مع انتهاء مهلة الـ45 يوماً المخصصة لمراجعة الكونغرس الأميركي قرار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب (SST)، يوم السبت الثاني والعشرين من آب الجاري، تكتمل المرحلة القانونية المخصصة لذلك، وهو ما يعني عملياً إزالة أحد أهم العوائق الإجرائية أمام استكمال شطب اسم سوريا من القائمة.وذكر مستشار الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية والمغتربين جهاد مقدسي، في منشور له على منصة “إكس”، أنه من الناحية القانونية، لا يعني انتهاء المهلة زوال التصنيف “تلقائياً” في اللحظة نفسها، وإنما يتيح للإدارة الأميركية الانتقال إلى الخطوة التنفيذية النهائية واستكمال الإجراء الرسمي.
ويعتبر القرار ساري المفعول إذا خلت مدة المراجعة الإلزامية من أي اعتراض من قبل أعضاء الكونغرس، وفق المراحل التي تمر بها إجراءات الشطب، إلى جانب تقديم الرئيس الأميركي إقراراً إلى الكونغرس بعدم تقديم الحكومة المصنفة “أي دعم للإرهاب الدولي” خلال الأشهر الستة السابقة، مرفقاً بتأكيدات على عزمها عدم القيام بذلك مستقبلاً، إضافة إلى حدوث تغيير جوهري في قيادة الحكومة المصنفة وسياساتها.
وأشار بيان سابق للشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن إلغاء التصنيف الحالي لا يمثل أول إجراء لرفع العقوبات، وإنما يزيل طبقة قانونية مستقلة ظلت قائمة بعد انتهاء برنامج العقوبات الشامل، وكانت تفرض قيوداً مؤسسية وقضائية وسياسية خاصة بها.
رفع التصنيف وإعادة دمج سوريا اقتصادياً
بحسب مقدسي، فإن أهمية مرحلة رفع التصنيف لا تقتصر على الجانب السياسي أو الرمزي، ولا سيما أنها تزيل مجموعة من القيود المرتبطة به، وتعطي إشارة إيجابية للمؤسسات المالية العالمية والشركات والدول بأن المسار القانوني تجاه سوريا يتجه نحو مزيد من الانفتاح والتطبيع.
ويبين أن ذلك سينعكس تدريجياً على حركة الاستثمار والتجارة والتعاملات المصرفية، مشيراً إلى أنه سيتم في المرحلة القادمة استكمال الإجراءات التنفيذية، ثم البناء على هذه الخطوة تمهيداً لفتح المجال بصورة أوسع أمام عودة سوريا إلى علاقاتها الاقتصادية والسياسية الطبيعية.
وحول ذلك، يقول المحلل السياسي أحمد رمضان، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”: إن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل نقطة تحول نوعية في مسار إعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام الاقتصادي الدولي، لأنه يزيل واحداً من أكثر العوائق القانونية والسياسية حساسية أمام التعامل مع سوريا.
ويضيف أنه مع دخول القرار حيز التنفيذ بعد استكمال الإجراءات الأميركية، ستتغير نظرة المؤسسات المالية والمصارف والشركات الدولية إلى مستوى المخاطر القانونية المرتبطة بالتعامل مع سوريا.
والأهمية هنا لا تقتصر على إزالة قيد قانوني محدد، وإنما تكمن أيضاً في الأثر النفسي والمؤسسي للقرار، فالمستثمر الدولي لا ينظر فقط إلى وجود حظر قانوني مباشر، وإنما يأخذ في الاعتبار أيضاً مخاطر الامتثال المصرفي، والعقوبات الثانوية، وإمكانية تعرض المصارف والشركات للمساءلة عند التعامل مع دولة مصنفة راعية للإرهاب.
ولذلك، فإن إزالة هذا التصنيف يمكن أن تساعد تدريجياً في خفض ما يسمى بـ”مخاطر الامتثال”، وتعيد فتح قنوات كانت مغلقة أو شديدة التعقيد.
ويتابع أن بإمكان هذا التطور أن ينعكس على عدة مستويات: أولها تسهيل العلاقات المصرفية والتحويلات المالية، وثانيها تشجيع الشركات الدولية والإقليمية على دراسة السوق السورية بصورة أكثر جدية، وثالثها تحسين قدرة سوريا على جذب التمويل والاستثمار اللازمين لإعادة تأهيل البنية التحتية، والإنتاج بأنواعه، والخدمات اللازمة.
ونبه إلى ضرورة عدم تقديم القرار باعتباره حلاً فورياً لجميع القيود الاقتصادية، فالتصنيف المرتبط بالإرهاب مسار قانوني مستقل عن بقية أنظمة العقوبات والقيود الأميركية والدولية، وبالتالي فإن إعادة الاندماج الكامل تحتاج إلى استكمال خطوات أخرى تتعلق بالنظام المصرفي، والتمويل الدولي، والضمانات الاستثمارية، والتجارة، والعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية. وهذا التمييز مهم حتى لا تتحول التوقعات الإيجابية إلى توقعات مبالغ فيها.
وبالتالي، يمكن القول: إن رفع التصنيف لا يعني أن الاقتصاد السوري سينتقل فوراً إلى مرحلة التعافي الكامل، وإنما ينقل سوريا من مرحلة العزلة القانونية والمالية إلى مرحلة أكثر قابلية للاندماج والانفتاح، ويمنح المستثمرين والمؤسسات الدولية إشارة سياسية وقانونية قوية إلى أن البيئة المحيطة بالاقتصاد السوري تتجه نحو التطبيع الإيجابي.
من جانبه، يشير الخبير المصرفي والمالي الدكتور فراس شعبو، في حديث مماثل لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن مجرد رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يعد مؤشراً إيجابياً للدول والشركات والمستثمرين، وحتى للمؤسسات الدولية التي لم تكن تتعامل مع البلاد بسبب المخاطر القانونية والتنظيمية، ومخاطر السمعة أمام المؤسسات الأميركية والدولية.
فهذا الرفع يعطي عامل ثقة للمؤسسات السورية والدولة السورية والمصارف السورية، حيث بات بإمكان كل الدول التعامل معها.
ودعا شعبو إلى التحلي بقدر أكبر من الواقعية، فصحيح أنه ستتم إزالة العوائق القانونية مع رفع التصنيف، وهذا لا يعني عودة سريعة إلى ما كانت عليه الأمور في السابق، إذ توجد ضرورة لإجراء مراجعة داخلية من قبل المصارف والمؤسسات المالية، ومعرفة مدى قدرة سوريا على الامتثال للمعايير الدولية في مجال مكافحة الإرهاب وغسل الأموال وحماية الملكيات، مؤكداً ضرورة إعادة هيكلة المصارف بسرعة كبيرة.
وكانت محادثات وزير المالية محمد يسر برنية مع جوناثان بورك، مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون تمويل الإرهاب والجرائم المالية، في التاسع من الشهر الجاري، قد تطرقت إلى الإجراءات المزمع اتخاذها عقب رفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا، ولا سيما المتعلقة بقرار شطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتوسيع فرص التعاون مع الهيئات والمؤسسات المالية الأميركية.
كما بحث الجانبان، عبر تقنية الاتصال المرئي، التقدم المحرز في عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي، والخطوات اللازمة لتسهيل اندماجها مجدداً في المنظومة المالية الدولية.
وأشاد الوزير برنية بتعاون وزارة الخزانة الأميركية ودورها في دعم تعافي الاقتصاد السوري، مبيناً أهمية مواصلة هذا التعاون بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وإعادة دمج سوريا في الاقتصاد والنظام المالي العالمي.
وبعد إعلان الإدارة الأميركية عزمها إلغاء تصنيف سوريا من “قائمة الدول الراعية للإرهاب” في الثامن من تموز الماضي، قال برنية: إن هذا القرار يفتح صفحة جديدة أمام الاقتصاد السوري، ويهيئ الطريق لتعزيز الاستثمار، وتسريع التعافي الاقتصادي، وإعادة اندماج سوريا في الاقتصاد العالمي.
كما أشاد حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان بهذه الخطوة، باعتبارها تمثل رسالة إيجابية للشعب السوري وللمجتمع الاقتصادي الدولي، قائلاً: إنها بداية تفتح آفاقاً أوسع للاستثمار والتعافي الاقتصادي، وإعادة اندماج سوريا في الاقتصاد العالمي.
الأثر السياسي المباشر والتداعيات الاقتصادية طويلة الأمد
“القيمة الحقيقية لأي نجاح دبلوماسي تبقى في أثره المباشر على حياة الناس، وهو ما ينسجم تماماً مع توجه وحرص الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، على أن يكون عمل مؤسسات الدولة والدبلوماسية في خدمة السوريين”، وفق ما أكده مقدسي في منشوره حول شطب اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، المدرجة عليها منذ عام 1979.
وذكر أن الهدف الأسمى ليس تسجيل الإنجاز بحد ذاته، وإنما أن يتحول إلى واقع أفضل يلمسه السوريون في حياتهم ومعيشتهم ومستقبلهم.
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد قال الشهر الماضي: إن قيام الرئيس دونالد ترامب بإبلاغ الكونغرس عزمه رفع تصنيف سوريا عن القائمة يمثل خطوة “تاريخية”، ولا سيما أنها تفتح آفاقاً جديدة للتعافي الاقتصادي وخلق الفرص، بما يمنح الشعب السوري فرصة للنهوض.
وأدى إدراج الولايات المتحدة سوريا على القائمة جراء سياسات النظام المخلوع إلى فرض عقوبات واسعة عليها، تشمل حظر المساعدات الأميركية، وقيوداً على صادرات الأسلحة والسلع ذات الاستخدام المزدوج، إلى جانب قيود مالية وتجارية أثرت في تعاملات سوريا الاقتصادية مع الخارج لأكثر من أربعة عقود.
ويرى الدكتور شعبو أنه ستكون هناك فجوة كبيرة بين الأثر السياسي والأثر الاقتصادي، لافتاً إلى أن الأثر الفوري سيكون رمزياً، أي بمعنى “إشارة نيات” للمستثمرين والدول والمؤسسات المالية الدولية بأنه يمكن التعامل مع سوريا، وهذا أمر ستستفيد منه الدولة السورية على “المستوى اللحظي” أو الفوري، ربما خلال أيام أو أسابيع.
ويضيف أنه على المستوى الاقتصادي سيكون الأثر متأخراً، أي ما بين ستة أشهر وثلاث أو خمس سنوات، ويتطلب ذلك وجود بنية تحتية مالية قوية، وبنية قانونية، حتى يمكن رؤية مثل هذا الأثر.
ويبين أن القطاعات المستفيدة ستكون ذات الاستثمار قصير الأجل، أي إن القطاعات التي تشهد سرعة في تدوير رأس المال هي التي ستحقق الاستفادة الأكبر.
ويشير إلى أن هناك تحديات تتعلق بقدرة الدولة السورية أو المؤسسات السورية على استيعاب هذا القدر من القوانين والمعايير الدولية، والامتثال للقوانين المصرفية، خلال فترة قصيرة.
وجاء في تقرير لمركز الحوار السوري، نشره في تموز الماضي تحت عنوان “ماذا يعني رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب؟ وهل يمثل انفراجة اقتصادية؟”، وأنه يمكن التمييز بين مستويين من الأثر المتوقع للقرار.
ويتمثل المستوى الأول: في آثار قصيرة الأجل قد تبدأ بالظهور خلال الأشهر الأولى، مثل تحسن حركة التحويلات المالية، وتسهيل التجارة الخارجية، وارتفاع اهتمام الشركات بإجراء دراسات السوق والاستفسار عن فرص الاستثمار.
أما المستوى الثاني: فيتعلق بالاستثمارات الكبرى ومشروعات إعادة الإعمار، وهي عملية تتطلب بناء الثقة تدريجياً، وقد تمتد آثارها على مدى أشهر أو حتى سنوات، تبعاً لعمل الحكومة السورية على توفير بيئة استثمارية مستقرة وقادرة على استيعاب رؤوس الأموال الأجنبية، وتطوير قوانينها الاستثمارية وحوكمة مؤسساتها.
بدوره، يقول المحلل السياسي أحمد رمضان: إن الأثر السياسي للقرار سيكون سريعاً وواضحاً، فهو يبعث برسالة، مفادها أن الولايات المتحدة تنظر إلى سوريا باعتبارها دولة يمكن إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والسياسية معها، ويعزز الثقة بوجود مسار أميركي نحو تطبيع العلاقات، كما أن صدور القرار بعد انتهاء المهلة القانونية وتوقيع وزير الخارجية يجعله خطوة قانونية ذات انعكاسات عملية.
أما الأثر الاقتصادي فسيكون تدريجياً، إذ إن المستثمر يحتاج إلى وضوح قانوني، ومصارف قادرة على تنفيذ التحويلات، وتأمين وضمانات، واستقرار سياسي وأمني، وقواعد واضحة لحماية رأس المال وتحويل الأرباح.
لذلك، قد نشهد في البداية زيادة في الاستفسارات ودراسات الجدوى والوفود الاستثمارية، ثم مذكرات تفاهم ومشروعات محدودة، قبل أن تتحول هذه الحركة إلى تدفقات استثمارية كبيرة، وقد يستغرق ذلك أشهراً في بعض القطاعات، في حين يحتاج الاستثمار في مشروعات البنية التحتية الكبرى إلى فترة أطول.
وحول القطاعات التي يمكن أن تستفيد مبكراً من رفع التصنيف، يبين رمضان أن أبرزها التجارة والخدمات اللوجستية، والصناعة، والزراعة والصناعات الغذائية، والطاقة، والاتصالات والتكنولوجيا، والخدمات المالية، وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية.
وهناك أيضاً فرص مهمة في قطاعات النقل والمياه والكهرباء والصحة والإسكان، التي ترتبط مباشرة بحاجات التعافي وإعادة الإعمار، مشيراً إلى أنه سبق للسياسة الأميركية أن حددت قطاعات، مثل الزراعة والاتصالات والطاقة والنقل والبناء والتمويل والمياه والصحة والتصنيع والتجارة، باعتبارها مجالات يمكن أن تستفيد من زيادة النشاط الاقتصادي والاستثماري في سوريا.
ويتابع أن القطاعات الأسرع استفادة لن تكون بالضرورة القطاعات التي تحتاج إلى أكبر حجم من رأس المال، فمن المرجح أن تبدأ الاستفادة في التجارة والخدمات وسلاسل التوريد والقطاعات الإنتاجية ذات دورة الاستثمار الأقصر، في حين تحتاج مشروعات الكهرباء والطاقة والنقل والإسكان وإعادة الإعمار الكبرى إلى وقت أطول بسبب حجم التمويل المطلوب وطبيعة المخاطر.
ومن هنا، فإن رفع التصنيف يمكن اعتباره بوابة وليس نهاية الطريق، فإذا ترافق مع إصلاح البيئة الاستثمارية، وتطوير القطاع المصرفي، وتعزيز الشفافية وحماية المستثمر، واستكمال معالجة القيود القانونية الأخرى، فإن أثره يمكن أن يصبح أحد المحركات الأساسية لتعافي الاقتصاد السوري وإعادة ربطه بالأسواق ورؤوس الأموال الدولية.
وخلص إلى القول: إنه من المهم التأكيد أن التأثير المتوقع يجب أن يُقرأ على مرحلتين: أثر سياسي ومالي ومعنوي سريع، ثم أثر اقتصادي واستثماري متدرج، وكلما نجحت سوريا في تحويل الإشارة السياسية الإيجابية إلى إصلاحات مؤسسية وبيئة أعمال مستقرة، زادت فرص تحول رفع التصنيف إلى استثمارات حقيقية وفرص عمل ونمو اقتصادي مستقر.
الثورة السورية









