د. جوليان بدور:
في زمن تطغى عليه الانانية والمصلحة الفردية وحب الذات يبدو الوفاء وكأنه زهرة نادرة تنمو بصمتٍ في حدائق قلوب الناس. ونتساءل أحيانًا: هل ما زال للوفاء والعرفان مكانٌ في زمنٍ أصبحت فيه العلاقات تُقاس بالمصلحة الآنية والمادي لا بعمق المشاعر؟
ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال، خصوصًا في عصرٍ طغت فيه الحسابات المادية والاقتصادية على القيم الإنسانية والأخلاقية. لكنني، ومن خلال تجربتي الطويلة في الحياة، ما زلت أؤمن بأن الوفاء والامتنان هما من أجمل ما يمنح الإنسان سلامه الداخلي، ويجعلان الحياة أكثر سعادة وهناء .
فالوفاء بالنسبة لي ليس فقط أن نتذكر الأشخاص الذين مرّوا في حياتنا وأحبّونا، بل أن نحافظ على أثرهم الجميل الذي تركوه فينا. أن يبقى الإنسان وفيًا لأهله، لأصدقائه القدامى، وللوطن الذي شهد طفولته الأولى، يعني أنه يرفض أن تتحول العلاقات إلى محطات عابرة أو مصالح مؤقتة. فالوفاء خيطٌ خفيّ يربط الإنسان بماضيه، ويمنحه شعورًا بالاستمرارية والسكينة، وكأن الأرواح التي أحبّها ما زالت ترافقه في الطريق.
أما العرفان والامتنان، فهما الضوء الذي يغيّر نظرتنا إلى العالم. فالإنسان الممتن لا يعيش أسير ما ينقصه، بل يرى جمال ما يملكه، مهما بدا بسيطًا. يدرك قيمة الصحة، ودفء العائلة، ورائحة الخبز الطازج، وكلمة الحب الصادقة. وهكذا يصبح الامتنان بلسمًا يخفف تعب الروح، لأن الجري المستمر خلف الطمع والمقارنة يرهق القلب، بينما يعيد العرفان الإنسان إلى توازنه الداخلي وطمأنينته.
ومنذ أن جئت إلى فرنسا عام 1981 لإكمال دراستي في الاقتصاد، بدأت رحلة طويلة بين عالمين؛ عالم الطفولة الذي حملته في قلبي من سورية، وعالم الحياة الجديدة في فرنسا، بلد الحرية والجمال والثقافة. لم يكن التأقلم سهلًا، فاللغة مختلفة، والعادات مختلفة، وحتى تفاصيل الحياة اليومية كانت بعيدة عمّا عرفته في بداياتي.
لكنني، حين أدركت أن فرنسا ستصبح موطني الثاني، قررت أن أندمج في هذا المجتمع بكل احترام ومحبة، دون أن أتخلى عن القيم التي تربيت عليها. غيّرت اسمي من وحيد بدور إلى جوليان بدور بإرادتي، لتسهيل اندماجي وإيجاد فرصة للعمل، وبعد سنوات من التعب والاجتهاد وصلت إلى الجزيرة الجميلة التي أعيش فيها اليوم.
ورغم اندماجي الكامل في الحياة الفرنسية واحترامي لقوانينها وثقافتها، بقي داخلي ذلك الطفل السوري الذي تربّى على التواضع والتسامح وحب الناس. فما زلت أؤمن أن السعادة الحقيقية تكمن في أن تمنح الآخرين الفرح دون انتظار مقابل، وأن تزرع ابتسامة صغيرة على وجوه من حولك.
وما زالت هناك طقوس صغيرة أعيشها يوميًا، تشدّني بحنان إلى جذوري الأولى.
فعندما أستحم، أستخدم صابون الغار السوري الذي يحمل في رائحته ذاكرة البيوت القديمة، واستخدم الفاروكة البيضاء بدل الغان وأجلس على مقعد صغير كما اعتدنا في طفولتنا بدل الاستحمام بالبانيو المجود بالمنزل ، وكأن الماء لا يغسل الجسد فقط، بل يعيد إليّ شيئًا من دفء الماضي.
وفي مطبخي، ما زالت رائحة البرغل والباذنجان والكوسا والبصل والثوم وزيت الزيتون تملأ المساء. تخليت منذ زمن عن الوجبات السريعة المليئة بالهرمونات ، واخترت الطعام القروي البسيط . كل مساء أعدّ الطعام لعائلتي بمحبة، وكأن الطبخ عندي فعل امتنان للحياة أكثر منه مجرد عادة يومية.
أما حديقتي، فهي قطعة صغيرة من سورية زرعتها هنا في فرنسا. فيها توتة تتدلّى فوقها دالية عنب، وياسمين يفوح بعطر الذكريات، وورود جورية تهمس كل صباح بأن الجمال الحقيقي لا وطن له.
في كل صباح أعد القهوة في مكتبي بالجامعة. فبدل من احتساء القهوة بمفردي أتقاسمها مع صديقين بأتون كل صباح.
ومن بين أجمل العادات التي ورثتها عن أهلي تربية الدجاج. لدي خمس دجاجات بيّاضة، لا أعتبرها مجرد طيور، بل كائنات أليفة تشاركني يومياتي. أحيانًا أحدثها وكأنها تفهمني، وحين أطلب منها الابتعاد عن الخضار، تبتعد بسرعة وكأن بيننا لغة سرية من الألفة والمحبة.
ربما أكثر ما يميز تجربتي في الحياة هو أنني استطعت أن أعيش بين ثقافتين دون أن أخسر روحي. أحببت فرنسا واحترمت حضارتها، وفي الوقت نفسه حافظت على القيم التي جئت بها من الشرق؛ قيم الكرم والتسامح والاحترام والمحبة وتمنّي الخير للجميع.
وهكذا أدركت، بعد سنوات طويلة من الغربة والتجربة، أن الإنسان لا يصبح أجمل بما يملك، بل بما يحتفظ به في قلبه من وفاء وعرفان ومحبة.









