بعد سبات عميق لأكثر من 3 أعوام.. هيئة المنافسة ومنع الاحتكار ما بين الأقوال والأفعال! 

في بداية الشهر الجاري حظيت هيئة المنافسة ومنع الاحتكار باجتماع موسع في رئاسة مجلس الوزراء، حيث ناقشت لجنة رسم السياسات والبرامج الاقتصادية – كما أُعلن – استراتيجية تطوير عمل الهيئة العامة للمنافسة ومنع الاحتكار في إعداد الأبحاث والدراسات التحليلية الضرورية لضبط عمليات التركز الاقتصادي ومراقبتها، ورصد قطاعات الأسواق الرئيسية، وتحديد مواطن الاحتكار فيها بما يسهم في اتخاذ القرارات اللازمة لتوفير السلع الأساسية للمواطنين، وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، وضمان نزاهة المعاملات التجارية ومنع الاحتكار في مختلف القطاعات الاقتصادية… إلخ.

والسؤال: هل سنشهد تحولاً جذرياً في ماهية الهيئة ودورها ومسؤولياتها..؟ وما طبيعة هذا التحول..؟ وهل سيقتصر على الجانب النظري الدراسي والاستشاري، أم سيعاد لها دورها العملاني على أرض الواقع في مراقبة الأسواق، وضبط ومكافحة المخالفات والاختلالات الاقتصادية والتجارية وغيرها التي تحصل..؟

أسئلة نعتقدها في غاية الحساسية، وخاصة بعد أكثر من ثلاثة أعوام على بقاء الهيئة بعيداً عما يجري وفي حالة من الغياب والتغيب، إذ لم نرصد لها “لا حساً ولا خبراً..!”.

لا يدلل..!

في ضوء ذلك، يمكننا القول: إن ما طرح في ذلك الاجتماع المؤرخ بتاريخ الخامس من الشهر الجاري، لا يدلل على أن هناك قراراً صريحاً لتكون الهيئة التي عهدناها وفقاً لقانونها الذي لا يختلف في مضامينه وأهدافه العامة عن أية هيئة منافسة ومنع احتكار في أي دولة، بل وجدنا أن هناك توجهاً ملموساً لتكون الهيئة بمثابة مركز دراسات ومرصد لا أكثر ولا أقل، وهذا ما كان كشفه لنا مصدر حكومي سابق..! ولعل ما يؤكد هذا التوجه، ما كان سبق وهو تغيير في تبعية الهيئة من رئاسة مجلس الوزراء إلى وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، حيث كان المقترح (وهناك كتاب رسمي بذلك)، أن تكون مديرية من مديرياتها، مديرية معنية بالدراسات فقط..!؟

ولو فصَّلنا فيما تم خلال الاجتماع الآنف الذكر، وما تم تكليف الهيئة به: “تطوير آليات عملها، والبدء بتقديم التقارير الدورية وأبحاث ودراسات الرصد الخاصة بالوضع التنافسي ضمن القطاعات الاقتصادية والخدمية ومقترحات تطوير عملها، وتحديد الممارسات المخلة بالمنافسة لاتخاذ القرارات اللازمة لمعالجتها، بحيث تشكل هذه البيانات مرجعية بحثية داعمة لمتخذي القرارات الاقتصادية”؛..لو فصلنا.. لوجدنا أن هناك قراراً واضحاً أن تكون الهيئة مجرد جهاز دراسي بحثي نظري (مرصد)، مهمته تقديم الدعم المعلوماتي لمتخذي القرار..! فهل هذا دورها، وهل من أجل هذا فقط أُنشئت..؟!

ماذا يُخبأ..؟!

ما سلف يعني إسقاط الجانب الرقابي – من يد الهيئة- على مجالات عديدة وواسعة، وضبط ما فيها من اختلالات في العلاقات التي تحكم المنافسة الحقيقية ومنع الاحتكار الحقيقي، وبالتالي تحويل هذا الجانب أو المهمة والدور.. ربما  لغير المؤسسة المعنية بذلك..!

إن تكليف الهيئة العامة للمنافسة ومنع الاحتكار، بدراسة تعديل قانون المنافسة ومنع الاحتكار رقم 7 لعام 2008، بما يتواءم مع متطلبات المرحلة القادمة، إضافة إلى طرح من أفكار ومقترحات لجهة تطوير عمل الهيئة مقدر رغم تكرراه والمطالبة به سابقاً ومن قبل الهيئة نفسها، لكننا نلفت إلى الأكثر أهمية وهو الخلوص إلى النتائج المرجوة، إذ قد يتفاجأ الكثيرون أن قانون المنافسة ومنع الاحتكار هو بمثابة قانون ضابط للدولة بكل مفاصلها الإدارية والمالية والاقتصادية..، العامة والخاصة..، وعليه فالرهان على حسن وفاعلية تطبيقه وما يراد من تعديل له وحقيقة هذا التعديل وهدفه..، هو الاختبار الحقيقي والكبير والصعب أيضاً للحكومة الحالية التي تأخرت فيه كثيراً، بعد أن فشلت حكومات سابقة فيه..!

لا يعلمه الكثيرون..!؟

هنا لعل من الضروري التذكير، بما كان صرح به المدير العام السابق للهيئة الدكتور أنور علي خلال محاضرة قدمها ضمن فعاليات جمعية العلوم الاقتصادية، في قاعة مديرية ثقافة دمشق بأبي رمانة، في الشهر العاشر من العام 2019، حيث حمَّل مسؤولية ما يجري في سورية من فساد وفقر وبطالة ومشاكل سعر الصرف وانخفاض القدرة الشرائية لليرة، وحالات التردي الإداري، وعدم وجود الرجل المناسب في المكان المناسب، وانخفاض مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار وتردي الخدمات وتراجع الإبداع وعدم تحفيزه، وسوء الأداء في الصناعة والتجارة والتربية والتعليم، وضحالة العمل في البنوك العامة والخاصة، وارتفاع الأقساط في الجامعات والمدارس الخاصة، وكذلك أزمات الخبز والنقل والنفط والغاز، ومختلف المعاناة في المجالات الاقتصادية والخدمية.. كلها حمّلها بالنهاية إلى عدم تطبيق قانون المنافسة ومنع الاحتكار، الذي من شأنه القضاء على هذه المشاكل مجتمعة في حال حسن تنفيذه..!

ما أشبه اليوم بالأمس..!

ما أشبه اليوم بالأمس، حين نتذكر ما كشفه علي حين أشار إلى أنّ المنافسة يحققها قانون العرض والطلب، معتبراً أن اللاعبين في السوق السوري، أو حتى في الاقتصاد السوري جاءتهم هذه الأزمة كفرصة كبيرة باعتبار أن هناك مقاطعة وعدم تحويل أموال، وشحّاً في الأموال عند الدولة، فانتهز البعض هذه الحالة وانفردوا ببعض المواد الأساسية في السوق السوري، منتهجين نوعاً من الاحتكار( من ضمن مجموعة أنواع) وهو احتكار القلّة، فقد يسيطر شخص أو شخصان على مادة الأرز، وغيرهما على السكر، وآخران على الشاي، ومثيلهما على الموبايلات.. والعدد نفسه أيضاً على الدخّان.. وهكذا، فإن قام هؤلاء بطرح موادهم في السوق بشكلٍ حر فلا بأس، أما أن يقوموا بالتحكّم بهذه المواد وتحديد الكميات التي ستُطرح منها وبما يقل عن حاجة السوق، وتحديد أسعارها بشكل يزيد عن السعر الحقيقي فهذا ممنوع ومخالف لقانون المنافسة، والدولة قادرة على التدخّل والحد من هذا الواقع من خلال تطبيق قانون المنافسة ومنع الاحتكار، ولا نحتاج إلى شيء سوى إلى ذهنية تؤمن بالقانون وتعمل على تطبيقه.

هل هذا صعب..؟!

ما أشبه اليوم بالأمس، إذ لا تغير ولا تغيير، بل تفاقم للعديد من المشكلات وتوالدها، مع أن هناك قانوناً يعالج كل ما سبق ويضبطه ويجعلنا نتجاوزه ونحقق ما نصبوا إليه، إنه قانون “المنافسة ومنع الاحتكار” الذي لا يختص بشؤون الأسواق فقط (كما يعتقد الكثير منا للأسف )، وإنما يطال العديد من الجوانب على تنوعها، وتأثيره يشمل المجتمع كله، وفي حال تطبيقه سيتحقق لنا ما نصبو إليه من نهضة اقتصادية حقيقية..، تنقل الاقتصاد الوطني من حال إلى حال، ما يمكنه من المنافسة محلياً وعالمياً، حسب تأكيد خبراء مختصين في هذا الشأن..، فقط إذا ما تم تطبيقه..، هل هذا صعب..؟! لا..!

البعث

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات