تخطى إلى المحتوى

البنية التحتية مفتاح عودة السوريين.. هل يستجيب المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات؟

البنية التحتية مفتاح عودة السوريين.. هل يستجيب المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات؟

أسماء الفريح:

جاء في تقرير للبنك الدولي صدر في تشرين الأول عام 2025 تحت عنوان: “تقييم الأضرار المادية وإعادة الإعمار في سوريا (2011-2024)” أن البنية التحتية كانت الأكثر تضرراً، إذ شكلت نحو 48 بالمئة من إجمالي الأضرار، بقيمة بلغت 52 مليار دولار، فيما تبلغ تكاليف إعادة إعمارها تقديرياً 82 مليار دولار.

ونقل التقرير عن مدير قسم الشرق الأوسط في البنك الدولي، جان كريستوف كاريه، قوله: إن التحديات المقبلة هائلة، وإن “الالتزام الجماعي والعمل المنسق أساسيان لمساعدة سوريا في مسارها نحو تنمية طويلة الأجل”.

وتعقيباً على التقرير، دعا وزير المالية محمد يسر برنية “المجتمع الدولي إلى حشد الدعم وعقد الشراكات مع سوريا من أجل استعادة خدمات البنية التحتية الأساسية، وإنعاش المجتمعات المحلية، وإرساء الأساس لمستقبل أكثر قدرة على الصمود لشعبها”، وخاصة أن التقرير بين حجم الدمار الهائل وتكاليف إعادة الإعمار.

وتؤكد الباحثة الاجتماعية غدران نجم، في حديثها لصحيفة “الثورة السورية”، أن عودة اللاجئين من دون خدمات أساسية تعد عودة هشة، فالتماسك المجتمعي يبدأ عندما يجد الطفل مقعداً في مدرسة، وتجد الأسرة ماء نظيفاً، وخدمة صحية، ومصدر رزق كريماً.

ويعد إعمار البنية التحتية المدمرة في سوريا شرطاً أساسياً لعودة السكان النازحين والمهجرين على السواء، فتقديم الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء، وتأمين شبكات الصرف الصحي، وفتح الطرق، وإعادة بناء المنشآت التعليمية والطبية وغيرها أو تأهيلها، خطوات مهمة لعودة الحياة الطبيعية وتحقيق الاستقرار المستدام.

ومع إعلان المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، في ختام زيارته إلى سوريا الأسبوع الماضي، عودة أكثر من ثلاثة ملايين سوري من الخارج أو من مناطق أخرى داخل البلاد منذ كانون الأول 2024، قال إن البلاد تقف عند منعطف تاريخي.

وأضاف أن “التعافي بهذا الحجم مهمة هائلة، لا تستطيع سوريا إنجازها بمفردها، ويتعين على المجتمع الدولي أن يتحرك، وبسرعة”، مطالباً الحكومات والشركاء في مجال التنمية والتمويل بالعمل على ترجمة الزخم المتعلق بعودة السوريين إلى دعم ملموس لجهود التعافي، وسبل العيش، والبنية التحتية، والخدمات الأساسية، مع مواصلة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية الكبيرة.

وقام المفوض السامي بزيارة إلى محافظات دمشق وحلب وإدلب، والتقى مسؤولين حكوميين وممثلين عن المجتمعات المحلية وعائلات مهجرة. ووفق ما ذكر مدير مديرية التعاون الدولي في محافظة إدلب عبد القادر اليوسف، فإن صالح بحث مع وكالات الأمم المتحدة المنفذة لبرامج الدعم في مدينة معرة النعمان سبل تحسين الخدمات الأساسية لدعم استقرار العائلات العائدة.

وأضاف أن الزيارة ركزت على أهمية ربط الدعم الإنساني ببرامج التعافي المستدام، وخاصة في الخدمات الأساسية التي تعتبر حجر الأساس لعودة آمنة وكريمة للأهالي إلى المدينة، وعلى واقع الخدمات المقدمة من قبل المنظمات التي تدعمها المفوضية.

من مفهوم العودة إلى استدامتها

في مقابلة صحفية نشرت الأحد 16 آب الجاري، أكدت نائبة رئيس البعثة الأممية لشؤون اللاجئين عسير المضاعين أن ما يمنع عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم ليس الظروف السياسية أو الأمنية، بل الظروف المعيشية والبنية التحتية، مشيرة إلى ضرورة تقديم دعم دولي جاد ومباشر لإعادة إعمار البنية التحتية.

وأشارت إلى أنه ليس هناك أي توجه لدى الأمم المتحدة نحو التقليل من الدعم المقدم لسوريا.

وفي إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن الوضع الإنساني في سوريا في تموز الماضي، ذكرت مديرة قسم العمليات والدعوة في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، إيديم ووسورنو، أن عودة السوريين إلى بلادهم ومناطق سكنهم الأصلية تشكل بداية الطريق لا نهايته، مؤكدة أهمية تأمين الخدمات الأساسية للعائلات بما يساعدها على الاستقرار في ديارها.

وبينت أن الحصول على الخدمات الأساسية، كالمياه والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية، يمثل أحد العوائق الرئيسة أمام العودة، بالإضافة إلى أمور أخرى مثل حقوق السكن والأراضي والملكية، وإزالة الأنقاض، والوثائق المدنية، وفرص العمل.

وقدمت ووسورنو ثلاثة مطالب رئيسة لمجلس الأمن بهذا الخصوص، وهي الاستثمار في أركان التعافي والبنية التحتية المحلية وسبل العيش، وتعزيز عوامل الاستقرار مع حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتوفير تمويل إنساني مستدام ومتوقع لضمان استمرار المساعدات.

كما أكد المفوض السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح، في تصريح له في شباط الماضي، بعد زيارته إلى تركيا التي سجلت عودة أكثر من 600 ألف لاجئ سوري منها منذ سقوط النظام المخلوع، أن “الاحتياجات داخل سوريا لا تزال هائلة للغاية، ولضمان استدامة العودة، فإن زيادة الدعم الدولي لجهود التعافي، بما يشمل المدارس والمستشفيات والمساكن والخدمات الأساسية، أمر بالغ الأهمية”. وأشار أيضا إلى أن استمرار الدعم لمن بقوا في تركيا يعد مسألة حيوية.

ويقول الباحث والمحلل السياسي علاء الخطيب، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إن ربط استدامة عودة اللاجئين السوريين ببدء إعادة تأهيل البنية التحتية، وخاصة المدارس والمرافق الصحية وشبكات الطاقة والمواصلات، يمثل قراءة واقعية للحاجة الميدانية. ويرى أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهوناً بوجود خارطة طريق وطنية شاملة واستراتيجية توازن بين التلبية الفورية للاحتياجات الملحة وضمان الأهداف الاستثمارية والتنموية طويلة المدى، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات وفق الاستجابة الطارئة.

بدورها، تبين الباحثة الاجتماعية نجم أنه لا بد من الانتقال من مفهوم العودة إلى استدامتها، وهذا يتطلب بالضرورة تمكين الأسر اقتصادياً واجتماعياً، وتأمين الدعم المباشر لأفراد المجتمع عبر المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر التي تعيد لرب الأسرة فاعليته ودوره الإنتاجي، وتعزز كرامة الفرد، وتقلل من الاعتماد الكلي على المساعدات الإغاثية المؤقتة، لينتقل المجتمع تدريجياً إلى مرحلة التعافي المبكر والتمكين.

وضمن هذا الإطار، فإن استجابة المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات ليست مجرد التزام إنساني وأخلاقي بقدر ما هي ضرورة للحد من الآثار الممتدة للأزمات، سواء فيما يخص التمويل الموجه لبناء المدارس، أو تأهيل شبكات المياه، أو توفير وسائل النقل.

وتشير إلى أن هذه الخدمات تمثل الحد الأدنى لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفر مقومات الحياة الكريمة التي تضمن عدم اضطرار السكان إلى الهجرة أو النزوح مرة أخرى.

هل يواكب التمويل الدولي حجم الاحتياجات؟

ذكرت نائبة رئيس البعثة الأممية لشؤون اللاجئين أن المنظمات الأممية تقدم مساعدات متعددة لدعم المناطق التي سجلت عودة كبيرة للسوريين، مشيرة في هذا الخصوص إلى أن محافظات إدلب وحلب وريف دمشق ودمشق وحمص شهدت أكبر حركة عودة.

وأظهرت أحدث بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الصادرة في الثاني عشر من آب الجاري، عودة نحو 1.72 مليون سوري إلى بلادهم، ورصدت تمركز أعداد العائدين بشكل رئيسي في دمشق وإدلب وحلب وريف دمشق وحمص وحماة ودرعا.

كما سجلت البيانات عودة نحو 1.97 مليون نازح داخلياً إلى مناطقهم، ما يعكس اتساع حركة العودة داخل البلاد.

وأشارت المفوضية إلى أن دعم العائدين يركز على إعادة الإدماج، بما يساعد الأسر على الانتقال من مرحلة العودة إلى استعادة قدرتها على الاعتماد على نفسها وبناء حياة مستقرة.

وفي إطار تمويل مشاريع البنية التحتية الأساسية، وتوجيهها نحو المناطق التي تشهد أكبر موجات العودة نظراً لزيادة الضغط على خدماتها، تركزت مباحثات محافظ إدلب محمد عبد الرحمن مع المفوض السامي لشؤون اللاجئين، خلال زيارته إلى المحافظة، حول سبل تعزيز التعاون المشترك لدعم المشروعات الخدمية والإنسانية التي تسهم في تحسين ظروف العائلات المقيمة في مراكز الإيواء والمخيمات، وتأمين متطلبات عودتهم الطوعية الكريمة.

فيما بين مدير منطقة معرة النعمان كفاح جعفر أن المنطقة استقبلت آلاف العائلات العائدة خلال الأشهر الماضية، وهي بحاجة إلى تكثيف الدعم في مجالات البنية التحتية والمياه والكهرباء والصحة والواقع التعليمي.

وبعد صدور المرسوم الرئاسي رقم “59” لعام 2026 في آذار الماضي، والقاضي بتشكيل لجنة برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، مهمتها العمل على تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي إليها، كشفت وزارة الطوارئ عن وجود 682 مشروعاً جاهزاً للتمويل لتأهيل البنية التحتية ودعم عودة النازحين.

وقال معاون وزير الطوارئ وإدارة الكوارث أحمد اقزيز، في مقابلة صحفية منتصف الشهر الجاري، إن الوزارة تعمل على تنفيذ حزمة من المشاريع الهادفة إلى تأهيل البنية التحتية في مناطق عودة النازحين، مؤكداً أن البنية التحتية تمثل العصب الأساسي والعمود الفقري لخلق بيئة مواتية للعودة.

وتتضمن المشاريع تأهيل المدارس والمستشفيات والمستوصفات والأفران وشبكات الصرف الصحي والبلديات وسائر الخدمات الأساسية، إلى جانب ترميم المنازل وتوفير فرص العمل.

وأوضح أن العمل يتركز على تأهيل البنية التحتية وتوفير مقومات الاستقرار في مناطق الأصل، لافتاً إلى إجراء مسوحات دقيقة لأعداد النازحين وتحديد المناطق ذات الأولوية.

كما أشار إلى أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية، لتحقيق التكامل في المشاريع وتجنب الازدواجية، حيث يشمل التعاون مجالات توفير فرص العمل، والتماسك المجتمعي، وترميم المنازل، ودعم نقل النازحين من المخيمات إلى مناطقهم الأصلية.

ويقول الباحث الخطيب إن وضوح الرؤية الاستراتيجية الوطنية، بغض النظر عن التعقيدات السياسية والإقليمية، هو الشفرة الأساسية لبناء الثقة وتشجيع المجتمع الدولي والمستثمرين على تقديم الدعم وتوجيه رؤوس الأموال بشكل ملموس.

ويرى أن هذا المسار يتطلب جهداً وطنياً أولاً، متبوعاً بمساعدة دولية موجهة ومنسقة تتجاوز العقبات السياسية والتقنية التي تعطل غالباً عمل المنظمات الدولية.

بدورها، تذكر الباحثة الاجتماعية نجم أن تركيز العودة في محافظات محددة مثل دمشق وحلب وإدلب وريف دمشق وحمص، من دون توفير بنية تحتية متكافئة، يخلق ضغطاً هائلاً على الموارد المحدودة، من المياه والكهرباء والخدمات الصحية والمواصلات وغيرها.

واجتماعياً، يتسبب هذا الضغط في رفع مستوى التوتر والإنهاك النفسي لدى الأسر المضيفة والعائدة على حد سواء، ما قد يضعف التماسك المجتمعي، ويخلق منافسة على الخدمات الأساسية إن لم يدعم المجتمع ككل، كما توضح الباحثة نجم.

المدارس: شرط للعودة والاستقرار

تقديراً لجهوده التي انصبت على دعم إعادة تأهيل المدارس المتضررة في سوريا وتمكين الأطفال من حقهم في التعليم، كرمت محافظة ريف دمشق في حزيران الماضي الشاب السوري علاء سامي عكاشة، الذي قطع آلاف الكيلومترات على دراجته الهوائية عبر عدد من الدول الأوروبية لتسليط الضوء على هذه القضية المهمة.

ومن خلال رحلته التي استمرت 66 يوماً، قام عكاشة بتوزيع منشورات تعريفية حول واقع المدارس المتضررة واحتياجاتها، وجمع التبرعات لدعم تعليم الأطفال.

ولأنه لا عودة للعائلات النازحة أو المهجرة من دون وجود مدارس يتمكن الأطفال فيها من تلقي تعليمهم، فإن عملية إعادة تأهيل المدارس المتضررة تمثل ركيزة أساسية لإنقاذ المستقبل التعليمي لأعداد كبيرة من الأطفال، والحد من التسرب المدرسي، ودعم الاستقرار المجتمعي عبر عودة المهجرين إلى مناطقهم الأصلية من خلال إعمار قطاعات البنية التحتية الأساسية.

وأشارت المسؤولة الأممية عسير المضاعين إلى تعرض أكثر من 7 آلاف مدرسة في سوريا للدمار، وهي بحاجة إلى إعادة تأهيل، مبينة أن حجم الاحتياجات في سوريا كبير مقارنة بحجم المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية.

وأعادت وزارة التربية والتعليم تأهيل 1285 مدرسة منذ بداية العام الجاري 2026، وفقاً لمعاون وزير التربية والتعليم يوسف عنان، فيما تمكنت العام الماضي من إنهاء أعمال ترميم شاملة لـ2017 مدرسة، وذلك في إطار خطة وطنية لإعادة تأهيل القطاع التربوي في مختلف المحافظات.

وخلال مشاركة سوريا في أعمال المؤتمر العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “الإيسيسكو”، الذي انعقد في مدينة قازان بجمهورية تتارستان في أيار الماضي، أكد الأمين العام للجنة الوطنية السورية للتربية والعلوم والثقافة عبد الكريم القادري أن الاستثمار في التعليم يمثل ركيزة أساسية في مرحلة التعافي وإعادة البناء.

وأشاد القادري بجهود “الإيسيسكو” في التوصل إلى اتفاقية شراكة استراتيجية ثلاثية بين المنظمة وأذربيجان وسوريا، والهادفة إلى إعادة تأهيل 100 مدرسة متضررة في سوريا، إضافة إلى تدريب كوادرها التعليمية وتأهيلها.

وبحسب الباحث الخطيب، فإن قطاعي التعليم والصحة يمثلان أولوية سيادية وإنسانية لا تحتمل التأجيل، ويتوجب أن يظلا ضمن نطاق مسؤوليات القطاع العام والدولة لضمان وصول الخدمات إلى جميع السوريين بأفضل الظروف المتاحة.

من جانبها، تقول الباحثة الاجتماعية نجم إن التعليم هو مدخل للاستقرار الأسري والمجتمعي أيضاً، موضحة أن ما ذكرته المسؤولة الأممية عن وجود أكثر من 7 آلاف مدرسة متضررة يمثل تهديداً مباشراً لاستقرار الأسرة السورية، وخاصة أن المدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مساحة للحماية الاجتماعية والنفسية للأطفال، توفر لهم الشعور بالروتين والأمان بعد أزمات النزوح والحروب.

كما أن غياب المدارس يعني ارتفاع معدلات التسرب المدرسي، وزيادة خطر عمالة الأطفال والزواج المبكر، وهو ما يعيد إنتاج الدائرة المفرغة للفقر والهشاشة الاجتماعية، تضيف الباحثة نجم.

ويؤكد الباحث والمحلل السياسي علاء الخطيب، في ختام حديثه، أن صون ملكية الدولة للبنى التحتية الخدمية والأساسية هو الضامن الوحيد لإيجاد بيئة صحية ومستقرة تكفل من خلالها مساهمة المواطن الفاعلة، وتجعل من الدعم الدولي أداة حقيقية للتنمية والاستقرار، بدلاً من كونه مجرد حلول مؤقتة.

الثورة السورية

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك