يحيى الصبيح
يظهر إعلان ممول على صفحتك في «فيسبوك»: سماعة لاسلكية بخصم 70%، والعرض متاح «لمدة 24 ساعة فقط»، وتحت الإعلان عشرات التعليقات من زبائن يشكرون المتجر على سرعة التوصيل. ترسل رسالة للاستفسار، فيأتي الرد سريعاً: «الكمية محدودة، حوّل المبلغ الآن لنحجز لك القطعة».
تحوّل المبلغ وتنتظر. يمر يوم ثم أسبوع، قبل أن تكتشف أن الصفحة حظرت حسابك أو اختفت.
ومع اقتراب «الجمعة البيضاء» في الأسبوع الأخير من تشرين الثاني، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بالعروض والتخفيضات؛ بعضها حقيقي ويتيح للمستهلك شراء منتجات بأسعار أقل، فيما تستخدم صفحات أخرى موسم العروض لاستدراج المتسوقين إلى عمليات احتيال يصعب اكتشافها من النظرة الأولى.
موسم التخفيضات يفتح باب الاحتيال
تحول التقليد التجاري الذي بدأ في الولايات المتحدة إلى موسم تسوق عالمي تستعد له المتاجر بعروض واسعة، فيما يستغله محتالون لإنشاء مواقع وصفحات وعروض مزيفة تستهدف الباحثين عن الأسعار المخفضة.
ففي تشرين الأول من العام الماضي، رصدت شركة «Check Point» للأمن السيبراني إنشاء 158 موقعاً جديداً تحمل أسماء مرتبطة بالجمعة البيضاء، بزيادة بلغت 93% عن المعدل الشهري، ثم ارتفع العدد خلال الأيام الأولى من تشرين الثاني إلى 330 موقعاً جديداً. وصُنّف واحد من كل 25 موقعاً منها على أنه خبيث. وأشارت الشركة إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي أسهمت في تسريع إنشاء هذه المواقع وترجمتها إلى لغات مختلفة.
وخلال الفترة الممتدة من بداية تشرين الأول حتى منتصف تشرين الثاني من العام نفسه، وجد مختبر «Bitdefender» أن 53% من رسائل البريد الإلكتروني المرتبطة بالجمعة البيضاء كانت احتيالية. أما شركة «Kaspersky»، فأعلنت أنها صدّت خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الماضي أكثر من 6.3 ملايين محاولة تصيد انتحلت صفة متاجر إلكترونية ومصارف وأنظمة دفع، واستهدف نحو نصفها المتسوقين عبر الإنترنت.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الظاهرة عالمياً، فيما تظهر أساليب مشابهة في السوق السورية بصيغ تتناسب مع طبيعة التجارة الإلكترونية المحلية. ويعتمد جانب من عمليات البيع عبر الإنترنت في سوريا على صفحات «فيسبوك» و«إنستغرام» والتواصل عبر «واتساب»، مع استخدام التحويل المالي أو الدفع عند الاستلام، ما يزيد أهمية التحقق من هوية البائع وشروط البيع قبل إتمام عملية الشراء.
ومن أكثر الأساليب شيوعاً التخفيض الوهمي، الذي قد يبدأ برفع سعر المنتج قبل موسم العروض، ثم الإعلان عن خصم يعيده إلى سعر قريب من قيمته السابقة. وفي هذه الحالة يرى المشتري سعراً مشطوباً ونسبة خصم مرتفعة من دون معرفة السعر الذي كان المنتج يباع به قبل العرض.
وتستخدم صفحات أخرى عبارة «حوّل المبلغ لنحجز القطعة»، مستفيدة من عرض أسعار تقل كثيراً عن أسعار السوق، ثم تطلب تحويل كامل المبلغ قبل الشحن بحجة محدودية الكمية أو قرب انتهاء العرض. وبعد التحويل قد يتأخر الشحن مع تكرار الأعذار، قبل أن تتوقف الصفحة عن الرد.
وتظهر مشكلة أخرى عند استلام المنتج، إذ تستخدم بعض الصفحات صوراً احترافية مأخوذة من مواقع الشركات أو المتاجر، في حين تصل إلى المشتري قطعة مختلفة أو مقلدة أو أقل من المواصفات المعروضة، وقد يواجه بعدها صعوبة في التواصل مع البائع أو استرداد المبلغ.
وتعتمد إحدى وسائل الاحتيال الإلكتروني على روابط تنتحل أسماء متاجر معروفة، من خلال إنشاء مواقع تحمل اسماً مشابهاً لاسم المتجر الأصلي مع تغيير محدود في العنوان الإلكتروني، أو إضافة كلمات مرتبطة بالتخفيضات مثل «blackfriday» أو «sale». وتعرض هذه المواقع أسعاراً مغرية قبل مطالبة المستخدم بإدخال بيانات بطاقته المصرفية، ما يعرض بيانات الدفع لخطر السرقة.
وتنتشر كذلك رسائل شحن كاذبة عبر الرسائل النصية أو «واتساب»، تخبر المستخدم بأن طرده متوقف بسبب نقص في العنوان أو وجود رسوم صغيرة غير مدفوعة، وتطلب منه الدخول إلى رابط لاستكمال البيانات أو الدفع. ويزداد احتمال الاستجابة لمثل هذه الرسائل خلال مواسم التسوق مع ارتفاع عدد الأشخاص الذين ينتظرون وصول مشترياتهم.
وتلجأ صفحات مزيفة أيضاً إلى صناعة انطباع بالثقة من خلال نشر عشرات التعليقات الإيجابية، وقد تصدر هذه التعليقات عن حسابات حديثة الإنشاء أو تكرر العبارات نفسها. وفي حالات أخرى تُحذف التعليقات السلبية بعد نشرها أو تُغلق خاصية التعليق، ما يحرم المتسوق من الاطلاع على تجارب العملاء الآخرين.
كيف تتحقق قبل أن تدفع؟
يبدأ التحقق بمقارنة سعر المنتج في أكثر من متجر أو صفحة. وإذا كان السعر أقل من المستوى المتداول في السوق بفارق كبير، فمن الضروري معرفة سبب هذا الفارق قبل اتخاذ قرار الشراء، ويمكن لمن يخطط للشراء خلال موسم التخفيضات تسجيل سعر المنتج مسبقاً، ثم مقارنته بالسعر المعلن خلال فترة العروض لمعرفة قيمة الخصم الفعلية.
ويفيد أيضاً التحقق من تاريخ الصفحة التي تعرض المنتج. ويتيح «فيسبوك» ضمن قسم «شفافية الصفحة» الاطلاع على تاريخ إنشائها، والتغييرات التي طرأت على اسمها، وبعض المعلومات المتعلقة بإدارتها. ويستدعي إنشاء الصفحة حديثاً أو تغيير اسمها مرات عدة مزيداً من التدقيق قبل التعامل معها.
وتساعد قراءة التعليقات في تكوين صورة أولية عن البائع، خاصة عند مراجعة حسابات أصحابها وتاريخ نشاطها، والبحث عن شكاوى أو تجارب سابقة تتعلق بالشراء والتوصيل وجودة المنتجات. ويمكن التواصل مع أحد المشترين السابقين والاستفسار منه مباشرة عن تجربته.
ومن المفيد التحقق من صور المنتجات المعروضة باستخدام أدوات البحث بالصور، ومنها «Google Lens». فإذا ظهرت الصورة ذاتها على موقع الشركة المصنّعة أو لدى عدد كبير من المتاجر والصفحات، فهذا يعني أن الصورة المعروضة لا تثبت أن المنتج الموجود لدى البائع مطابق لها.
ويقلل الدفع عند الاستلام من مخاطر تحويل الأموال إلى جهة غير موثوقة، مع أهمية فحص المنتج قبل دفع ثمنه متى كان ذلك متاحاً. أما طلب تحويل كامل المبلغ مسبقاً إلى صفحة حديثة أو جهة لم يسبق للمشتري التعامل معها، فيستدعي التحقق من هوية البائع ومصداقيته قبل الدفع.
ويجب التدقيق في اسم الجهة وبيانات الحساب قبل إرسال الأموال أو إدخال معلومات حساب «شام كاش»، وعدم مشاركة بيانات الحساب عبر روابط مجهولة تصل في رسالة أو إعلان. وعند استخدام متجر إلكتروني، ينبغي التأكد من عنوان الموقع حرفاً حرفاً والوصول إليه من مصدر موثوق، تجنباً للصفحات والمواقع التي تنتحل أسماء جهات معروفة.
وتحتاج رسائل الشحن بدورها إلى الحذر، خاصة عندما تتضمن رابطاً يطلب دفع رسوم أو استكمال بيانات شخصية. وفي حال وصول رسالة تفيد بتوقف طرد أو وجود مشكلة في عنوان التسليم، يمكن التواصل مباشرة مع شركة الشحن أو المتجر عبر بيانات الاتصال المعروفة، بدلاً من استخدام الرابط المرفق بالرسالة.
ولا ينبغي أن يدفع العداد التنازلي أو عبارات مثل «آخر قطعتين» و«العرض ينتهي خلال ساعة» إلى اتخاذ قرار سريع، فهذه الأساليب تستخدم لدفع المتسوق إلى الشراء قبل أن يتاح له الوقت الكافي للمقارنة والتحقق من البائع والعرض.
التخفيض الحقيقي يبدأ من سعر يمكن التحقق منه
يوفر موسم التخفيضات فرصة لشراء بعض المنتجات بأسعار أقل، وتقدم متاجر محلية عروضاً فعلية خلاله، إلا أن نسبة الخصم وحدها لا تكفي للحكم على جودة الصفقة، فالسعر السابق للمنتج، وهوية البائع، وطريقة الدفع، وسياسة الاستبدال والاسترجاع، وتجارب المشترين، كلها عوامل تستحق المراجعة قبل إتمام عملية الشراء.
وتمنح دقائق قليلة من التحقق المشتري فرصة لمقارنة السعر ومراجعة الصفحة والتأكد من وسيلة الدفع قبل إرسال أمواله أو بياناته، وكلما كان العرض بعيداً عن السعر المتداول في السوق، ازدادت الحاجة إلى التدقيق في تفاصيله ومصدره قبل اتخاذ قرار الشراء.
الثورة السورية










