تخطى إلى المحتوى

التردد: حين يصبح الحذر جريمة

التردد: حين يصبح الحذر جريمة

المقال السابع من سلسلة: إدارة النفس قبل إدارة المؤسسة

بقلم: إبراهيم عمر الطيب

—

في أحد الاجتماعات، قبل سنوات، جلسنا نناقش قراراً مفصلياً. كانت الفرصة واضحة، والسوق ينتظر، والفريق متحمس. لكنني طلبت المزيد من الدراسة. قلت: “لننتظر أسبوعاً، نجمع معلومات أكثر، نستشير خبراء”.

مر الأسبوع. وطلبوا أسبوعاً آخر. ثم ثالثاً. وفي الشهر التالي، قررنا أخيراً. لكن الفرصة كانت قد ذهبت. أخذها منافس قرر في يومين، ودرس في شهر، ونفذ وهو يتعلم. أما نحن، فدرسنا في شهر، وقررنا في يوم، ثم اكتشفنا أن السوق قد تغير. وأن ما درسناه لم يعد صالحاً.

في تلك الليلة، جلست وحدي أفكر. لم أكن أفكر في الفرصة الضائعة. كنت أفكر في شيء أعمق: لماذا ترددت؟

لم أكن جاهلاً. لم أكن متردداً لعدم معرفتي. كنت أعرف ما يجب أن أفعله. لكنني كنت خائفاً. خائفاً من الخطأ. خائفاً من الخسارة. خائفاً من أن أقرر ثم أندم. فترددت. وبتُ أندم على ترددي أكثر مما كنت سأندم على أي قرار خاطئ.

يومها تعلمت درساً لا أنساه: التردد ليس حذراً. التردد هو خوف يلبس ثوب الحكمة.

—

ما هو التردد؟

التردد هو الفجوة بين ما تعرفه وما تفعله. تعرف ما يجب أن تفعل، وتعرف أن الوقت يمضي، وتعرف أن التأجيل يضر، لكنك لا تتحرك. تظل في مكانك، تنتظر “الوقت المناسب”، أو “المعلومة الكاملة”، أو “الظرف الأفضل”، وكلها لا تأتي أبداً.

التردد ليس تفكيراً عميقاً. التفكير العميق يبدأ وينتهي. أما التردد فيدور في حلقة مفرغة، بلا بداية ولا نهاية. هو يشبه جهاز الكمبيوتر الذي يظل يعالج الملف نفسه، دون أن يفتحه أو يغلقه. في النهاية، يعلق الجهاز، ويستهلك الطاقة، ولا ينجز شيئاً.

التردد ليس حكمة. الحكمة تعرف متى تقرر. التردد يعرف فقط كيف يؤجل.

—

لماذا نتردد؟

هناك أسباب ظاهرة وأسباب خفية. الأسباب الظاهرة نعرفها: نقص المعلومات، تعدد الخيارات، الخوف من الخطأ. لكن الأسباب الخفية هي التي يجب أن نفتحها.

أولاً: التردد كهروب من المسؤولية

بعض القادة لا يقررون، ليس لأنهم لا يعرفون، بل لأنهم لا يريدون أن يتحملوا نتيجة القرار. التأجيل يعفيهم من المسؤولية مؤقتاً. يقولون في أنفسهم: “لم أقرر بعد، فلا يمكن لومي”.

لكن الحقيقة أن عدم القرار هو قرار. هو قرار بأن تترك الأمور تسير في اتجاهها، أو بأن تفوض قدرك لغيرك. ومن لا يقرر، يقرر غيره عنه.

ثانياً: التردد ككمالية مرضية

بعض القادة يريدون “القرار المثالي”. يبحثون عن الحل الذي لا عيب فيه، والخيار الذي لا خطأ فيه. وهذا مستحيل. في عالم الأعمال، لا يوجد قرار كامل. كل قرار له ثمن. والمثالية المفرطة ليست حكمة، بل هي خوف مقنّع.

ثالثاً: التردد كخوف من الفشل

بعض القادة عاشوا تجربة فشل مؤلمة. قرار خاطئ كلفهم كثيراً. فتعلّموا أن يخافوا. صاروا يدرسون كل قرار مئة مرة، ويستشيرون كل من حولهم، ويؤجلون لآخر لحظة. هم لا يريدون تكرار الألم، فمنعوا أنفسهم من التقدم. وصار الخوف من الفشل هو الفشل نفسه.

رابعاً: التردد كنقص في الثقة بالنفس

بعض القادة لا يثقون بحكمهم. يشكون في كل رأي يصلون إليه. يسألون هذا وذاك، ويغيرون رأيهم عشر مرات، ثم يقررون قراراً متأخراً، وأحياناً قراراً أسوأ من الأول. لأن الثقة بالنفس هي وقود القرار.

خامساً: التردد كضعف في القدرة على تحمل الغموض

بعض القادة لا يستطيعون العيش مع عدم اليقين. يريدون أن يعرفوا كل شيء قبل أن يقرروا. وهذا مستحيل في عالم متغير. فبدلاً من أن يقرروا ويتكيفوا مع النتائج، يعيشون في قلق دائم، ينتظرون وضوحاً لا يأتي.

—

ثمن التردد

التردد ليس قراراً محايداً. إنه قرار بتكلفة باهظة. دعنا نحسبها:

أولاً: فرص تضيع

في عالم الأعمال، الفرصة مثل القطار. إذا لم تركبه في وقته، سيذهب، وقد لا يعود. السوق لا ينتظر المترددين. المنافس الذي يقرر بسرعة، ويتعلم من أخطائه، سيتقدم. أما الذي يظل يفكر، فسيجد نفسه في آخر الصف.

في تجربتي، رأيت قرارات لو تأخرت أسبوعاً، لفقدنا الصفقة. ورأيت قرارات أخرى لو تأخرت شهراً، لخسرنا السوق. الوقت هو الأصل الأغلى، والتردد هو الذي يهدره.

ثانياً: هيبة القائد تتهاوى

الفريق الذي يرى قائده يتردد، يفقد ثقته به. الموظفون يريدون قائداً يقود، لا قائداً يتبع. يريدون من يفتح الطريق، لا من يتوقف في منتصفه. التردد ليس فضيلة في عيونهم، بل هو عجز. وحين يفقد القائد هيبته، يفقد سلطته الحقيقية.

ثالثاً: الروح المعنوية تنهار

الفريق الذي ينتظر قراراً لا يأتي، يبدأ في الشعور بأن العمل بلا معنى. لماذا نعمل؟ لماذا نبذل؟ إذا كان القرار سيؤجل، فلماذا نستعجل نحن؟ التردد يقتل الحماس، ويجعل الفريق يتوقف عن المحاولة.

رابعاً: الأزمات تتفاقم

المشكلة التي تُترك دون قرار، لا تبقى كما هي. إنها تنمو. القرار الصغير الذي كان يمكن اتخاذه بأسبوع، يصبح قراراً كبيراً يحتاج شهراً. لأن العدو الأول للقائد ليس المنافس، بل الوقت. والتردد يعطي الوقت لخصمك.

خامساً: القرار يأتي في النهاية… لكنه يكون سيئاً

المتردد في النهاية يقرر. لكنه يقرر بعد أن ضاق الوقت، ونفدت الخيارات، وتفاقمت المشكلة. فيأتي القرار متأخراً، ناقصاً، ومكلفاً. وكان يمكن أن يكون أفضل لو أنه اتُخذ في وقته.

—

التردد بين الحذر والحكمة

هنا نقطة مهمة. بعض القادة يخلطون بين التردد والحكمة، وبين التأني والحذر. لكن هناك فرق جوهري:

التأني هو أن تعطي القرار وقته، وأن تجمع المعلومات، وأن تستشير، ثم تقرر. له نقطة نهاية.

التردد هو أن تكرر الخطوات نفسها دون أن تصل إلى نقطة نهاية. هو التأني الذي لا ينتهي.

الحذر هو أن تعرف المخاطر، وتحسبها، ثم تقرر. له هدف هو حماية المؤسسة.

التردد هو أن تدع المخاطر تشلّك، فلا تقرر أبداً. هو الخوف الذي يمنعك من التقدم.

الفرق بين الحكيم والمتردد هو الوقت. الحكيم يقرر في وقته. المتردد يقرر بعد فوات الأوان.

—

التردد في زمن اللايقين

في سوريا، التردد له طعم مختلف. نحن نعيش في بيئة لا يقين فيها. الأوضاع تتغير، والأسواق تتقلب، والقرار الذي كان صحيحاً بالأمس قد يكون خاطئاً اليوم. هذا الواقع يجعل التردد يبدو أحياناً “حكمة”، وكأن الانتظار هو الحل الوحيد.

لكن الحقيقة عكس ذلك. في بيئة اللايقين، التردد هو أخطر قرار. لأن السوق لا ينتظر، والمنافس لا يتردد، والفرصة لا تعود. من ينتظر الوضوح الكامل في بيئة مضطربة، سيظل ينتظر إلى الأبد.

القائد الحكيم في ظروفنا هو من يقرر بقدر ما لديه من معلومات، ويبني خطة للتعامل مع الاحتمالات، ويكون مستعداً للتعديل. أما من ينتظر “أن تتضح الأمور”، فهو ينتظر سراباً، ويخسر كل شيء أثناء انتظاره.

—

كيف يروّض القائد تردده؟

التردد ليس قدراً. إنه عادة، ويمكن كسرها. إليك ست خطوات:

الخطوة الأولى: افرض على نفسك موعداً للقرار

لا تقل: “سأقرر عندما أكون جاهزاً”. قل: “سأقرر يوم كذا، الساعة كذا”. حدد موعداً نهائياً، والتزم به. حتى لو لم تكن متأكداً 100%. القرار في وقته، حتى لو كان ناقصاً، أفضل من القرار الكامل في وقته الضائع.

الخطوة الثانية: اقبل أن كل قرار له ثمن

لا يوجد قرار بلا مخاطر. لا يوجد خيار مثالي. في كل قرار، ستخسر شيئاً. لكن الخسارة في القرار، أفضل من الخسارة في التردد. لأن الخسارة في القرار تُنتج درساً، أما الخسارة في التردد فتُنتج فراغاً.

الخطوة الثالثة: قسم القرارات الكبيرة إلى قرارات صغيرة

القرار الكبير يخيف. قسمه إلى خطوات صغيرة. ابدأ بالخطوة الأولى، بسيطة، محددة، قابلة للتنفيذ. ثم الخطوة الثانية. وهكذا. القرار الصغير لا يخيف، والحركة تولد الحركة.

الخطوة الرابعة: استخدم قاعدة السبعين بالمائة

القاعدة الذهبية: إذا كان لديك 70% من المعلومات، فقرر. لأن انتظار 100% يعني انتظاراً أبدياً. و70% كافية لاتخاذ قرار جيد، مع الاستعداد للتعديل أثناء التنفيذ.

الخطوة الخامسة: اكتب القرار وعواقبه

عندما تكتب، يهدأ عقلك. اكتب الخيارات، والنتائج المتوقعة، والمخاطر. ثم اقرر. الكتابة تحول الأفكار من دوامة إلى خط واضح. وتساعدك في أن ترى القرار من زاوية موضوعية.

الخطوة السادسة: تعلم من القرارات الخاطئة

أحياناً يتردد القائد لأنه خاف من الخطأ. لكن تذكر: كل قائد عظيم أخطأ. الفرق بينهم وبين غيرهم أنهم لم يجعلوا الخطأ يوقفهم. تعلم، ثم عد إلى القرار. الخطأ ليس نهاية، بل هو معلومة.

—

متى يكون التردد محموداً؟

هل هناك تردد محمود؟ نعم، في حالة واحدة: حين يكون القرار خطيراً ولا رجعة فيه.

قرار مثل بيع شركة، أو توقيع عقد مدى الحياة، أو استقالة نهائية، يحتاج تأنياً. لكن حتى هنا، التأني له وقت محدد. والتأني الحقيقي هو أن تدرس، وتستشير، ثم تقرر. أما أن تظل تدور في الحلقة، فهذا ليس تأنياً، بل هروب.

التردد المحمود هو الذي يمنعك من قرار متهور. أما التردد المذموم فهو الذي يمنعك من أي قرار.

—

💎 الخلاصة

التردد ليس حكمة. إنه خوف يلبس ثوب الحكمة.
التردد ليس تأنياً. إنه تأنٍ بلا نهاية.
التردد ليس تفكيراً. إنه دوامة بلا قرار.

القائد الذي يتردد:

· يخسر الفرص.
· يفقد هيبته.
· يحطم فريقه.
· يعطي خصمه وقتاً.
· يقرر في النهاية… لكنه يقرر سيئاً.

فلا تتردد. اقرر. اخطئ. تعلم. صحح. لكن لا تتوقف. لأن من يتوقف، لن يصل. ومن يقرر، حتى لو أخطأ، سيتعلم، ويتقدم، ويصل.

القرار الصحيح هو أن تقرر. والباقي يتعلم.

—

في المقال القادم، سنفتح باباً آخر من أبواب النفس القيادية:
“الغضب الصامت: حين يبتلع القائد مرارته حتى تنفجر”

إلى اللقاء.

#إدارة_النفس_قبل_إدارة_المؤسسة #التردد #فن_الإدارة #قيادة #إبراهيم_عمر_الطيب #ريادة_الأعمال #علم_النفس #اتخاذ_القرار #القائد_الحكيم

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك