
المقال السادس من سلسلة: إدارة النفس قبل إدارة المؤسسة
بقلم: إبراهيم عمر الطيب
—
هناك قرارات في حياة القائد لا ينساها. ليس لأنها كانت خاطئة فقط، بل لأنها كانت خاطئة في وقت لم يكن فيه مجال للخطأ. قرار اتخذته قبل سنوات، وما زال يرافقني. لا كذكرى عابرة، بل كظل يلاحقني. كلما مررت بذلك المكان، أو التقيت بذلك الشخص، أو تذكرت تلك اللحظة، يعود الألم نفسه. كأن الزمن لم يمر.
لكني تعلمت شيئاً بعد سنوات من حمل هذا الثقل: المشكلة لم تكن القرار الخاطئ. المشكلة كانت أنني لم أسامح نفسي عليه.
هذا هو موضوع مقالنا اليوم. التسامح مع الذات. وهو أصعب أنواع التسامح، وأكثرها إهمالاً في حياة القادة. لأننا نتحدث دائماً عن مسامحة الآخرين، وعن العفو عند المقدرة، وعن تجاوز الإساءة. لكننا نادراً ما نتحدث عن القائد الذي يحتاج أن يسامح… نفسه.
—
لماذا لا يسامح القائد نفسه؟
1. لأنه يعتقد أن التسامح ضعف
القائد الذي نشأ على أن “القائد لا يخطئ”، يجد صعوبة في الاعتراف بخطئه، فكيف يسامح نفسه عليه؟ هو يظن أن مسامحة الذات تعني تبرير الخطأ، أو التهاون معه. فيرفض أن يغفر لنفسه، لأنه يخاف أن يفقد صرامته. والحقيقة أن من لا يسامح نفسه، يعيش في سجن من صنعه.
2. لأنه يحمل مسؤولية أكبر من طاقته
القائد يشعر أنه مسؤول عن كل شيء: عن القرار، عن الفريق، عن النتائج. وعندما يخطئ، يشعر أن الخطأ ليس خطأً عادياً، بل خيانة لمن ائتمنه. فيحمل ذنباً أكبر من قدرته، ويعاقب نفسه بلا رحمة.
3. لأنه لا يجد من يسامحه
الناس تسامح الموظف الذي يخطئ، لكنها لا تسامح القائد. القائد الذي يخطئ، يظل خطؤه محفوراً في الذاكرة الجماعية. لا أحد يقول له: “لا بأس، الجميع يخطئ”. فيبقى وحيداً مع خطئه، لا يجد من يغفر له، فينسى أن يغفر لنفسه.
4. لأنه يخلط بين المسامحة والنسيان
القائد يظن أن مسامحة الذات تعني نسيان ما حدث. وهذا مستحيل. فالحقيقة أن المسامحة ليست نسياً، بل هي قبول. قبول أن ما حدث قد حدث، وأنك لا تستطيع تغييره، وأنك تستطيع فقط أن تتعلم منه وتعيش.
—
ثمن عدم التسامح مع الذات
على القائد:
· الاكتئاب الصامت: تعذب نفسك في الخفاء، ولا أحد يراه.
· القلق المزمن: تخاف من تكرار الخطأ، فتصبح متردداً.
· فقدان الثقة: تبدأ في الشك في قدراتك، وفي كل قرار تتخذه.
· الانفجارات العاطفية: غضب مكبوت يخرج في أسوأ لحظة.
· المرض الجسدي: الجسد يحمل ما يعجز عنه اللسان.
على المؤسسة:
· تردد في القرار: القائد الخائف من الخطأ لا يقرر.
· إفراط في الرقابة: يحاول السيطرة على كل شيء لمنع تكرار الخطأ.
· فقدان الإبداع: لا يجرؤ على المحاولة، لأن الفشل صار خطراً وجودياً.
· تدهور العلاقات: انسحاب تدريجي من الفريق.
—
كيف يسامح القائد نفسه؟
التسامح مع الذات ليس حدثاً واحداً، بل هو مسار. يبدأ بالاعتراف، ويمر بالفهم، وينتهي بالتعلم.
الخطوة الأولى: اعترف بالخطأ
لا تبرر. لا تجمل. قل لنفسك بصدق: “أخطأت. هذا القرار كان خاطئاً. وأنا أتحمل مسؤوليته”. الاعتراف هو بداية الشفاء. لأن من ينكر خطأه، لا يستطيع أن يتجاوزه. والاعتراف ليس ضعفاً، بل هو أول شجاعة.
الخطوة الثانية: افهم لماذا أخطأت
الخطأ ليس مجرد حادث. له أسباب. هل كنت متسرعاً؟ هل كنت متعباً؟ هل افتقدت المعلومة؟ هل تأثرت بضغط؟ افهم السبب، لا لتبرر، بل لتمنع التكرار. لأن من لا يفهم سبب خطئه، سيكرره.
الخطوة الثالثة: افصل بين ذاتك وسلوكك
أنت لست خطأك. الخطأ فعل، وأنت إنسان. الفعل يمكن أن يكون خاطئاً، والإنسان يبقى قابلاً للتغيير. لا تقل: “أنا فاشل”. قل: “فعلت شيئاً خاطئاً”. الفارق بينهما هو الفارق بين السجن والحرية. السجن أن تحمل خطأك في هويتك. الحرية أن تراه كتجربة عابرة.
الخطوة الرابعة: تعلم واستفد
كل خطأ هو درس. اسأل نفسك: ماذا تعلمت؟ ماذا سأفعل بشكل مختلف في المرة القادمة؟ ثم اكتب ما تعلمته. لأن الكتابة تحول الجرح إلى حكمة. والجرح الذي يتحول إلى حكمة، يتوقف عن إيلامك.
الخطوة الخامسة: اسمح لنفسك بالمضي قدماً
المسامحة تعني أن تسمح لنفسك بأن تعيش رغم الخطأ. أن لا تبقى أسيراً له. أن تقول: “نعم، أخطأت. لكنني لست خطأي. أنا إنسان يتعلم، ويكبر، ويتغير”. هذا القبول لا يقلل من مسؤوليتك، بل يجعلها ناضجة.
الخطوة السادسة: ضع حدوداً لجلد الذات
لا تقضي ليلة كاملة تفكر في خطئك. لا تعيد شريط ما حدث مئة مرة. حدد وقتاً للتفكير (ساعة، مثلاً)، ثم توقف. لأن التفكير الزائد في الخطأ لا يحله، بل يكرس الشعور بالذنب. وإذا وجدت نفسك تدور في الحلقة، قم بشيء ملموس: اكتب، تحدث، امشِ، صلِّ. الحركة تكسر الحلقة.
—
المسامحة ليست نسياناً
أريد أن أوضح نقطة مهمة. التسامح مع الذات لا يعني أن تنسى. الذاكرة ستبقى. لكن الذكرى ستتوقف عن إيلامك. ستصبح درساً، لا جرحاً. ستصبح حكمة، لا عذاباً.
الخطأ الذي تسامح نفسك عليه، يتحول من عبء إلى نور. من ضعف إلى قوة. من جرح إلى نضج. لأنك لا تنسى، بل تتعلم. والتعلم هو أعلى أشكال المسامحة.
—
ماذا يعني ذلك للمجموعة؟
في مجموعة عمر الطيب القابضة، مررنا بقرارات كثيرة. بعضها كان صحيحاً، وبعضها خاطئاً. تعلمت أن القائد الذي يسامح نفسه، هو من يستطيع أن يقود بثقة. لأنه لا يخاف من الخطأ، ولا يهرب من المسؤولية، ولا يعيش في الماضي. هو يعيش في الحاضر، بعين مفتوحة على المستقبل.
وأنا شخصياً، تعلمت أن أسامح نفسي. ليس مرة واحدة، بل كل يوم. لأن الذاكرة تعود، والندم يحاول أن يسكنني. لكنني أذكره: أنا إنسان. أخطأت، وتعلمت، وأنا أكمل.
—
💎 الخلاصة
التسامح مع الذات ليس ضعفاً. إنه قوة.
ليس نسياناً. إنه قبول.
ليس تبريراً. إنه تعلم.
القائد الذي يسامح نفسه:
· لا يخاف من المحاولة.
· لا يخسر ثقته في نفسه.
· لا يبقى أسيراً للماضي.
· يقود بثقة، لأنه تعلم أن يغفر لنفسه.
فاغفر لنفسك. ليس لأنك تستحق، بل لأنك تحتاج. ولأن من لا يغفر لنفسه، لا يستطيع أن يغفر لغيره. ومن لا يسامح، لا يستطيع أن يقود.
—
في المقال القادم، سنفتح باباً آخر:
“التردد: حين يصبح الحذر جريمة”
إلى اللقاء.
#إدارة_النفس_قبل_إدارة_المؤسسة #التسامح_مع_الذات #فن_الإدارة #قيادة #إبراهيم_عمر_الطيب #ريادة_الأعمال #علم_النفس #التطوير_الذاتي









