تخطى إلى المحتوى

الوحدة في القمة: حين لا يجد المدير من يكلمه

المقال الخامس من سلسلة: إدارة النفس قبل إدارة المؤسسة

بقلم: إبراهيم عمر الطيب

—

في إحدى الليالي، بعد اجتماع طويل، جلستُ وحدي في مكتبي. كان الجميع قد ذهب. أغلقتُ الباب، وأطفأتُ الأنوار إلا مصباحاً صغيراً. ثم اتصلتُ بأخي. لم يكن لدي شيء محدد لأقوله. فقط أردت أن أسمع صوتاً لا يريد مني شيئاً. لا تقريراً، ولا قراراً، ولا توقيعاً. صوتاً يقول لي: “كيف حالك؟”

تحدثنا عشر دقائق. عن أشياء تافهة. عن الطقس، عن الطعام، عن ذكرى قديمة. ثم أغلقنا. وجلستُ أفكر: كم قائداً في هذا البلد يمرّ بهذا؟ كم مديراً يملك مئات الموظفين، ولا يملك شخصاً واحداً يستطيع أن يتصل به ليقول له: “أنا متعب”؟

هذه هي الوحدة في القمة. ليست غياب الناس. إنها غياب من يفهمك.

—

لماذا القمة وحيدة؟

أولاً: لأنك لا تستطيع أن تكون صديقاً للجميع

القائد الذي يريد أن يكون صديقاً لكل فريقه يفقد احترامه. لأن الصداقة تحتاج مساواة، والقيادة تحتاج مسافة. وإذا اختلط الاثنان، ضاع الاثنان. أنت لا تستطيع أن تجلس مع الموظف كصديق، ثم بعد ساعة تجلس في مكتبك لتقييم أدائه. هذه الازدواجية تقتل العلاقة، أو تقتل القيادة.

ثانياً: لأن الناس يخافون منك

ليس بالضرورة خوفاً حقيقياً، بل خوفاً من الكلمة، من النظرة، من التقييم. الموظف الذي يجلس معك لا يتصرف بشكل طبيعي، لأنه يعرف أنك من يقرر راتبه وترقيته ومستقبله. فتنشأ مسافة، حتى لو لم تردها. حتى لو فتحتَ قلبك، سيظل هو حذراً. لأن الثمن كبير.

ثالثاً: لأن لا أحد يخبرك بالحقيقة

هذا أخطر ما في القمة. الناس يقولون لك ما تريد سماعه، لا ما تحتاج سماعه. يخافون أن يغضبوك، أو أن يبدوا سلبيين، أو أن يُنعتوا بعدم الولاء. فتصبح محاطاً بأصوات تقول “نعم” و”ممتاز”، وأنت تعرف في داخلك أنك لست دائماً على صواب. لكن لا أحد يجرؤ أن يقول لك ذلك.

رابعاً: لأن المسؤولية تُثقل ولا تُشارَك

الموظف يشاركك في التنفيذ، لكنه لا يشاركك في القرار. لا ينام معك في الليل. لا يحمل معك ثقل القرار. هو ينفذ، وأنت من يحمل. وهذا الثقل لا يستطيع أحد أن يحمله عنك. حتى لو أراد.

خامساً: لأنك من يحمي، ولا أحد يحميك

أنت تضع الدرع أمام فريقك. أنت تواجه الأزمات، وتحمي الموظفين من الغضب، وتتفاوض مع الأطراف الصعبة. لكن من يحميك أنت؟ من يسأل عنك؟ من يراك وأنت متعب؟ لا أحد. لأن الكل ينظر إليك كأنك الصخرة التي لا تُكسر.

—

كيف تظهر الوحدة؟

الانعزال التدريجي

تبدأ بتقليل التواصل. تكتفي بالاجتماعات الرسمية. تختصر الكلام. ترفض الدعوات. لا لأنك لا تحب الناس، بل لأنك تعبت من التمثيل. تعبت من أن تكون دائماً “القائد”. فتنعزل… لا هرباً منهم، بل هرباً من الدور نفسه.

الحديث مع النفس

تجد نفسك تحكي مع نفسك في السيارة، في المرآة، في السرير. لأنك لا تجد من تثق به، فتصبح أنت من تثق به. وأنت وحدك.

الكتابة

كثير من القادة يكتبون. ليس لأنهم أدباء، بل لأن الكتابة هي الصديق الوحيد الذي لا يحكم، ولا يشي، ولا يخون. أنا أكتب لأن الكتابة هي المكان الوحيد الذي أستطيع أن أكون فيه صادقاً دون ثمن. أكتب لأفهم نفسي، ولأتكلم مع نفسي، ولأترك أثراً قد يقرأه غيري يوماً فيعرف أنه ليس وحيداً.

الحذر المفرط

تبدأ في الشك في كل من حولك. من هذا الذي يقترب؟ ماذا يريد؟ لماذا هذه الابتسامة؟ فيتحول القائد من محاط إلى محاصر. ومن محاصر إلى معزول.

الشعور بالفراغ

تصل إلى القمة، وتكتشف أن القمة ليست كما تخيلت. ليست مجداً، ولا حرية، ولا راحة. بل هي مساحة ضيقة، وريح قوية، وبرد قارس. وحدك هناك. والناس تحت.

—

خطر الوحدة على القائد والمؤسسة

الوحدة ليست حالة عابرة. إنها حالة مدمرة إذا لم تُعالج.

على القائد:

· الاكتئاب الصامت: لا أحد يراه، ولا أحد يعرفه.
· التردد في القرار: لأنك لا تجد من تشاوره.
· الاعتماد المفرط على رأي واحد: لأنك لا تجد بديلاً.
· الانفجارات العاطفية: غضب يخرج فجأة على من لا يستحق.
· فقدان المعنى: لماذا أفعل كل هذا؟ لمن؟

على المؤسسة:

· فقدان قنوات الاتصال الحقيقية: المشاكل لا تصل إليك، لأن أحداً لا يجرؤ.
· تراكم الأزمات: تنفجر في وجهك وأنت غير مستعد.
· تدهور الثقافة المؤسسية: الخوف يأكل المبادرة.
· فقدان المواهب: من لا يجد صوتاً، يرحل.
· غياب الإبداع: لأن أحداً لم يعد يقترح.

—

ماذا أفعل كقائد؟ كيف أكسر هذه الوحدة؟

الحل ليس أن تصبح صديقاً للجميع، ولا أن تتخلى عن مسؤوليتك. الحل أن تتعلم كيف تكون وحيداً… دون أن تكون معزولاً.

الخطوة الأولى: اعترف لنفسك بأنك وحيد

الاعتراف هو بداية الشفاء. لا تقل “أنا بخير، أنا القائد”. قل لنفسك: “أنا وحيد، وهذا طبيعي، ولكنني أحتاج إلى تغيير”. الاعتراف ليس ضعفاً. إنه أول خطوة نحو بناء دوائر أمان.

الخطوة الثانية: ابحث عن “مجلس آمن”

اختر شخصين أو ثلاثة تثق بهم تماماً. ليسوا بالضرورة في العمل. قد يكونون شريكاً، أو أخاً، أو صديقاً قديماً، أو معالجاً نفسياً. المهم أن يكونوا آمنين: لا ينقلون، لا يحكمون، لا يستغلون. اجعل لهم موعداً ثابتاً. مرة كل أسبوعين. اجلس معهم بلا جدول أعمال، وبلا مهام. فقط لتتكلم. لتقول ما لا تقوله في أي مكان آخر.

الخطوة الثالثة: احتفظ بمساحة صدق في العمل

اسأل فريقك أسئلة حقيقية: “ما الذي يمكنني تحسينه؟” ثم اصمت واسمعه. ثم اشكره. ثم غيّر. هذه الممارسة الواحدة تكسر جدار الوحدة أسرع من أي شيء. لأنها تقول لفريقك: “أنا لست تمثالاً. أنا إنسان، وأريد أن أسمع منكم”. وستفاجأ بمن يجرؤ. وستفاجأ أكثر بصدق من لم تتوقع منه.

الخطوة الرابعة: تعلم أن تكون ضعيفاً بشكل محسوب

لا تنهار أمام الجميع، لكن لا تكن تمثالاً. قل في لحظة مناسبة: “هذا القرار كان صعباً عليّ”. “أنا متعب اليوم”. “لم أكن أعرف الجواب، وتعلمت منكم”. هذه اللحظات لا تُضعف القائد، بل تجعله إنساناً. والناس تتبع الإنسان، لا التمثال.

الخطوة الخامسة: اعتنِ بنفسك كما تعتني بأي أصل من أصول شركتك

أنت أغلى أصل تملكه. لو كنت آلة في مصنعك، لكنت تصونها بانتظام. فلماذا لا تصون نفسك؟ راحة، رياضة، تأمل، عبادة، قراءة، سفر، أي شيء يعيدك إلى الحياة. القائد الذي لا يعتني بنفسه، سينهار يوماً. وحين ينهار، سينهار معه كل من حوله.

—

هل يمكن أن تكون الوحدة نعمة؟

سؤال غريب، لكنه يستحق التفكير.

في الوحدة، تتعلم أن تعرف نفسك. لا أحد يجاملك، ولا أحد يخدعك. تسمع صوتك الداخلي بوضوح، لأن الضجيج قد خف. تكتشف من أنت حقاً، لا من يريدك الناس أن تكون.

في الوحدة، تتعلم أن تكون مستقلاً. لا تعتمد على رأي، ولا على دعم، ولا على تصفيق. تقف على قدميك، واثقاً، لأنك تعرف أنك وحدك من يحمل.

في الوحدة، تتعلم أن تتصل بالله. لأنك حين تجد أن كل الأبواب مغلقة، ترفع عينيك إلى السماء. وتكتشف أن هناك من يسمعك دائماً. وأنك لم تكن وحدك أبداً. فقط كنت تنظر في الاتجاه الخطأ.

لكن هذه الوحدة النافعة، هي التي تبقى قريبة من الله. أما الوحدة التي تُبعدك عن الناس وعن الله معاً، فهي ليست وحدة. إنها عزلة. والعزلة قاتلة.

—

💎 الخلاصة

الوحدة في القمة ليست عيباً. إنها ثمن. ثمن القيادة. ثمن القرار. ثمن أن تكون المسؤول.

لكن الثمن يصبح باهظاً عندما تتحول الوحدة إلى عزلة. عندما تُغلق الأبواب، وتُسكت الأصوات، وتُبعد كل من يقترب. حينها، لن تكون وحيداً فقط، بل ستكون ضعيفاً. والضعيف لا يقود.

فاعترف بوحدتك. وابحث عن دائرة آمنة. واحتفظ بمساحة صدق. وتعلم أن تكون ضعيفاً بشكل محسوب. واعتنِ بنفسك. وتذكر أنك مهما علوت، يبقى هناك من هو أعلى منك. من يراك، ويسمعك، ويريد لك الخير.

وتذكر أيضاً أن وحدة القمة ليست نهاية الطريق. إنها محطة. تمر بها، لتتعلم، ثم تعود أقوى. وأقرب إلى نفسك. وأقرب إلى الناس. وأقرب إلى الله.

—

في المقال القادم، سنفتح باباً آخر من أبواب النفس القيادية:
“التردد: حين يصبح الحذر جريمة”

إلى اللقاء.

#إدارة_النفس_قبل_إدارة_المؤسسة #الوحدة_في_القمة #فن_الإدارة #قيادة #إبراهيم_عمر_الطيب #ريادة_الأعمال #علم_النفس #القائد_الإنسان

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك