تخطى إلى المحتوى

من ملحمة الكندي…..قصة صمود وبطولة وتضحية

14691047_224219111330445_8747230395226634431_nالسيدة سهيلة العجي أم الشهيد بنيان بدر ونوس، التي أذهلت الناس بقوة تلقيها خبر استشهاد ابنها إبان حصار مشفى الكندي في حلب، تقول: قالت لي العرافة يوماً، إن أحد أبنائك سيحكي عنه العالم في الغرب والشرق وخطر ببالي ابني الأكبر، ولم يخطر ببالي أن المولود الهادئ الجديد الذي جلس يوماً ما في حضني سيكون هو البطل، الأسطورة التي ستذهل العالم والذي سيكون حديث الشرق والغرب. كنت أتخيل أنه سيستلم منصباً أو يصل إلى أعلى درجات العلم والمعرفة، لكن لم يخطر ببالي يوماً أن قصة استشهاده وصموده ستكون سفر تكوين وأن الحياة ستخلده.
وتضيف أم بنيان: نعم استُشهد.. غاب عنا وفارقنا، ولكنه عاد حياً في نفوس الناس الذين عرفوه وأحبوه.. الاستشهاد ملحمة الخلود، لذلك يا بنيان أنت الحيّ ونحن الأموات.
وتعود أم بنيان بالذاكرة، إذ بقيت ثلاث سنوات لم تره قبل استشهاده، لتقول: كان ولدي رحمه الله مثالاً للجندي العربي السوري.. مثله كمثل كل شهيد من شهداء مشفى الكندي، في لحظة استشهاده تخيلت أنه كان ينظر إليّ ويحدثني: «أنا بنيان يا أمي.. أنا بنيان اللي ربيته على عشق الوطن.. تراب بلادي أغلى من كنوز الدني يا أمي..».
وتضيف: بنيان ولد في محافظة السويداء، ودرس فيها الابتدائية، وبحكم ظروف عمل والده الذي كان ضابطاً في الجيش وينتقل من مكان إلى آخر فقد تابع دراسته الإعدادية في درعا، وفي دمشق درس الثانوية ليلتحق بعدها بأكاديمية الأسد للعلوم العسكرية بحلب.
مع بدء الحرب على سورية كان بنيان مازال طالباً في الأكاديمية، ولكنه فضّل مغادرتها ليحمل البندقية بعد أن اشتدت المعارك في حلب، حيث شارك إلى جانب رفاقه في أعنف الاشتباكات ضد الجماعات الإرهابية والعصابات التكفيرية.. وقد أصيب بصدره أكثر من مرة قبل حصار مشفى الكندي ليصمدوا لمدة سنة محاصرين من آلاف المسلحين متصدين لأشرس الهجمات. ففي 20/12/2013 اقتحمت شاحنة محملة بـ20 طناً من المتفجرات لتنسف المبنى الرئيسي للمشفى ويتبعها هجوم من مئات الإرهابيين، فقط مقابل 70 جندياً من قواتنا المسلحة ودارت بينهم أعنف المعارك قاتلوا فيها حتى الرمق الأخير وحتى آخر رصاصة، رافضين الاستسلام رافعين شعار الشهادة أو النصر.
تغمض الأم عينيها وتتذكر لحظة ولادته لتقول: في 29 نيسان عام 1991 الساعة التاسعة مساءً كانت صرخة بنيان في مدينة السويداء، ونحن بالأصل من قرية المريقب التابعة لمحافظة طرطوس، حين حملته الممرضة وقالت لي: ماذا تريدين أن تسميه.. لم أكن أحضّر اسماً لذكر بل كنت حتى اللحظة الأخيرة أتوقع أن يكون المولود أنثى، ووقفت أتذكر ماذا يمكن أن أسميه.. ودائماً كان يراودني أن يكون اسم من القرآن الكريم فتذكرت (البنيان المرصوص).
وتضيف نقلاً عن ضابط درّس ابنها: بنيان درس في الأكاديمية باختصاص هندسة ميكانيك.. وأثناء الحرب طُلب منهم الذهاب لمؤازرة بعض النقاط والمواقع العسكرية التي تتعرض لهجمات من قبل المجموعات الإرهابية. وبناء على رغبته طلب الالتحاق بالجيش لمساعدة إخوته الأبطال، ولكن أحد مدرّسي الأكاديمية قال لي: «طلبت من بنيان أن يعود للأكاديمية لمتابعة دروسه.. من أجل تقديم المادة الأخيرة للسنة الثالثة»، ودار بيننا الحوار التالي:
بنيان: ماذا تريد.. سيدي؟.
الضابط: يجب أن تعود فأنت لديك مادة لتترفع.
بنيان: سيدي من أجل هذه المادة بعثت لي؟!!.
الضابط: ولكن هذا مستقبلك..
بنيان: مستقبلي بلدي.. سيدي المادة تعوض.. والسنة تعوض.. ولكن إذا خسرنا البلد فلا شيء يعوضها..
قال لي الضابط بعدها: «أم بنيان لقد وقفت مذهولاً أمام جوابه.. ولم أستطع الرد.. أنا ذهبت وشاهدت كل بلدان العالم وقابلت الكثير وتعرضت لمواقف كثيرة ولم أشعر بالإحراج إلا أمام هذا الطالب الضابط، ابنك بنيان».
وتتابع: على حاجز الشقيف وقع هجوم عنيف، أُصيب بنيان إثره بطلق ناري وبعدها نقل إلى السجن المركزي بحلب وكان جريحاً يتلقى علاجه في السجن، ولكن رفاقه ذهبوا إلى مشفى الكندي وبعد العلاج طلب الالتحاق بهم للدفاع عن المشفى. وأصبح مع رفاقه داخل أسواره. فحصار المشفى بدأ في الشهر الثالث من عام 2012 ودام أكثر من سنة ليروي حكاية سبعين فارساً صمدوا صموداً أسطورياً.
تقول أم بنيان: في آخر هجوم بسيارة مفخخة أُصيب بنيان في ظهره، وتحدث بعدها إلينا بالهاتف ليطمئننا، قبل أن يقع مع رفاقه في الأسر بتاريخ 20/12/2013 وبعد أيام تم إعدامهم. كنت أتواصل معه عبر الهاتف طوال مدة الحصار، وكان يحدثني كثيراً كيف يتقاسم الجنود المحاصرون رغيف الخبز، وكيف أكلوا ورق الشجر ونباتات أخرى، مستخدمين السيروم الملحي للطبخ والسكري للشاي، يكفيهم أنهم صمدوا وكانوا يرددون جميعاً «نحن بدنا ننتصر».
وتعلّق الوالدة على الصورة التي انتشرت للشهيد على مواقع التواصل الاجتماعي قبيل استشهاده حين أعدمه الإرهابيون بعد أسره: بنيان بنظرته إلى الأرض كان يحاكي السماء، عندما وجهت له البنادق من الخلف، أغمض عينيه ولم يرفّ له جفن.. واستقبل الشهادة بروح مطمئنة وقلب لا يعرف الخوف. هذا هو ابني الذي ربيته على تقديس تراب الوطن.
وتختتم أم بنيان بالقول: حلمي ومشروعي الخاص اليوم إقامة حديقة باسم بنيان مزروعة بالسنديان والرياحين وكل أنواع الأشجار، وعلى كل شجرة نكتب اسم شهيد ويوم استشهاده، وبعيد ميلاد كل واحد منهم نحتفل كتذكير للأجيال القادمة حتى لا تنسى بطولاتهم، وسأقضي ما تبقى من عمري في هذه الحديقة «حديقة الشهداء».
في عيد الأم كتب بنيان لأمه التي لم يرها منذ ثلاث سنوات: «أمي الحبيبة.. أكتب إليك هذه الرسالة وقلبي يعتصر حزناً لبعدي عنك وجسدي يرتعش لفراقك.. ولكن الظروف أجبرتني، لا تظني أنه إذا ازدادت المسافات أو إذا اشتد عودي ونمت ذقني وقست ملامحي أني قد أتغير.. لا يا أمي.. فأنا ما زلت ذلك الطفل.. الذي كان يشمّ ثيابك. ويشهق من البكاء لفراقك.
لا تحزني.. فأنا قويت من حليبك وكبرت من كبريائك وصمدت من صبرك لكي أقف شامخاً على حمى بلادي وأرفع راية وطني براقة في الأعالي كي يظل الأبناء مع أمهاتهم.. فسامحيني، أتمنى أن تظلي كما عهدتك مبعث التفاؤل وألا تذرفي الدموع».
 بانوراما طرطوس-جهينة 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات