تخطى إلى المحتوى

تقلبات أسعار الصرف تربك المنتجين المحليين.. ودعوات مستمرة للاستقرار النقدي وحماية الإنتاج الوطني

مركزان الخليل:

استقرار سعر الصرف يشكل أحد العوامل الأساسية في توفير بيئة اقتصادية آمنة للمنتجين والمستثمرين، ولا سيما في الاقتصادات التي تعتمد قطاعاتها الصناعية والزراعية والتجارية على مستلزمات إنتاج مستوردة، أو مرتبطة بشكل مباشر بأسعار العملات الأجنبية.

وبالتالي، مع استمرار التغيرات في أسعار الصرف في السوق المحلية، تتزايد المخاوف لدى المنتجين من انعكاساتها على تكاليف الإنتاج والقدرة التنافسية للمنتج الوطني، في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة تنشيط قطاعاتها الإنتاجية وتحفيز الاستثمار ودعم حضور المنتجات المحلية في الأسواق، ليس على الصعيد المحلي فحسب، بل على الصعيد الخارجي أيضاً.

تذبذب الصرف.. خطر على دورة الإنتاج

من هنا، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عمار اليوسف أن المشكلة لا تكمن في مجرد ارتفاع أو انخفاض سعر الصرف، وإنما في التذبذب وعدم القدرة على التنبؤ بمساره، الأمر الذي يربك المنتج والمستورد والتاجر والمستهلك على حد سواء، ويجعل اتخاذ القرارات الاقتصادية والاستثمارية أكثر صعوبة.
ويوضح اليوسف أن عدم استقرار أسعار الصرف يمثل خطراً على الحالة الاقتصادية العامة، نظراً لارتباط معظم مكونات العملية الإنتاجية بأسعار المواد الأولية والطاقة والنقل والتجهيزات وغيرها من المستلزمات، وأن القطاعات الزراعية والصناعية تأتي في مقدمة القطاعات المتأثرة بتغيرات سعر الصرف، باعتبارها تشكل مكوناً أساسياً من مكونات الاقتصاد الوطني، وتتحمل مسؤولية تأمين جزء كبير من احتياجات السوق المحلية، فيما ترتبط بها قطاعات تجارية وخدمية متعددة.
علماً أن التغيرات المتكررة في سعر الصرف تجعل المنتج أمام صعوبة في تحديد كلفة إنتاجه الفعلية، وبالتالي تسعير منتجاته ووضع خطط مستقبلية واضحة، مبيناً أن المنتج الذي يشتري مستلزمات الإنتاج بسعر صرف معين قد يجد نفسه أمام كلفة مختلفة عند إعادة شراء المواد أو استكمال دورة الإنتاج.

مواجهة مباشرة مع المستورد

ووفق رأي اليوسف، فإن انخفاض سعر صرف الدولار بصورة مفاجئة أو غير مستقرة يمكن أن يترك آثاراً سلبية على بعض المنتجين المحليين، ولا سيما عندما تترافق هذه التطورات مع دخول منتجات مستوردة بأسعار أقل من كلفة إنتاج مثيلاتها محلياً. والأهم أن استمرار هذه الفجوة قد يدفع المستهلك إلى تفضيل السلعة الأرخص، ما ينعكس على حجم الطلب على المنتج الوطني، ويضع المنشآت الصناعية والزراعية أمام ضغوط إضافية تهدد قدرتها على الاستمرار في العملية الإنتاجية.
وهنا يؤكد اليوسف أن حماية الإنتاج الوطني لا تعني إغلاق الأسواق أمام الاستيراد، وإنما تتطلب إيجاد توازن بين انسيابية التجارة الخارجية، وبين توفير شروط المنافسة العادلة للمنتج المحلي، من خلال سياسات نقدية وتجارية وجمركية واضحة ومستقرة، لا تحمل التفسير والاجتهاد في كيفية التنفيذ والتطبيق.

الاستقرار شرط لاستمرار النشاط

أهل الإنتاج متفقون في رأيهم مع الخبير اليوسف، لأنه يعبر عن الوجع الحقيقي ويلامس قلب الحقيقة في الآثار السلبية لعدم استقرار أسعار الصرف، حيث يؤكد الصناعي محمد صباغ أن استقرار سعر الصرف يمثل عاملاً مهماً في تمكين المنشآت من وضع خطط إنتاج وتسويق واستثمار قابلة للتنفيذ.
وأن تغير سعر الصرف بصورة متكررة ينعكس مباشرة على كلفة المواد الأولية والتجهيزات وقطع التبديل، ويصعّب عملية احتساب كلفة المنتج النهائي، في حين تحتاج المنشأة الصناعية إلى فترة زمنية مستقرة بين شراء مستلزمات الإنتاج وطرح المنتج في الأسواق.
ويشاطره الرأي التاجر وهيب إبراهيم، والذي أضاف أن وضوح السياسة النقدية والتجارية يساعد التجار على تحديد تكاليف الاستيراد والتسعير، ويحد من حالة الترقب التي تسود الأسواق عند حدوث تحركات مفاجئة في أسعار العملات، من هنا نجد أهمية تعزيز التنسيق بين الجهات النقدية والاقتصادية والفعاليات التجارية والصناعية، بحيث تكون القرارات المتعلقة بالصرف والاستيراد والتسعير أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع.

تحفيز الاستثمار

ويربط اليوسف بين استقرار سعر الصرف وبين قدرة الاقتصاد الوطني على جذب رؤوس الأموال واستعادة الاستثمارات، مبيناً أن المستثمر يحتاج قبل اتخاذ قراره إلى بيئة اقتصادية وقانونية ونقدية يمكن التنبؤ بها.
وأضاف أن رأس المال يبحث بطبيعته عن البيئة التي توفر الاستقرار والأمان والعائد المناسب، ولذلك فإن توفير الحوافز الاستثمارية وحده لا يكفي ما لم يترافق مع استقرار اقتصادي وتشريعي ونقدي.

مدخل لتعافي الإنتاج

وبالتالي، فإن الوصول إلى إنتاج وطني قوي يتطلب أولاً توفير ما وصفه بـ«الأمان الاقتصادي»، وفي مقدمته استقرار سعر الصرف لفترات زمنية طويلة نسبياً، بما يسمح للمنتجين بحساب تكاليفهم واتخاذ قراراتهم الاستثمارية والإنتاجية على أساس واضح. وأن استقرار سعر الصرف لا يعني تثبيت السعر بصورة مصطنعة بمعزل عن العوامل الاقتصادية، وإنما العمل على بناء سوق نقدية مستقرة تعكس أساسيات الاقتصاد وتحد من المضاربات والتقلبات الحادة.

سياسة اقتصادية متوازنة

فالمرحلة المقبلة تحتاج، وفق الرؤية المطروحة، إلى سياسة اقتصادية متوازنة تراعي مصالح المنتج والمستهلك والتاجر والمستثمر في آن واحد، بحيث لا يكون دعم الإنتاج الوطني على حساب انسيابية الأسواق، ولا يؤدي فتح الاستيراد إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية المحلية.
كما تتطلب هذه السياسة تعزيز الإنتاج الزراعي والصناعي، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مستقرة قدر الإمكان، وتشجيع الاستثمار، وتطوير أدوات التمويل، وتحسين بيئة الأعمال، بالتوازي مع مكافحة التهريب والاحتكار والمضاربة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية استمرار الحوار بين الجهات الحكومية والفعاليات الاقتصادية، ولا سيما أن معالجة اضطرابات الأسواق تحتاج إلى قراءة مشتركة لمشكلاتها، وربط القرارات النقدية والتجارية والإنتاجية ضمن رؤية اقتصادية متكاملة.

الحرية

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك