تخطى إلى المحتوى

أسعار الغذاء عالمياً عند أعلى مستوى منذ 2022.. ضغوط إضافية على السوق السورية

تضع الارتفاعات المتجددة في أسعار الغذاء العالمية الاقتصاد السوري أمام ضغوط إضافية، في ظل اعتماد السوق على الاستيراد لتأمين جزء من احتياجاته الغذائية ومدخلات الإنتاج، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والإنتاج وتداعيات التغير المناخي. ومع انتقال جانب من هذه الضغوط إلى الأسواق المحلية، تتزايد تحديات الأسعار والقدرة الشرائية والأمن الغذائي، ما يستدعي سياسات تركز على تعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين إدارة الموارد، وتطوير سلاسل التخزين والإمداد، وبناء منظومة غذائية أكثر قدرة على مواجهة الصدمات.

وفي أحدث بياناتها، قالت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، يوم الجمعة الماضي، إن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت خلال آب إلى أعلى مستوى لها منذ أواخر عام 2022، في ظل تأثيرات سوء الأحوال الجوية والاضطرابات الناجمة عن الحروب في منطقة الخليج والبحر الأسود، وما رافقها من مخاوف متزايدة بشأن إمدادات المحاصيل الأساسية.

وتتعرض أسواق المحاصيل الزراعية لضغوط متزايدة بفعل الارتفاع الحاد في درجات الحرارة وموجات الجفاف التي شهدتها أوروبا، إلى جانب التهديدات المرتبطة بظاهرة «النينيو» المناخية، فضلاً عن الاضطرابات التي طالت حركة التجارة نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية والحرب في إيران. وأسهمت هذه العوامل مجتمعة في دفع أسعار الحبوب إلى أعلى مستوى لها خلال ثلاث سنوات، فيما ارتفعت أسعار السكر إلى أعلى مستوى لها خلال عام.

وبحسب بيانات المنظمة، بلغ متوسط مؤشر «الفاو» لأسعار الغذاء، الذي يتتبع التغيرات الشهرية في مجموعة من السلع الغذائية المتداولة عالمياً، 133.3 نقطة في آب، مقارنة بقراءة معدلة بلغت 130.8 نقطة في تموز.

وسجل المؤشر بذلك أعلى قراءة له منذ تشرين الثاني 2022، مع بقائه أقل بنحو 17 بالمئة من الذروة القياسية التي سجلها في آذار 2022، عقب بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.

وشهدت جميع مؤشرات منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الحبوب والزيوت النباتية والسكر واللحوم ومنتجات الألبان ارتفاعاً خلال آب.

وارتفع مؤشر «الفاو» لأسعار الحبوب بنسبة 2.2 بالمئة على أساس شهري، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أيار 2024، فيما زاد مؤشر أسعار الزيوت النباتية بنسبة 0.6 بالمئة، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ حزيران 2022.

كما قفز مؤشر أسعار السكر بنسبة 11.9 بالمئة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ حزيران 2025، في ظل تراجع الإنتاج في منطقة رئيسية بوسط جنوب البرازيل، ما زاد من تأثيرات سوء الأحوال الجوية في أوروبا وآسيا.

وقال كبير خبراء الاقتصاد في «الفاو»، ماكسيمو توريرو، في بيان، إن ارتفاع أسعار الغذاء العالمية خلال آب يشكل مؤشراً على عودة علاوات المخاطر إلى أسواق الأغذية.

انعكاس محلي

مع ارتفاع أسعار الغذاء العالمية إلى هذه المستويات، تتجه الأنظار إلى تداعياتها المحتملة على الأسواق المحلية، لا سيما في الاقتصادات التي تعتمد على استيراد جزء من احتياجاتها الغذائية. وفي سوريا، يبرز هذا الأثر في ظل اعتماد السوق على الاستيراد، إلى جانب التحديات الاقتصادية والإنتاجية القائمة، وهو ما يوضحه خبير الاقتصاد الدكتور إيهاب اسمندر، مستعرضاً أبرز الانعكاسات المتوقعة على الاقتصاد والواقع المعيشي.

وأوضح اسمندر لصحيفة «الثورة السورية» أن تأثير هذا الارتفاع على الاقتصاد الكلي في سوريا يتجلى في نقاط عدة، في مقدمتها ارتفاع فاتورة الاستيراد وتفاقم العجز، إذ يؤدي ارتفاع تكلفة استيراد السلع الأساسية، مثل القمح والرز والسكر والزيوت، إلى توسيع عجز الميزان التجاري، في ظل محدودية الصادرات السورية وعدم ارتفاعها بالتوازي مع قيمة المستوردات.

ويضاف إلى ذلك الضغط على الليرة، إذ تؤدي زيادة الطلب على الدولار لتمويل الاستيراد إلى ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية، ما ينعكس سريعاً على أسعار مختلف السلع المحلية نتيجة ارتفاع تكاليف المدخلات المستوردة، ويفتح المجال أمام موجات تضخمية جديدة، تنتقل معها تداعيات الارتفاع العالمي إلى معدلات التضخم المحلية، الأمر الذي قد يدفع الجهات المعنية إلى رفع أسعار بعض المواد الأساسية.

ويمتد أثر هذه التطورات إلى القطاعات الإنتاجية والحيوانية، إذ يؤدي ارتفاع تكاليف الأعلاف المستوردة، مثل الصويا والذرة، إلى زيادة تكلفة الإنتاج الحيواني وإنتاج الدواجن، ما ينعكس في قفزات بأسعار اللحوم والألبان والبيض محلياً، وفق اسمندر.

وعلى مستوى المعيشة، أكد اسمندر أن الشريحة الأكبر من الأسر السورية ستواجه ضغوطاً إضافية تمس أمنها الغذائي اليومي، من خلال تآكل القدرة الشرائية، حيث تتركز الزيادات في المواد المعيشية الأساسية، مثل الخبز والرز والزيت والسكر، التي تستنزف الجزء الأكبر من دخل ذوي الدخل المحدود.

وتتصل هذه الضغوط كذلك بقدرة الأسر والجهات الداعمة على تأمين الغذاء، إذ أشار أيضاً إلى تأثر المساعدات الغذائية بالارتفاعات العالمية، إذ يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تقليص حجم الكميات التي تستطيع المنظمات أو الجهات الداعمة شراءها، ما ينعكس على الحصص الموزعة.

ومع تراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الغذائية، يبرز كذلك خطر تدهور المستوى الغذائي، مع اضطرار بعض العائلات إلى تقليل عدد الوجبات أو استبدال الأغذية ذات القيمة العالية بأخرى أقل جودة وسعراً، ما يهدد بارتفاع حالات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال، وفق اسمندر.

وتنعكس هذه التداعيات في نهاية المطاف على مستويات الفقر، إذ تتسع في المقابل رقعة الفقر، الأمر الذي يدفع مزيداً من الأسر إلى ما دون خط الفقر، فيما يلجأ بعضهم إلى بيع الممتلكات أو الاستدانة لتأمين القوت اليومي.

منظومة غذائية أكثر قدرة على الصمود

تكشف هذه التداعيات المتسلسلة لارتفاع أسعار الغذاء، من كلفة الاستيراد والإنتاج وصولاً إلى الضغوط التي تواجه الأسر، أهمية تعزيز قدرة المنظومة الغذائية المحلية على مواجهة الصدمات الخارجية والمناخية. وفي هذا السياق، يربط خبير البيئة الدكتور صفوان الحلبي ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً بعوامل عديدة،

وفي هذا السياق، يرى خبير البيئة الدكتور صفوان الحلبي، أن ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً يرتبط بعوامل عديدة، في مقدمتها التغيرات المناخية، إلى جانب تكاليف الطاقة والأسمدة واضطرابات سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، ما يجعل أي ارتفاع عالمي قابلاً للانتقال إلى الأسواق المحلية بدرجات مختلفة.

وخلال حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، أشار الحلبي إلى أن معالجة تداعيات ارتفاع أسعار الغذاء تتطلب مجموعة متكاملة من الإجراءات، في مقدمتها دعم الإنتاج الزراعي المحلي بشكل عملي، عبر توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، وتحسين إدارة المياه، وتطوير تقنيات الري الحديثة، ودعم المزارعين في مواجهة آثار التغير المناخي. كما دعا إلى العمل على تقليل فاقد الغذاء بعد الحصاد، وتحسين التخزين والتبريد والنقل، لأن جزءاً من المشكلة يمكن معالجته قبل وصول المنتج إلى المستهلك.

وأكد الحلبي أهمية تشجيع الزراعات التي تتناسب مع الموارد المائية والمناخية المتاحة، والتوسع في التقنيات الزراعية الحديثة، مثل الزراعة المحمية والزراعة المائية والزراعة الذكية مناخياً، عندما تكون مجدية اقتصادياً وبيئياً.

ورأى الحلبي أن التحدي أمام سوريا يتمثل في بناء منظومة غذائية أكثر قدرة على الصمود مستقبلاً أمام تغير المناخ، وتقلبات الأسواق العالمية، وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والنقل، من خلال الاستثمار في الزراعة والمياه والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، بما يعزز المرونة الغذائية والإنتاجية، إذ تبدأ حماية المواطن من أزمات الغذاء قبل وصول الأزمة إلى الأسواق.

الثورة السورية

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك