
د. جوليان بدور:
على الرغم من أنني ولدت في أواخر خمسينيات القرن الماضي، إلا أن قريتنا كانت لا تزال تعيش في ظروف حياة تُشبه بشكل كبير طروف الحياة في العصور الوسطى.
لا طرق معبدة، ولا كهرباء، ولا سيارات، ولا مدارس ولا أي نشاط اجتماعي .
قريتنا المحاطة بالجبال والهضاب والوديان من كل الجهات والذائبة في غابات الغار والسنديان كانت تبدو لي وكأنها بقعة أرض مضيئة عالقة ما بين الأرض والسماء تعيش على إيقاع شروق الشمس وغروبها، بعيدًا عن صخب المدن وضجيج السيارات.
كل شيء فيها كان يفيض رقةً، ونقاءً وجمالاً.
هواءها كان نقياً وصافياً، وسكانها بسطاء ومتواضعين وطبيعتها جميلة ونقية، وطيورها وفراشاتها تلهو وتصدح بأعذب الألحان.
الدابة وسيلة النقل الوحيدة
نظراً لعزلة القرية وبعدها عن المدينة، كانت وسيلة النقل الوحيدة المتاحة للسكان هي الدابة وبالعامية “الجحشة” بعيد عنكم.
وسيلة النقل هذه كانت تستخدم لتلبية حاجات الناس الزراعية والمنزلية.
الدابة كانت تستخدم لنقل المحاصيل — ولا سيما القمح والشعير والتبغ — من الحقول إلى المنزل.
كما أنها كانت تُستخدم لنقل حطب التدفئة والأعلاف والحموا من الوديان والحقول البعيدة إلى المنزل.
كما كنا نستخدم الدابة لقشر البرغل “بالباطوس” ، ولنقل شوالات القمح إلى الطاحون لطحنها، ولنقل المياه — بالراوية — من النبع إلى حقول التبغ.
كما كانت الدابة وسيلةً للتنقل بين القرى، أو لنقل أكياسنا وأمتعتنا حين كنا نضطر للذهاب إلى المدينة.
هكذا، كانت الدابة تقوم بإنجاز الكثير من المهام التي باتت اليوم منوطة بالسيارات والشاحنات والحافلات .

لكن ما يميز وسيلة النقل هذه عن وسائل النقل الحديثة هي أن الدابة كانت تؤدي مهامها بصمت..
وبهدوء…
وبلا بنزين..
وبلا ثاني أوكسيد الكربون …
وبلا أبواق..
وبلا سرعة فائقة …
وبدون تكلفة أو ضجيج
ولهذا كنا نعيش في طبيعة نظيفة، في هواء لم تفسده عوادم السيارات، ولا ضجيج المحركات، ولا غازات ثاني أكسيد الكربون.
كان كل شيء يسير ببطء وهدوء
نستيقظ على مهل.
نذهب إلى العمل على مهل
نلعب على مهل.
نعود إلى البيت على مهل….
كان لدينا الوقت
وقت طويل، واسع، ودافئ.
ولم نكن ندري أننا نعيش أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان.
ثم جاءت البوسطة…
في منتصف حقبة الستينيات ، فُتح طريق حُراجي غير معبّد إلى قريتنا.
فتح هذا الطريق كان أشبه بفتح نافذة في جدار عزلتنا لأنه دخل من خلالها جسم غريب لم نكن نعرفه من قبل:
صوت محرك..
غبار الطريق…
وزمور…
وبوسطة..
توقفت البوسطة في ساحة القرية،.
اجتمع الأهالي حولها، وبدأنا نحن الأطفال نحدّق فيها وندور حولها، نحاول اكتشاف مكوناتها من :
المقاعد..
الدواليب…
الشبابيك..
الأبواب…
الموتور …
راءحة المازوت …
وكرسي القيادة …
وبدأ كل واحد منا يحلم ويقول:
«إيمتى بدي أركب هالبوسطة وأزور المدينة؟».
لكن فتح طريق حراجي لا يعني أن السير أصبح مؤمن في قريتنا. بالحقيقة يجب الانتظار حتى عام ١٩٨٦ حتى يّعبد الطريق ويوءمن السير بشكل نظامي .
أخذ باص الهوب هوب إلى حلب
نظراً لغياب السير في قريتنا وبعدها عن المدن، كان علينا الاستيقاظ في منتصف الليل ثم المشي على الأقدام حوالي ثلاث ساعات، تحت المطر والبرد والصقيع والثلج، أو تحت الحر الشديد، حتى نصل إلى طريق حلب.
في تلك الأيام لم تكن هناك باصات البولمان
ولا التكاسي العامة التي تنطلق بمواعيد محددة محمّلة بالركاب من اللاذقية إلى حلب مباشرة، من دون توقف، كما هو الحال اليوم.
كان هناك ما يُعرف بباصات «الهوب هوب».
هي باصات نقل شعبية تقف في أي مكان على الطريق العام لأخذ الركاب.
لم تكن هناك مواعيد دقيقة للانطلاق.
ولا محطات معروفة
ولا لوحات إلكترونية.
ولا هواتف نعرف من خلالها أين أصبح الباص.
كنا نقف على الطريق العام وننتظر
ساعة…
ساعتين..
وأحيانًا أكثر.
وعندما يأتي الباص، نلوّح له بأيدينا لكي يتوقف.
فإذا كان الباص ممتلئًا بالركاب، لا يقف لنا،مما يضطرنا إلى انتظار باص آخر.
العملية قد تستغرق ساعات طويلة….
لكن عندما وقف أول باص أمامنا، شعرت بشعور ممزوج بالخوف والفرح.
خفت..
ورجف قلبي…
لانني ساستقل وسيلة نقل لأ اعرفها
لكن فرحت وسررت..
لأن هذه أول مرة في حياتي باخد االباص.
باص الهوب هوب
قبل ما أصعد إلى الباص هوب هوب لفت انتباهي العبارات المكتوبة على واجهته:
«الحسود لا يسود»
«رافقتكم السلامة
«عين الحسود تبلى بالعمى»
وغيرها من العبارات التي كانت تزيّن مقدمة الباص.
الباص كان مليان ركاب، مما اضطرنا إلى الوقوف في مقدمة الباص.
لكن قبل أن ينطلق الباص ، بدأت أتامل الركاب الجالسين.
هذا يرتدي الطاقية والعقال، وذاك يرتدي السروال أو القنباز، وهناك رجل يرتدي طقمًا مع كرافات.
كنت أنظر اليهم بدهشة وكأنني أشاهد شخصيات في فيلم بالسينما .
ثم انطلق الباص.
يجب القول بأن الطريق من وطى الخان إلى جسر الشغور هو وعر وخطير .
لم يكن أوتوسترادًا كما هو الحال اليوم، بل كان طريقًا واحدًا للذهاب والإياب.
ومع ذلك، كان من أجمل الطرق في الشرق الأوسط.
جبال..
هضاب…
وديان عميقة..
غابات كثيفة…
أنهار..
ينابيع…
وطبيعة تمتد أمام العين بلا نهاية
لكن فرحتي لم تدوم طويلًا.
فبعد أن انطلق الباص، شعرت أن سرعته أكبر بكثير من سرعة الإنسان أو الدابة.
وفي أول منعطف بسيط، خفف الباص من سرعته ومال قليلًا وملنا معه، فخفت وقلت بنفسي يا لطيف راح ينقلب الباص!
ثم بدأت أراقب حركة السير على الطريق.
إذا كان الباص يتقاطع مع سيارة صغيرة، لم أكن أشعر بالخوف.
لكن عندما كنت أشاهد شاحنة مقطورة أو صهريجًا قادمًا من بعيد، كنت أرتجف من الخوف.
كنت أشعر، وأنا أنظر إليها من بعيد، أنها قادمة علينا مباشرة وستصطدم بالباص!
فازداد خوفي وقلقي، اذ في كل قوع كان الباص يخفف من سرعته.
لكن على مشارف مدينة جسر الشغور كان هناك منعطفات كثيرة ومطلة على وادٍ عميق.
وفجأة تقاطع باصنا مع قاطرة مقطورة.
أطلقت الشاحنة زمورًا، وكأنها تقول لسائق الباص:
«خود طريقك… ودير بالك!»
فرد عليها سائق الباص بزمور طويل وقوي.
في تلك اللحظة..
توقفت دقات قلبي.
أغمضت عيني وقلت في نفسي
«أكيد هالمرة راحت علينا… واقترب أجلنا! ينعل هالجيّة وينعل هالرحلة من أولها لآخرها!»
وهكذا تحولت الرحلة من حلم جميل إلى كابوس ثقيل.
بعد جسر الشغور أصبح الطريق أسهل، لأنه كان يعبر السهول والحقول، بعيدًا عن الجبال.
إلا بالقرب من مدينة أريحا، حيث كانت هناك بعض المنعطفات الخطرة، والنزلات والطلعات القاسية. لكن شيئاً فشيئاً بدأت اتأقلم مع الطريق والسفر بالباص.
وهكذا كانت أول رحلة لي بالباص «الهوب هوب» إلى مدينة حلب مليئة بالمفاجآت السارة وغير السارة….
ما الذي بقي من تلك الرحلة
مرت السنوات
كبر الطفل.
تغيرت القرية
تغيّر بلد المنشأ…
تعبّدت الطرق.
دخلت الكهرباء
اختفت الدواب ولم يعد بالقرية أكثر من دابة أو اثنين .
جاءت السيارات الحديثة
ثم جاءت الهواتف والإنترنت، وأصبح الإنسان يعرف ما يحدث في آخر الدنيا خلال ثوانٍ.
لم يعد أحد ينتظر الباص ساعتين على جانب
الطريق.
ولم يعد الوصول إلى المدينة مغامرة
كل شيء أصبح أسرع.
أسهل
وأكثر راحة.
لكن…؟ لكن…؟
هل أصبح أجمل؟
لا أعرف
فربما كانت أيام زمان قاسية.
وربما كانت الحياة شاقة
وربما كنا نفتقر إلى أشياء كثيرة نعتبرها اليوم من أبسط حقوقنا.
لكننا كنا نملك شيئًا يصعب وصفه..
كنا نملك الوقت.
وكنا نملك البساطة
وكنا نملك الدهشة.
وكنا نملك الأحترام والمودة
وكنا نملك البراءة والوفاء …
ولهذا، عندما أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، لا أحنّ إلى المكان وحده.
أنا أحنّ إلى ذلك الطفل الذي كنتُه أنا
ذلك الطفل الذي كان يفرح لمجرد رؤية باص…
ويخاف من منعطف..
وينبهر من رؤية مدينة..
ويجد في أبسط الأشياء مغامرة لا تُنسى.
ربما كبر الطفل
وربما تغيّرت الدنيا.
لكن ذلك الطفل…
ما زال يسكن في مكان ما داخل قلبي
وكلما اشتقت إلى الماضي…
أعود إليه
أعود إلى القرية…
إلى الجبل..
إلى صوت البوسطة..
إلى «الهوب هوب»…
وإلى الطريق الطويل الذي أخذني ذات يوم، وأنا طفل صغير، إلى حلب
ومن هناك…عندما كبرت وتعلمت
أنطلقت إلى عالم مجهول….
بدأت أكتشف أن العالم أكبر من قريتي
لكنني اكتشفت أيضًا، بعد كل هذه السنين، أن أجمل عالم عشته…
كان ذلك العالم الصغير الذي تركته خلفي
طابت أوقاتكم، ودامت ذكرياتكم الجميلة عامرة بالمحبة والحنين.
د.جوليان بدور (باحث واكاديمي من أصل سوري في جامعة ريونيون الفرنسية)
هامش ١ : مقال تاريخي وتوثيقي (مدة القراءة ٨ دقائق)
هامش ٢: الصورة الثانية مأخوذة من صفحة ضيعة وكومة حب









