تخطى إلى المحتوى

كيف يسهم المرسوم 69 في إعادة تشغيل المنشآت المتضررة وتحفيز الاستثمار؟

في قلب تحديات اقتصادية عميقة، تبدأ سوريا اليوم خطوات عملية لإعادة الحياة إلى منشآتها المتضررة، مع رسالة واضحة للمستثمرين والقطاع الخاص: التعافي ممكن، والفرص متاحة لإعادة النشاط والإنتاج.

وفي هذا الإطار، أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، المرسوم رقم 69 لعام 2026 القاضي بمنح إعفاءات ضريبية وجمركية للمنشآت التجارية والصناعية والسياحية التي تعرّضت لأضرار نتيجة العمليات العسكرية والأعمال التخريبية خلال الفترة من 15 آذار 2011 ولغاية 8 كانون الأول 2024.

ونصّت المادة الثانية من المرسوم على تشكيل لجنة أو أكثر في كل محافظة لتقدير الضرر، تضم ممثلين عن مديرية المالية (رئيساً)، ووزارات العدل والإدارة المحلية والبيئة والاقتصاد والصناعة، إضافة إلى ممثل عن نقابة المهندسين، وخبير تقييم يسميه وزير المالية.

وبموجب المادة الرابعة، يمنح الإعفاء من الضرائب والرسوم المالية وفق نسب الضرر المعتمدة، حيث يعفى أصحاب المنشآت التجارية لمدة عام واحد بنسب تتراوح بين 50 بالمئة و100 بالمئة بحسب حجم الدمار، فيما يستفيد أصحاب المنشآت الصناعية والسياحية من إعفاء يمتد من عامين إلى أربعة أعوام وبالنسب ذاتها بدءاً من العام الحالي.

ركيزتان أساسيتان

قال وزير المالية محمد يسر برنية، إن للمرسوم “انعكاسات كبيرة على تنشيط الحياة الاقتصادية، ودفع وتشجيع معاودة انخراط هذه المنشآت في التنمية الاقتصادية”، مشيراً إلى أن عدد المنشآت المدمرة يتجاوز 30 ألف منشأة، غالبيتها منشآت صناعية.

وأضاف: “يأتي المرسوم في إطار حزمة ومقاربة لا تقتصران على الإعفاءات الضريبية لأصحاب المنشآت لتشجيعهم على إعادة تشغيل منشآتهم بل يتزامن أيضاً مع مرسوم آخر بالغ الأهمية يتعلق بمعالجة الديون المتعثرة التي تثقل كاهل بعض أصحاب هذه المنشآت”.

وأوضح أنه “في سياق هذه المقاربة نعمل من خلال المصرف الصناعي على تقديم تسهيلات وخدمات تمويلية جديدة موجّهة للمنشآت المتضررة سنعلن عنها قريباً”.

وأكد أن هدف الدولة السورية هو الوقوف إلى جانب المتضررين، والمساهمة في تحمل جزء من الأعباء التي يواجهونها.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، أن المرسوم رقم (69) لعام 2026 يشكل خطوة لافتة في مسار التعامل مع التداعيات الاقتصادية العميقة التي شهدتها سوريا منذ عام 2011.

وأوضح رحال لصحيفة “الثورة السورية”، أن المرسوم، الذي ينص على تشكيل لجان لتقدير الأضرار ومنح إعفاءات ضريبية ورسوم للمنشآت المتضررة، يعكس توجهاً اقتصادياً وسياسياً نحو تحفيز التعافي وإعادة الإعمار.

وأشار إلى أن مضمون المرسوم يقوم على ركيزتين أساسيتين: تشكيل لجان لتقدير الضرر وفق معايير محددة، ما يضفي طابعاً مؤسسياً ومنهجياً على عملية تقييم الخسائر، ومنح إعفاءات ضريبية ورسوم للقطاعات التجارية والصناعية والسياحية بحسب نسبة الضرر، وهو ما يربط الدعم الحكومي بشكل مباشر بحجم الخسارة الفعلية.

وأضاف: “يشكل هذا الربط بين التقييم الفني والحوافز المالية خطوة ذكية وموفقة في تحقيق أكبر قدر من العدالة الاقتصادية والحد من العشوائية أو التقديرات غير الدقيقة التي قد تؤدي إلى هدر الموارد”.

الأهمية الاقتصادية

رأى رحال أن المرسوم يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يعاني الاقتصاد السوري من تحديات بنيوية ومركبة، أبرزها:

  • تراجع الإنتاج المحلي
  • ضعف القدرة الشرائية
  • تضرر البنية التحتية والمنشآت الإنتاجية
  • هروب جزء من رؤوس الأموال

واعتبر أن المرسوم يحمل رسائل اقتصادية مهمة، منها إعادة الثقة، أي عندما يشعر المستثمر أو صاحب المنشأة بأن الدولة تعترف بخسارته وتخفف عنه الأعباء، فإن ذلك يعزز ثقته في البيئة الاقتصادية ويحفز إعادة التشغيل. فالإعفاءات الضريبية تخفف من كلفة العودة إلى العمل، خاصة في القطاعات الصناعية والسياحية التي تحتاج إلى سيولة كبيرة، فضلاً عن تشجيع الاستثمار المحلي الذي قد يدفع بعض رؤوس الأموال المجمدة إلى إعادة الدخول في النشاط الاقتصادي.

وبالنسبة لأثره على إعادة الإعمار، أشار رحال إلى أنه لا يمكن فصل هذا المرسوم عن ملف إعادة الإعمار، وعده من الأدوات غير المباشرة. فبدلاً من الاعتماد فقط على التمويل الخارجي أو المشاريع الكبرى، يركز المرسوم على إحياء المنشآت القائمة كخطوة أولى أقل كلفة وأسرع أثراً، ودعم القطاع الخاص ليكون شريكاً رئيساً في عملية الإعمار، إضافة إلى توزيع الدعم بشكل أكثر عدالة عبر ربطه بنسبة الضرر. وبذلك يتحول التعافي من نموذج مركزي يعتمد على الدولة فقط إلى نموذج تشاركي يدمج القطاع الخاص بشكل فعّال.

تحديات محتملة

رغم أهمية المرسوم، يرى رحال أن نجاح المرسوم يعتمد على عوامل عدة، منها:

  • شفافية لجان التقدير: أي خلل أو فساد قد يفقد القرار مصداقيته.
  • سرعة التنفيذ: التأخير في التقدير أو منح الإعفاءات يقلل من جدواها.
  • وضوح المعايير: يجب أن تكون نسب الضرر محددة بدقة لتجنب النزاعات.
  • الاستدامة المالية: الإعفاءات تعني انخفاض الإيرادات العامة، ما يتطلب توازناً دقيقاً في المالية العامة.

وقد تبدو الإعفاءات الضريبية في ظاهرها خسارة لخزينة الدولة، لكنها في الواقع استثمار طويل الأجل. فإعادة تشغيل منشأة متوقفة تعني، بحسب رحال، عودة الإنتاج، وخلق فرص عمل، وزيادة الإيرادات مستقبلاً.

لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحقيق العدالة، كما يقول رحال: هل ستصل الإعفاءات إلى الأكثر تضرراً فعلاً؟ وهل ستستخدم كأداة تنموية لا كامتيازات انتقائية؟

وبذلك يشكل المرسوم رقم (69) اختباراً حقيقياً لقدرة السياسات الاقتصادية السورية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي. فالأرقام قد تكون كبيرة، لكن العدالة في توزيع الدعم هي الرقم الأصعب، وهي العامل الحاسم في نجاح أي خطة لإعادة الإعمار.

الثورة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك