تخطى إلى المحتوى

طفولتي القروية وبيتنا الترابي: «حين كان الحب أغنى من الفقر»

*د. جوليان بدور:

من أعظم نعم حياتي أنني ولدت في عائلة ريفية كبيرة، مؤلفة من تسعة أطفال: خمسة صبيان وأربع بنات، وفي بيت ترابي كبير وبسيط، لكنه كان بمثابة بيت حقيقي لنا؛ دافئًا وجميلًا، ينبض بالحياة والحب والحنان.

 

وكحال جميع أهل القرية، كان والداي يزرعان الأرض ويعتمدان كليًا على ما تجود به من محاصيل ودخل زهيد.

 

لم تتح لوالديّ فرصة الذهاب إلى المدرسة، ولذلك كانا أميين. ومع ذلك، فقد تعاملا مع مصاعب الحياة وندرة المحصول بحكمة وكفاءة كبيرتين، وحميا أطفالهما الكثيرين من الجوع والبرد والفقر المدقع. كما نجحا في تربية أولادهما تربيةً مكّنتهم من مواجهة مشقة الحياة وندرة المحصول، وتأمين احتياجاتهم الأساسية بشكل مرضٍ.

 

كان بيتنا، كمعظم بيوت القرية، بيتًا ترابيًا واسعًا، ومقسمًا إلى قسمين كبيرين بواسطة عنبر المونة. لكل قسم باب كبير ونافذة صغيرة، وركن وتفيّة في صدر البيت.

 

لم يكن في بيتنا مطبخ بالمعنى الحديث، ولا حمام، ولا كنابيات، ولا صوفيات، ولا تخوت (أسرّة) ننام عليها. كان لدينا حصيرتان من القش نفرشهما على الأرض الترابية، وبعض السندات لنتكئ عليها.

 

العائلة الكبيرة… أجمل ثروة

 

مع حلول الليل، كنا نشعل القنديل على الكاز. وعند وقت النوم، كانت أمي تفرش لنا ثلاث فرشات، الواحدة جنب الأخرى. أتذكر أننا كنا يومها ستة أطفال، ننام جنبًا إلى جنب.

 

في فصل الشتاء، كان أبي يقضي سهراته مع أصدقائه، بينما كانت أمي تبقى معنا لتساعدنا في واجباتنا المدرسية وتهيئنا للنوم.

 

كانت تحدثنا عن القرية، وتحكي لنا قصصًا عن الضبعة والثعلب والجيجات، أو تغني لنا أغاني قديمة مألوفة بصوتها العذب، فنغفو تدريجيًا على وقع صوتها.

 

لكن في إحدى الأمسيات، عاد أبي مبكرًا إلى المنزل. دق الباب، فذهبت أمي وفتحت له، وسمعتها تقول له:

 

«ما صرن زمان ولادك نايمين …»

 

ثم أدارت وجهها نحونا وقالت:

 

«شوف، أبو وحيد… شوف كيف ولادنا نايمين الواحد جنب الثاني… هاد مغطى راسو، وهادي متكشفة، وهادا حاطط إيدو على صدر أخوه… بشرفك يا أبو وحيد، في أحلى من هالمنظر بالدنيا؟ شوف هالوجوه الناعمة قديش حلوة ورقيقة. بربك، في ثروة أغلى وأحلى من هالثروة بالعالم كله ؟»

 

بالنسبة لوالدتي، كان منظرنا ونحن نائمون على صف واحد يساوي كل كنوز العالم. كانت ترانا وتشبهنا بصف من العصافير الصغيرة الملونة والرائعة والجميلة، مصطفة بهذا الشكل لتحمي نفسها من برد الحياة وقسوة الوحدة والعزلة.

 

ثم رفعت أمي يديها إلى السماء، ودعت ألّا ترحل عن هذه الدنيا قبل أن ترى جميع أبنائها قد التحقوا بالمدارس، وتعلموا، ونالوا أعلى الشهادات الجامعية.

 

رغم محدودية الموارد وصعوبة الوضع المالي، استجاب الله لدعائكِ يا أمي الحنونة. فقد نال بعض أبنائكِ شهادات الدكتوراه من جامعات فرنسية، ونالوا الشهادات الجامعية واصبحوا مهندسين أو معلمين أو موظفين.

 

وأنا بقلك يا أمّي شو ما عملنا وشو ما دعينا، ما منوافيكِ حقك، إلا عن يرحمك .

 

مطبخ بسيط غير مجهز بشكل جيد… وقلوب محبة ومتعاونة

 

كما كان الحال في بيوت الناس، كانت أدوات الطبخ بسيطة جدًا. أتذكر أنه كان لدينا مقلى من الفخار، وطنجرتان من الألمنيوم، ومقلاية، ومغرفة خشبية، وجرة وكوز ماء.

 

لم يكن لدينا صحن من الألمنيوم، ولا طاولة سفرة؛ بل كان عندنا طبق كبير من القش نتناول الطعام حوله.

 

حين كانت تنتهي أمي من إعداد الطبخة، كانت تسكبها في صينية كبيرة، وتضعها على طبق من القش، ونجلس جميعًا حوله، وكل منا يحمل بيده ملعقة لتناول الطعام. لم يكن لكل واحد منا صحن أو كأس خاص، كما هو الحال اليوم.

 

على عكس ما هو شائع اليوم، حيث يأخذ كل فرد من أفراد الأسرة طبقه ويجلس أمام شاشة الكمبيوتر أو الهاتف المحمول لتناول الطعام ومشاهدة مقطع فيديو أو فيلم، كنا نجلس أنا وإخوتي وأهلي حول طبق القش، نأكل ونتحادث، ونروي ما حدث معنا من حكايات خلال النهار.

 

المتبل… وجبة الصيف الوحيدة عند الظهر

 

في فصل الصيف، موسم الحصاد وجني الدخان، كان العمل يبدأ مبكرًا ويستمر حتى المساء لجميع أفراد الأسرة، صغارًا وكبارًا، دون انقطاع.

 

في ظل هذه الظروف، لم يكن من الممكن تحضير وجبات طعام تتطلب وقتًا طويلًا. لذلك، كان معظم المزارعين يُعدّون أكلات بسيطة وسريعة، كوجبة المتبل.

 

من أجل تحضير المتبل، كانت والدتي تطبخ البرغل الناشف في مقلى الفخار، ثم تضيف إليه اللبن البلدي المصنوع منزليًا.

 

كان المتبل الوجبة الرئيسية طوال فصل الصيف. كنا نأكله أحيانًا مع بصلتين. أتذكر أن أحدًا لم يكن يجرؤ على أكل قلب البصلة، ذلك الجزء الغض واللذيذ، خوفًا من أن يتهمه إخوته وأخواته بالأنانية وحب الذات.

 

هكذا تعلمنا منذ الصغر أن الأخوة تعني المشاركة مع أخيك، وإعطاءه نصيبه، والتفكير في الآخرين قبل نفسك. هكذا تربينا على احترام التعاون والمشاركة ومساعدة بعضنا بعضًا، لا على الفردية والأنانية وحب الذات.

 

بالتأكيد، خلال الفصول الأخرى من العام، كان لدى أمي وأختي وقت أطول لإعداد الطعام، لكننا كنا، نظرًا لمحدودية دخلنا، نطبخ تقريبًا الأطباق نفسها طوال العام: المجدرة في أغلب الأحيان، ومن وقت إلى آخر، وخاصة في أوقات الأعياد، كنا نأكل الكبيبات والفويشات، الرز لم نكن نعرفه في ذلك الوقت.

 

تجدر الإشارة أيضًا إلى أنه قبل أن يغزو الشاي الأحمر بيوتنا في أوائل السبعينيات، كان فطورنا يتألف دائمًا من شوربة العدس، وأحيانًا مع التين المجفف. لاحقًا، أصبح الشاي والزيتون واللبنة فطورنا الرئيسي.

 

يجبّ الإشارة إلى أنه لم نكن نتذمر أمام أهلنا من أن الوجبة نفسها قد تتكرر أيامًا وأسابيع وأشهرًا، بل كنا نجلس حول الطبق بشهية، نأكل ما أعطتنا الأرض، ونحمد الله على نعمته وخيره.

 

لكن ما أثار انتباهي خلال هذه الفترة هو أن والدتي المرحومة كانت تأكل ببطء شديد. لم أفهم السبب يومها، لكنني فهمته بعد سنوات.

 

أم وحيد الحنونة كانت تتعمد أن تأكل ببطء، حتى تتيح لأطفالها أن يشبعوا أولًا. فشبعنا وعدم جوعنا بالنسبة إليها لم يكن مجرد سعادة، بل كان اطمئنانًا وراحة بال.

 

خبز التنور… رائحة لا تزال محفورة في ذاكرتنا

 

لكن لخبز التنور حكاية أخرى. سواء كان من القمح الكامل أو الأبيض، فقد كان جزءًا أساسيًا من غذائنا.

 

كان التنور يُبنى بالقرب من المنزل، وغالبًا ما يُغطى بسقف لحماية الخبز والفرن من المطر والثلج.

 

يجب الإشارة أيضًا إلى أن إعداد الرغيف لم يكن سهلًا على الإطلاق.

 

كانت أمي أو إحدى أخواتي تبدأ بعجن العجين في الصباح، ثم تتركه ليختمر.

 

ثم كنّ يشعلن الفرن بالحطب والخشب والأغصان المحمولة من بعيد، من الوديان والتلال المحيطة بالقرية، على ظهورهن أو على ظهور الحيوانات، ثم يكدسنها قرب الفرن.

 

بعد أن يختمر العجين، كانت أمي تقطعه إلى أقراص، وترصها على طبق، وتحملها إلى التنور.

 

لكن رقّ قروض الخبز كان يتطلب أكثر من يد واحدة.

 

بينما كانت أمي تلصق أرغفة الخبز على جدار الفرن الساخن، كانت أخواتي، وأحيانًا بعض الجارات، يرققن العجين ويجهزنّه.

 

لذلك، كان خبز الخبز في التنور يستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين. ومع ذلك، كانت أمي وأخواتي يُحضّرن ما بين ستين وثمانين رغيفًا من الخبز الرقاق والكماج. وكانت كل دفعة تستغرق أكثر من ساعة للخبز.

 

ومن الجدير بالذكر أن خبز القمح الكامل أو الأسمر، وهو النوع الأكثر شيوعًا والأغلى اليوم، كان الأكثر انتشارًا في ذلك الوقت.

 

اللحم والبيض… في المناسبات فقط

 

لم يكن اللحم جزءًا من نظامنا الغذائي اليومي؛ بل كان مخصصًا للأعياد والضيوف والمناسبات الخاصة.

 

على الرغم من أننا كنا نملك حوالي عشرين دجاجة وعدة دبوك وشلافين، لم نكن نستهلك الكثير من البيض، إذ كنا نستخدمه عادةً لشراء بعض حاجاتنا من الدكان، مثل المربى والدروبوس وبعض الحاجات المنزلية والملح والسكر.

 

أما لحم الدجاج، فلم نكن نستهلك إلا القليل منه، لأن الشلافين كانت مخصصة لاستقبال الضيوف، وليس لغذاء الأطفال في ذلك الوقت. من بعد تغيرت هذه العادة.

 

أتذكر عندما كان يأتينا ضيف، كانت أمي تجهّز الشلفون مع بعض الأكلات للضيوف. وبعد أن يبدأ الضيوف بالأكل، كان أهلنا يطلبون منا أن نبتعد عن السفرة، كي يأكل الضيف بهناء.

 

أما نحن، فكنا نأمل أن يبقى شيء لنتذوق طعم لحم الفراريج.

 

أما اللحم والشواء، فكانا مرتبطين بالأعياد، وخصوصًا عيد القوزلة، حيث كانت تكثر الأكلات الشعبية مثل الكبيبات والفويشات والزليبة والمشاوي، وتدوم عدة أيام.

 

تجدر الإشارة إلى أنه، على الرغم من بساطة نظامنا الغذائي، وخلوه من البروتينات، كنا نتمتع بصحة جيدة؛ لأننا كنا نأكل مما تنتجه أرضنا من دون أسمدة ومبيدات حشرية، أي طعامًا صحيًا وبيئيًا، ونشرب من ماء عين قريتنا النقية، ونأكل خبزًا طريًا من التنور ونستنشق هواء صاف ونقي يشفي العليل.

لم نكن نملك الكثير من المقتنيات… لكننا كنا نملك المودة والألفة والتكافل

 

عندما أتذكر تلك السنوات، أدرك أن طفولتي لم تكن غنية بالممتلكات المادية.

 

لم يكن لدينا الكثير من المال.

 

ولا الكثير من الطعام.

 

ولا أثاث فاخر.

 

ولا وسائل الراحة الحديثة: لا تلفاز، ولا هاتف محمول، ولا أي من الألعاب الإلكترونية الشائعة اليوم.

 

نعم، ربما كانت الحياة صعبة وقاسية ربما على الاقل لنظر الجيل الحالي .

 

كان الفقر حاضرًا، والنقص منتشرًا، والعمل شاقًا.

 

لكن البيت والحياة كانا مليئين بأشياء لا تُشترى بالمال.

 

كانا مليئين بأصوات حنونة عفوية، وأيدٍ متعبة بأظافرها الطبيعية غير الملونة، ورائحة الخبز، ودفء التنور، وضحكات الأطفال، وحنان الوالدين وكبار السن.

 

وكان هناك صوت أمي.

 

ذلك الصوت الذي كان يطمئننا، ويروي لنا القصص، ويحيطنا بدفء وحنان، ويحمينا من البرد والجوع…

 

اليوم، عندما أتذكر تلك الأيام، لا أتذكر الفقر فحسب، ولا حتى أننا كنا نأكل نفس الطعام طوال الصيف.

 

بل أتذكر أشياء أجمل بكثير.

 

أتذكر دفء البيت الترابي.

 

أتذكر اللعب مع إخوتي وجيراني.

 

أتذكر بقارتي ودابتي.

 

صوت أمي الحنون.

 

صوت أبي الخشن الدافئ.

 

خرير مياه عين القرية.

 

ولهيب التنور ورائحة الخبز الطازج.

 

نعم، ربما لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نملك شيئًا أثمن من المال:

 

المحبة، والألفة، والتعاون، والعطاء، والحنان.

 

ولذلك، كلما عدت بذاكرتي إلى ذلك الزمن وإلى البيت الترابي القديم، لا أشعر أنني أعود إلى زمن الفقر.

 

أشعر أنني أعود إلى زمن كان فيه الحب والحنان والوفا والعرفان أكثر وفرة من كل شيء.

 

فبعض الأماكن لا تسكنها أجسادنا فقط…

 

بل تسكنها أرواحنا إلى الأبد.

طابت أوقاتكم 

 

د. جوليان بدور ، اكاديمي وباحث في جامعة ريونيون الفرنسية

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك