تخطى إلى المحتوى

زيارة الزيدي إلى دمشق تدفع ملفات مهمة إلى واجهة العلاقات الثنائية.. دمشق وبغداد توسّعان شراكة المصالح

استقبل السيد الرئيس أحمد الشرع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والوفد الوزاري الكبير المرافق له في قصر الشعب بدمشق، وبحث الجانبان تطوير العلاقات الثنائية، وملفات حيوية مشتركة تتقدمها إدارة الموارد المائية، والتعاون في قطاع النفط، وتطوير التبادل التجاري.

كما بحث الجانبان مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وأهمية تعزيز مستوى التنسيق والتشاور إزاء التحديات المشتركة، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

وفي إطار زيارته إلى دمشق، زار الزيدي المسجد الأموي الكبير وجال في مواضعه، كما زار مقام السيدة زينب في ريف دمشق.

وكان المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي قد أكد، في تصريحات إعلامية، أن زيارة رئيس الوزراء إلى دمشق تعبر عن نهج الحكومة العراقية في الانفتاح والتوازن والحوار، وحرصها على علاقة إيجابية مع دمشق تستند إلى الاحترام المتبادل والتفاهم المشترك، مشيراً إلى أن المباحثات الثنائية مع الرئيس أحمد الشرع تتركز حول مستقبل العلاقات العراقية – السورية وتطورات المنطقة.

وفي هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي عبد الكريم العمر، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى سوريا اليوم تعكس مدى اهتمام العراق بإعادة ترتيب علاقاته مع سوريا، بما يخدم مصالح البلدين والشعبين الشقيقين.

وقد سبقت هذه الزيارة مباحثات عديدة ولقاء جمع الرئيس أحمد الشرع ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في واشنطن، ما يعكس وجود رغبة واضحة لدى الطرفين في بناء علاقات متينة ومستدامة تشمل مختلف المجالات.

ويرى أن هذه الزيارة تكتسب أهمية إضافية لأنها تأتي بعد تحركات عراقية باتجاه الرياض وعمان، بما يعكس رغبة واضحة لدى بغداد، وتحديداً لدى رئيس الوزراء العراقي، في تعزيز حضور بغداد العربي وإعادة توطيد علاقاتها مع محيطها من العواصم العربية.

ويبدو أن القيادة العراقية تنظر إلى سوريا بوصفها أحد المسارات المهمة لتحقيق هذا التوجه، إلى جانب المملكة العربية السعودية وغيرها من العواصم العربية الفاعلة على المستويين الإقليمي والدولي.

ويضيف أن هذه الزيارة لا تقتصر على الجوانب السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية فقط، بل تعكس توجهاً نحو إقامة علاقة سورية – عراقية متميزة وشاملة، تمتد إلى مجالات حيوية كالموارد المائية والطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار، فضلاً عن تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري.

وفي هذا السياق، يبرز ملف إعادة تفعيل خط النفط بين كركوك وبانياس، إلى جانب الحديث عن إمكانية تشكيل مجلس لرجال الأعمال السوريين والعراقيين، بما يسهم في تنشيط التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة.

فرصة تاريخية لتعزيز التعاون المشترك

وفي سياق متصل، سلط الرئيس أحمد الشرع، في مقابلة مع قناة دجلة الفضائية العراقية مساء الثلاثاء، الضوء على الأبعاد الاستراتيجية للعلاقات السورية – العراقية، مشدداً على أن سوريا والعراق يقفان اليوم أمام “فرصة تاريخية” لتعزيز التعاون المشترك واستعادة القرار السيادي في المنطقة، ومؤكداً ضرورة البناء على هذه الفرصة لتأسيس دولتين قويتين قادرتين على حماية مصالحهما وتحقيق التنمية، مع التشديد على توحيد القرار العسكري بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وتطوير أوجه التعاون الاقتصادي.

وتطرق الرئيس الشرع إلى الملف الأمني، مؤكداً أن الحدود السورية – العراقية آمنة بالكامل بفضل التنسيق المشترك والمستمر بين الجانبين.

وأشار إلى أن التهديدات المرتبطة بتنظيم داعش باتت في أدنى مستوياتها، ولا توجد حالياً أي تنظيمات تمثل خطراً يهدد البلدين.

وفي معرض حديثه عن طبيعة العلاقات بين دمشق وبغداد، شدد الرئيس الشرع على أن سوريا لا تنظر إلى العراق من منظار طائفي، بل ترتبط معه بمشتركات اجتماعية وتاريخية عميقة.

وأوضح أن سياسات بغداد كانت إيجابية تجاه سوريا منذ عودة الاستقرار، رغم محاولات بعض الأطراف فرض مواقف مغايرة، محذراً من أن المبالغة في المخاوف الأمنية وقراءة الأحداث وفق الرغبات المسبقة قد تؤديان إلى مخاطر وتفويت الفرص، ومشدداً على أهمية التعامل مع التطورات بواقعية والاستفادة من الفرص المتاحة لتعزيز العلاقات بين البلدين.

وفيما يتعلق بالشأن العراقي، أشاد الشرع بتوجهات رئيس الوزراء علي الزيدي، مؤكداً إصراره على محاربة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، وداعياً المجتمع العراقي والقوى السياسية إلى دعم هذه التوجهات ومساندة رئيس الوزراء في مساره الحكومي.

وشدد على أن تعدد الأذرع العسكرية والفصائل يضعف الدولة بدلاً من حمايتها، مبيناً أن قرار السلم والحرب من الأدوات السيادية التي لا ينبغي للدولة التنازل عنها، بل يجب أن تحتكرها بيدها.

وأكد أن برنامج رئيس الوزراء علي الزيدي يسير في الاتجاه الصحيح، وأن العراق بحاجة إلى المضي في مسار يعزز قوة الدولة ومؤسساتها ويحفظ استقلال قرارها.

وقال: “إن استقرار سوريا يصب في صالح العراق والعكس صحيح، وعلاقتنا الاجتماعية ظلت صحية لسنوات، وما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، وكفانا حروبا ونزاعات”، مؤكداً أهمية الموقع الجغرافي لسوريا، ومعتبراً أنها الواجهة البحرية والإطلالة الاستراتيجية للعراق على الغرب.

وقال: “نعتبر أنفسنا البوابة الرئيسية لتصدير النفط العراقي إلى البحر المتوسط”.

وبشأن وجوده السابق في العراق، أوضح الشرع أن دخول القوات الأميركية إلى البلاد عام 2003 كان الدافع الأساسي لمجيئه ومواجهة الاحتلال، مؤكداً أن موقفه لم يستند إلى ارتباطات تنظيمية أو ولائية، بل إلى الحمية للدفاع عن العراق وأهله.

وأضاف أنه دخل السجن عام 2005، ولم يشارك في أحداث الفتنة الطائفية التي شهدها العراق عام 2006.

وأشار إلى أن المنطقة كانت تعيش ظروفاً متأزمة عام 2003، بالتزامن مع انتفاضة فلسطين والحرب في أفغانستان، لافتاً إلى أن جزءاً من الطبقة السياسية العراقية واجه القوات الأميركية، ولا يزال يتفاخر بذلك حتى اليوم.

وأشاد الرئيس الشرع بصفات الشعب العراقي، قائلاً: إن العراقيين أهل شهامة وكرم ونخوة وإقدام، وإن ما قرأه عن كرمهم في التاريخ وجده حقيقة على أرض الواقع، مؤكداً أنه نقل مبادئه إلى كثير ممن عملوا معه، وأن هناك فرقاً كبيراً بين المقاتل والقاتل.

وهنا يشير الباحث العمر، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن أهمية سوريا بالنسبة إلى العراق تكمن في كونها ممراً استراتيجياً يتيح للعراق تعزيز ارتباطه بتركيا والأردن والمملكة العربية السعودية، وفتح آفاق أوسع للتجارة والنقل والتعاون الإقليمي.

وقد أشار الرئيس أحمد الشرع، في لقائه الأخير على قناة دجلة، إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه سوريا في هذا المجال، بما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الموقع الجغرافي السوري في تعزيز المصالح الاقتصادية العراقية.

ويضيف أن المنطقة تواجه تحديات أمنية وسياسية كبيرة، في ظل الحرب الأميركية – الإيرانية، والضغوط الإسرائيلية على سوريا، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة والعالم.

وفي ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى تعزيز التعاون بين بغداد ودمشق، ولا سيما أن العراق يمثل العمق الشرقي لسوريا، فيما تشكل سوريا العمق الغربي للعراق.

ومن هنا، فإن بناء علاقة متينة بين البلدين، قائمة على المصالح المشتركة والتنسيق في مختلف المجالات، يصب في مصلحة الشعبين الشقيقين، ويسهم في تعزيز استقرار المنطقة.

عهد جديد في العلاقات السورية – العراقية

اعتبرت مراكز التحليل والدراسات أن المرحلة الجديدة فرصة لإعادة بناء الثقة بين سوريا والعراق، من خلال تطوير قنوات التواصل السياسي وتعزيز الزيارات المتبادلة بين المسؤولين، بما يساعد على معالجة الملفات العالقة وتجاوز الخلافات التي تراكمت خلال العقود الماضية.

وقد عكست زيارة وزير الخارجية السوري إلى بغداد في آذار 2025، وما رافقها من تأكيدات على توسيع التعاون الثنائي، وجود توجه نحو استكشاف مسارات جديدة للعلاقة بين البلدين.

كما شهد حزيران 2026 زيارة وزير الخارجية العراقي إلى دمشق، والتي تناولت سبل تطوير التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.

وأشارت تلك المراكز إلى أن استمرار هذا التواصل من شأنه أن يرسخ مبدأ التعامل بين البلدين على أساس المصالح المتبادلة واحترام استقلالية القرار الوطني، بعيداً عن تأثير التجاذبات السياسية والاستقطابات السابقة.

ويوفر الحوار المباشر إطاراً لمعالجة المخاوف المتبادلة، وتعزيز التفاهم بشأن القضايا الإقليمية، بما يسهم في بناء علاقة أكثر استقراراً وتوازناً.

وهنا يرى الباحث العمر، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن القيادة السورية سعت منذ البداية إلى طمأنة دول المنطقة بشأن توجهاتها المستقبلية، والتأكيد على أن سوريا الجديدة تريد تصفير الأزمات، وبناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل واحترام استقلال الدول وسيادتها.

واستمرت هذه الرسائل الإيجابية عبر تصريحات الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، في إطار مساعٍ واضحة لإعادة بناء علاقات سوريا مع محيطها العربي والإقليمي والدولي.

وقد لاقت هذه الرسائل تفاعلاً من العراق، كما التقطتها دول عديدة في المنطقة والعالم، وبدأ عدد من القادة والمسؤولين بزيارة سوريا أو التواصل مع قيادتها، انطلاقاً من رغبتهم في بناء علاقات جديدة معها، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تواجهها البلاد.

ويضيف بالقول: “إنه على الرغم من حجم التحديات التي تواجهها، فإن أهمية سوريا تنبع من موقعها الجيوسياسي والاستراتيجي الذي يجعلها طرفاً أساسياً في معادلات المنطقة، وهذا الموقع يفرض على الدول الإقليمية والدولية إعادة النظر في أولوياتها وسياساتها انطلاقاً من دمشق، ويمنح العلاقات السورية – العراقية فرصة حقيقية للانتقال إلى مرحلة جديدة من التعاون والتكامل، بما يخدم مصالح البلدين ويعزز الاستقرار الإقليمي”.

ويمثل التعاون الاقتصادي أحد أبرز المجالات التي يمكن أن تشهد تطوراً في العلاقات السورية – العراقية، نظراً إلى ما يمتلكه البلدان من إمكانات متكاملة في قطاعات التجارة والطاقة والنقل والزراعة.

وقد شكلت إعادة فتح معبر القائم الحدودي في حزيران 2025 خطوة عملية باتجاه استعادة حركة التجارة والمسافرين بين البلدين، بعد فترة من الإغلاق المرتبط بالتطورات الأمنية.

وتبرز الطاقة بدورها مجالاً واعداً للتعاون، خصوصاً مع تصدير النفط العراقي واستيراد البنزين والمشتقات الأخرى عبر الأراضي والموانئ السورية، وكل ما يتعلق بها من اتفاقيات إقليمية ودولية تتعلق بنقل النفط وإعادة تأهيل خطوط الأنابيب التي تربط العراق بالموانئ السورية.

ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على تحقيق عوائد اقتصادية مباشرة، بل تمتد إلى ترسيخ المصالح المتبادلة، وخلق روابط مؤسسية تجعل استقرار العلاقات الثنائية مصلحة مشتركة للطرفين.

من الروابط الاجتماعية والثقافية إلى الأمن المشترك

يشكل الأمن أحد أهم المرتكزات التي يمكن أن تستند إليها العلاقات السورية – العراقية في المرحلة المقبلة، إذ يتشارك البلدان مصلحة أساسية تتمثل في حماية الحدود، ومكافحة تنظيم داعش، والحد من تهريب المخدرات والأسلحة، ومنع استغلال المناطق الحدودية في أنشطة تهدد استقرارهما الداخلي.

ومن هذا المنطلق، فإن تطوير التعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية من شأنه أن يساعد على معالجة التهديدات المشتركة بصورة أكثر فاعلية، ويعزز قدرة البلدين على الاستجابة للتحديات المتغيرة.

وقد تناولت الاتصالات بين المسؤولين السوريين والعراقيين بالفعل سبل توسيع التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب، بما يعكس إدراكاً متبادلاً لأهمية هذا الملف، الذي يقوم على احترام سيادة البلدين وتنسيق الجهود بين مؤسساتهما الرسمية.

وتستند العلاقات السورية – العراقية إلى روابط اجتماعية وثقافية وتاريخية تتجاوز حدود التفاعلات السياسية، وهو ما يمنحها قاعدة يمكن البناء عليها لتطوير العلاقات الشعبية بالتوازي مع التقارب الرسمي.

فقد أسهمت الجغرافيا المشتركة والتداخل الاجتماعي والتبادل التجاري عبر مراحل تاريخية مختلفة في تشكيل مصالح وروابط متبادلة بين المجتمعين.

ويمكن للمرحلة الجديدة أن تتيح المجال أمام تنشيط التبادل الثقافي والأكاديمي، وتوسيع التعاون بين الجامعات والمؤسسات التعليمية، وتسهيل حركة المواطنين، وتعزيز التواصل بين رجال الأعمال والفعاليات الاجتماعية.

وبحسب دراسات العلاقات الدولية، فإن هذه الجوانب تكتسب أهمية خاصة، لأن استدامة العلاقات بين الدول لا تتحقق من خلال الاتفاقات الحكومية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى قاعدة اجتماعية داعمة للتقارب، وإلى شعور متبادل بأن التعاون بين الطرفين يحقق منافع ملموسة للمواطنين.

ويشير الباحث العمر، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن التغيير السياسي في سوريا أتاح فرصة أمام دمشق وبغداد لإعادة تحديد موقع علاقتهما ضمن البيئة الإقليمية، على أساس استقلالية القرار الوطني وتعدد مجالات التعاون.

فبدلاً من أن تكون العلاقات الثنائية انعكاساً للتنافس بين القوى الإقليمية، يمكن للبلدين العمل على تطوير تفاهمات تخدم مصالحهما المباشرة، وتعزز قدرتهما على التعامل مع التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية.

ويتطلب تحقيق هذا الهدف اعتماد مقاربة واقعية ومتدرجة، تبدأ بتعزيز الثقة السياسية، ثم الانتقال إلى تنفيذ مشاريع اقتصادية مشتركة، وتطوير آليات التنسيق الأمني، وصولاً إلى بناء شراكة أوسع في مجالات النقل والطاقة والزراعة وإدارة الموارد المائية.

كما أن انتظام الاجتماعات الثنائية، وتفعيل اللجان المشتركة، ومتابعة تنفيذ الاتفاقات، يمكن أن يحول التقارب السياسي إلى نتائج عملية قابلة للقياس.

وفي هذا السياق، يشكل الاتفاق على إنشاء لجنة مشتركة للتنسيق، ومناقشة ملفات الطاقة والمياه والزراعة والنقل والمعابر خلال المحادثات السورية – العراقية في حزيران 2026، مؤشراً إلى اتساع مجالات التعاون المطروحة بين الجانبين.

الثورة السورية – علي إسماعيل

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك