسين العلاقات

سياسياً، تحمل النتائج أهمية خاصة، لأن النشاط الاقتصادي لا ينفصل عن البيئة السياسية والعلاقات الخارجية، وفقاً لخبير التخطيط الإستراتيجي. فوجود شركات ومستثمرين وتجار من دول مختلفة، وارتفاع مستوى التفاهمات التجارية والاستثمارية، يمكن أن يشكل قناة موازية لتحسين العلاقات الاقتصادية وفتح مساحات جديدة للتعاون. وكلما اتسعت شبكة المصالح الاقتصادية بين سوريا والأسواق الإقليمية والدولية، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على الاندماج في محيطه واستعادة دوره التجاري.

كما أن عودة النشاط الاستثماري والتجاري إلى المعارض والمؤتمرات الاقتصادية يمكن أن تكون مؤشراً على تغير النظرة إلى السوق السورية.

فالمستثمر لا يدخل إلى سوق ما اعتمادا على حجم السوق وحده، وإنما ينظر إلى مجموعة من العوامل، من بينها الاستقرار، والقوانين، والقدرة على تحويل الأرباح، وتوافر الطاقة والمواد الأولية، والبنية التحتية، والقدرة الشرائية، وإمكانية الوصول إلى الأسواق الخارجية.

ومن وجهة نظر الزنبركجي، فالعمل الاقتصادي الحقيقي يبدأ بعد المعرض، مقترحا إنشاء آلية مؤسسية لمتابعة كل عقد أو مذكرة تفاهم، وتصنيفها حسب طبيعتها وقيمتها ودرجة جاهزيتها للتنفيذ. يضاف إلى ذلك الانتقال من قياس نتائج المعرض بالأرقام الاسمية إلى قياسها بالمؤشرات الاقتصادية الحقيقية، التي تترجم بالاستثمارات الفعلية، ومشاريع الإنتاج، وفرص العمل، وحجم الصادرات، وغيرها من المؤشرات التي تعطي صورة حقيقية عن الأثر الاقتصادي.

ويجب أن يكون توجيه نتائج المعرض نحو القطاعات الإنتاجية أولوية، حسب الخبير، فالاستثمار في الصناعة يمكن أن يدعم الزراعة من خلال زيادة الطلب على المنتجات الزراعية، ويدعم النقل والخدمات، ويخلق فرصاً للعمل، بينما يمكن للصناعات الغذائية أن تربط بين المنتج الزراعي والسوق المحلية والخارجية. كما أن الصناعات الدوائية والهندسية والتقنية يمكن أن تقلل من الاعتماد على بعض الواردات وتفتح فرصاً جديدة للتصدير. وبالتالي، فإن الاستثمار الأكثر أهمية ليس بالضرورة الاستثمار الأكبر من حيث القيمة، بل الاستثمار الذي يخلق أكبر سلسلة من الآثار الاقتصادية داخل البلد.

وبناء عليه، يمكن أن تتحول نتائج المعرض إلى سياسة اقتصادية متكاملة إذا جرى التعامل معها كجزء من سلسلة مترابطة، كما يرى الزنبركجي، تبدأ بالاستثمار، ثم الإنتاج، ثم التسويق، ثم التصدير. وباعتبار أن المعرض أداة للتعرف إلى احتياجات المستثمرين ومشكلات المنتجين، كونه يجمع في مكان واحد شركات محلية وأجنبية وتجاراً ومستهلكين ومؤسسات حكومية، فإن ذلك يمكن أن يساعد في صياغة سياسات اقتصادية أكثر ارتباطاً بحاجات السوق الفعلية.

إعادة بناء نموذج اقتصادي

يوسع الخبير الاقتصادي دائرة الرؤية، ويقول :إنه يمكن النظر إلى هذه النتائج باعتبارها فرصة لإعادة بناء نموذج اقتصادي يقوم على الإنتاج والاستثمار بدلاً من الاعتماد المفرط على التجارة والاستهلاك. فزيادة الإنتاج المحلي تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات، وتقلل حساسيته لتقلبات الأسواق الخارجية، وتخلق وظائف، وتزيد دخل الأسر، وتوسع قاعدة الضرائب، وتحسن قدرة الدولة والقطاع الخاص على تمويل النشاط الاقتصادي.

بالمحصلة، يشير الزنبركجي إلى أن أرقام الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي يمكن أن تصبح أكثر من مجرد رقم قياسي أو نتيجة تجارية لدورة واحدة، لتكون مؤشراً أولياً على وجود فرصة اقتصادية حقيقية، تتحدد بقدرة الاقتصاد السوري على إدارتها وتحويلها إلى نتائج ملموسة.

فالمعادلة الأساسية ليست كم بلغت قيمة العقود التي وقعت، وإنما كم استثماراً جديداً دخل إلى الاقتصاد، وكم مصنعاً بدأ العمل، وكم وظيفة نشأت، وكم منتجاً سورياً وصل إلى الخارج.

ومع تحويل نتائج المعرض إلى خارطة مشاريع واضحة، وربطها بالتمويل والإنتاج والتصدير، ومتابعتها بمؤشرات أداء محددة، فإن هذه النتائج يمكن أن تتحول من أرقام معلنة إلى محرك فعلي للنمو. وعندها يصبح معرض دمشق الدولي جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع، تقوم على جذب الاستثمار، وتحفيز الإنتاج، وزيادة القيمة المضافة، وخلق فرص العمل، وتنمية الصادرات، وهي العناصر التي تشكل في مجموعها الأساس الحقيقي لأي نمو اقتصادي مستدام.

حول المعرض

معرض دمشق الدولي هو معرض دولي يقام في دمشق سنوياً منذ عام 1954، وهو من أقدم وأعرق وأكبر المعارض الدولية في الشرق الأوسط، وتشارك في دوراته عشرات الدول من مختلف قارات العالم ومئات الشركات السورية والعالمية.

كان افتتاح معرض دمشق الدولي في الخمسينيات حدثاً دولياً اقتصادياً كبيراً حقق نجاحاً فاق التوقعات، وكان النجاح على المستوى الاقتصادي والتجاري، وكذلك على المستوى السياحي.

أقيم أول معرض في دمشق في أيلول عام 1954، بحضور الرئيس السوري آنذاك هاشم الأتاسي، واستمر لمدة شهر كامل على مساحة قدرها 250 ألف متر مربع، وفاق عدد زواره المليون زائر من مختلف الدول، كما شاركت في الدورة الأولى للمعرض 26 دولة عربية وأجنبية، إضافة إلى عدد من المؤسسات والشركات الصناعية والتجارية السورية.

توقف المعرض من 2011 وحتى 2016 بسبب الحرب، ثم أعيد افتتاحه في 2017، ولكن، وبسبب الظروف التي فرضتها جائحة كورونا عالمياً، أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية تأجيل موعد إقامة الدورة الثانية والستين لمعرض دمشق الدولي، التي كان من المفترض أن تقام عام 2021.

ومع استمرار الظروف الدولية غير المناسبة، لم يقم المعرض عام 2022 أيضاً. وبعد سقوط النظام السابق، أعلنت وزارة الاقتصاد إحياء معرض دمشق الدولي في دورته الثانية والستين، خلال الفترة من 27 آب إلى 5 أيلول 2025.

وتتولى المؤسسة السورية للمعارض والأسواق الدولية تنظيم المعرض، وهي مؤسسة عامة تعمل في مجال تنظيم المعارض وإقامتها. وتهدف إلى إقامة المعارض وتطويرها داخل الجمهورية العربية السورية وخارجها، ودعم شركات المعارض الوطنية، والعمل على التعريف بالمنتج الوطني محلياً ودولياً.

الثورة السورية – هبا أحمد

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك