تخطى إلى المحتوى

التجميل من الحاجة الطبية إلى هوس الكمال.. أين تكمن المخاطر؟

أعادت حادثة وفاة سيدة من مدينة حلب، عقب خضوعها لعملية تجميل، الجدل حول عمليات التجميل إلى الواجهة، وطرحت تساؤلات حول متى تكون هذه العمليات ضرورة طبية، ومتى تندرج ضمن الخيارات التجميلية فقط، إضافة إلى ما يرتبط بها من مخاطر محتملة ومعايير السلامة الواجب الالتزام بها، سواء على مستوى اختيار الطبيب المختص أو تقييم الحالة الصحية للمريض، بما يضمن تحقيق النتائج المرجوة وتفادي المضاعفات.

الحاجة الطبية في عمليات التجميل

تتباين الآراء حول عمليات التجميل بين من يرى فيها ضرورة لا بد منها في بعض الحالات، خاصة عند وجود تشوهات أو آثار صحية ونفسية، وبين من يعتبرها إجراءً تجميلياً غير ضروري يندرج ضمن الرفاهية إذا لم تكن هناك حاجة طبية واضحة. وفي المقابل، ينظر آخرون إليها بوصفها خياراً شخصياً يرتبط بحرية الفرد في التصرف بجسده، ما يضع هذه الظاهرة ضمن مساحة تتقاطع فيها القناعات الطبية والاجتماعية والشخصية.

وفي هذا السياق، قالت رشا محمد طبشو، خريجة باختصاص البشرة والليزر، وتعمل في مركز بمدينة الدانا في ريف إدلب، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”: “في عام 2018 تعرضتُ لقصف جوي، ما أثر بشكل كبير على شكل أنفي، الأمر الذي دفعني لاحقاً لإجراء عملية تجميل في مدينة الدانا ضمن المركز الذي أعمل فيه، واستغرقت فترة علاجي وتعافيَّ نحو سنة كاملة”.

وأضافت: “كانت تجربتي مع عملية التجميل إيجابية جداً، وأنا أنصح بها لمن يحتاجها، لأنها تمنح مظهراً أجمل، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على الشكل الطبيعي دون تغيير كبير، وإنما تحسينه فقط عند الحاجة”.

وأشارت إلى أن اندفاع النساء نحو عمليات التجميل قد يرتبط بالرغبة في تحسين المظهر، لافتةً إلى أن الظروف التي مر بها السوريون دفعت كثيرين للسعي نحو التغيير للأفضل، سواء على المستوى النفسي أو الشكلي، مؤكدةً أنها لم تواجه مخاطر خلال العملية، بل على العكس تحسنت حالتها، حتى إنها استعادت حاسة الشم بعد أن كانت تعاني من فقدانها، معربةً عن رضاها الكبير عن النتيجة.

وتابعت: “أرى أن قرار إجراء عمليات التجميل يعود إلى قناعة شخصية، لكنني أنصح كل فتاة تحتاج إلى مثل هذه الإجراءات، سواء كانت عملية أنف أو نحت أو شد أجفان أو غيرها، ألا تتردد إذا كان الهدف تحسين المظهر بشكل صحي ومدروس”.

وأردفت: “بصفتي أخصائية، أحب عملي مع المرضى وأسعى لتحقيق نتائج جميلة تسهم في تحسين مظهرهم، وأؤكد أن كل امرأة جميلة بطبيعتها، لكن يمكنها دائماً أن تسعى لتكون بإطلالة أجمل بما يعزز ثقتها بنفسها”.

الجانب الطبي والنفسي

قال الدكتور أحمد الصطوف، اختصاصي الجراحة التجميلية والترميمية والحروق، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إن اختصاص الجراحة التجميلية يشمل معظم عمليات التجميل والترميم المرتبطة بالإصابات والتشوهات والحروق والحالات الحربية، إضافة إلى التشوهات لدى الأطفال والتشوهات الناتجة عن أسباب طبيعية أو مكتسبة، فضلاً عن معالجة آثار الحروق وما ينتج عنها من تشوهات.

وتحدث عن بعض أنواع عمليات التجميل، منوهاً إلى أن أبرز العمليات التي تُجرى في الوجه تشمل شد الأجفان وعمليات الأنف وشد الوجه، إضافة إلى عمليات الثدي، وعمليات شد البطن وشفط الدهون، وكذلك شد الذراعين والفخذين.

وأضاف أن أغلب العمليات في المجتمع المحافظ تكون ضرورية أكثر من كونها بهدف التجميل فقط، بل ترتبط أحياناً بتأثيرات نفسية أو اعتبارات اجتماعية، مثل حالات الزواج أو بطلب من الزوج، مشيراً إلى أن هذه العوامل تجعل مثل هذه العمليات مقبولة ومطلوبة في بعض الحالات.

وأشار إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دوراً كبيراً في زيادة الإقبال على عمليات التجميل، إلا أن ما يُنشر عبرها ليس دائماً دقيقاً أو صحيحاً في هذا المجال، موضحاً أن بعض الحالات تطلب إجراء عمليات استناداً إلى ما تشاهده عبر هذه المنصات، في حين أن الواقع الطبي يختلف عما يتم عرضه، لافتاً إلى وجود قدر من التضليل في بعض المحتويات المتداولة.

وأكد أن التمييز بين الضرورة الطبية والعملية التجميلية البحتة يحدده الطبيب بالتعاون مع المريضة أو المريض، من خلال النقاش حول طبيعة الحالة وما إذا كانت تستدعي التدخل الجراحي أم لا. وفيما يتعلق بالمخاطر الصحية المرتبطة بعمليات التجميل، أوضح أن هذه العمليات، كأي عمل جراحي، تنطوي على مخاطر، من بينها مخاطر التخدير.

وأضاف أن المخاطر الأكبر قد تظهر عندما يرغب المريض بإجراء أكثر من عملية جراحية في الوقت نفسه، أو الخضوع لعمليات كبيرة، نتيجة اعتباره التخدير فرصة لتنفيذ عدة تدخلات جراحية، الأمر الذي يؤدي إلى إطالة زمن العملية وما قد يرافقه من تأثيرات خطيرة قد تصل في بعض الحالات إلى نتائج مميتة.

وتابع أن بعض عمليات التجميل قد تؤدي أيضاً إلى نتائج غير متوقعة، إذ قد يحدث تشوه في بعض الحالات رغم أن الهدف الأساسي كان تحسين الشكل، مشيراً إلى أن هذه من أبرز المضاعفات التي قد تطرأ في بعض العمليات.

وبيّن أن درجة الخطورة تختلف من مريض إلى آخر بحسب نوع العملية والحالة الصحية، موضحاً أنه يُفضّل دائماً اختيار المريض المناسب، خاصة إذا كانت العملية تجميلية بحتة، لافتاً إلى أنه في الحالات التي تكون فيها نسبة الخطورة مرتفعة يُفضّل عدم إجراء العمل الجراحي أو رفضه.

وأردف أن لكل عملية معاييرها الخاصة، مشيراً إلى أهمية اختيار الطبيب المناسب، منوهاً إلى أن الفوضى التي شهدها هذا المجال خلال السنوات الماضية أدت إلى تعدٍ على الاختصاصات، حيث بات بعض غير المختصين يجرون عمليات تجميلية، الأمر الذي تسبب بظهور حالات سلبية عديدة.

وحذّر من التعامل مع المراكز الطبية غير الموثوقة التي يكون هدفها الأساسي الربح، مؤكداً أن اختيار الطبيب أمر ضروري، وأن الخبرة تلعب دوراً مهماً في نجاح العملية. كما نصح الراغبين بإجراء عمليات تجميلية بضرورة الاستفسار عن المضاعفات المحتملة والنتائج المتوقعة، والتحري بدقة عند اختيار الطبيب، مع التأكيد على أهمية اختيار الطبيب المختص وصاحب الكفاءة والخبرة.

من الجانب النفسي إلى صورة الجسد

قالت الدكتورة إيمان تللو، خريجة كلية الطب البشري في جامعة حلب، واختصاصية الطب النفسي المصنفة لدى هيئة التخصصات الطبية السعودية، إن الرغبة في إجراء عمليات التجميل تعد ظاهرة معقدة تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والبيولوجية، وباعتبار أن هذا الموضوع يمس صورة الذات والتوازن النفسي، فإنه يمكن مقاربته من منظور نفسي تحليلي.

وأكملت، في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن الدوافع النفسية وصورة الجسد ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بقرار اللجوء إلى التجميل، موضحةً أن صورة الجسد تعبّر عن الطريقة التي يرى بها الفرد نفسه ويشعر تجاه مظهره، وأن الرغبة في استعادة الثقة بالنفس قد تكون دافعاً لإجراء عمليات التجميل بعد تغيرات جسدية طبيعية، مثل الولادة أو التقدم في السن.

وأشارت إلى أن اضطراب تشوه الجسم قد يكون دافعاً في بعض الحالات، حيث ينشغل الشخص بشكل مفرط بعيب بسيط أو متخيل، منوهةً إلى أن المشكلة في هذه الحالة لا تكمن في المظهر بقدر ما ترتبط بالإدراك الذهني له.

وأردفت أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تشكيل معايير جمالية غير واقعية، لافتةً إلى أن الفلاتر أدت إلى ما يعرف بـ”سيلفي ديسمورفيا”، حيث تطمح بعض النساء للوصول إلى مظهر مفلتر يصعب تحقيقه بيولوجياً. وبيّنت أن المقارنة المستمرة عبر هذه المنصات مع صور مختارة ومعدلة قد تولد شعوراً بالنقص أو عدم الكفاية.

وأوضحت أن الانعكاسات النفسية لعمليات التجميل لا يمكن تعميمها، لأن النتائج ترتبط بطبيعة التوقعات والدوافع، مشيرةً إلى أن الجانب الإيجابي يظهر عندما يكون الهدف واقعياً لتحسين جزئية تسبب ضيقاً نفسياً، بينما قد تكون النتائج سلبية إذا كان الدافع محاولة حل مشكلات نفسية عميقة، الأمر الذي قد يقود إلى إدمان عمليات التجميل بحثاً عن كمال غير قابل للتحقق.

وبيّنت أهمية التمييز بين الرغبة الطبيعية والدافع المرضي، مؤكدةً ضرورة التقييم النفسي قبل العمليات الكبرى، مشيرةً إلى أن الهدف ليس المنع، بل التأكد من أن الدوافع نابعة من قناعة شخصية وليست نتيجة ضغوط خارجية، وأن التوقعات واقعية، مع استبعاد وجود اضطرابات نفسية قد تتفاقم بعد الجراحة.

ووجهت تللو نصيحة للسيدات اللواتي يفكرن بإجراء عمليات تجميل، تقوم على طرح أسئلة تتعلق بالدوافع الحقيقية: هل الهدف إرضاء النفس أم الآخرين؟ وهل يمكن تقبل النتيجة دون انتظار ملاحظات خارجية؟ وهل جرت معالجة الأسباب النفسية بعيداً عن الجراحة؟

ولفتت، في ختام حديثها، إلى أن الجمال الحقيقي يقوم على التصالح مع الذات، وأن عمليات التجميل قد تغيّر الملامح لكنها لا تعالج المشكلات النفسية العميقة، مؤكدةً أن التجميل يجب أن يكون وسيلة لتعزيز الثقة بالنفس لا للهروب من الذات.

الثورة السورية – سيرين المصطفى

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك