غزت الألبسة المستعملة (البالة) أسواق محافظة طرطوس بشكل غير مسبوق، وبشكل غير شرعي (مهربة) وتنتشر في الأسواق والحارات الشعبية ومراكز المدن حتى أننا لا نستطيع حصرها وكذلك على الأرصفة وفي المنازل. بل وصلت إلى أريافنا وبأعداد كبيرة وكل ذلك بسبب الغلاء الفاحش للألبسة والأحذية الجديدة، إضافة إلى التراجع الملحوظ في جودة المنتج المحلي وكل هذا بسبب الحرب الظالمة على سورية وسرقة مصانعنا التي كانت تنتج الألبسة المنافسة من حيث الجودة والسعر.
أما رواد البالة فهم كثر وبينما يظن البعض أن روادها من الفقراء فقط بسبب انخفاض سعرها مقارنة بالجديد لكن الرواد الحقيقيين للبالة هم من الأغنياء وهذا ما يؤكده التاجر أبو عبدا لله وهو من التجار الذين يعملون بهذه المهنة في مدينة طرطوس منذ سنوات.. ويتابع: إن الأغنياء يتوجهون إلى شراء البالة بحثاً عن الماركات ولكن تحت جنح الظلام فهم لا يريدون أن يعلم أحد بأنهم من رواد البالة..!
وأضاف انتشار تجارة البالة بهذه القوة اليوم يعود إلى البطالة التي يعانيها الكثير من الشباب والأسر التي لا يكفيها دخلها الشهري ففكروا بإقامة مشروعهم الخاص، وأكبر مبلغ معهم لا يتجاوز /90/ ألف ليرة وهو لا يكفي لتأسيس أي مشروع فتوجهوا نحو تجارة البالة على الرغم من انخفاض الربح اليوم مقارنة بالسنوات السابقة وذلك بسبب ارتفاع سعر الصرف.
ويقول التاجر أبو خليل: لماذا يترك سوق البالة بهذه الفوضى وعدم ضبط الأسعار ولماذا لا يسمح باستيراده بشكل نظامي ما يضع حدّاً لتحكم التجار المعدودين على أصابع اليد بالتجار الصغار الذين يضطرون لبيع القطعة بسعر مرتفع، هم يقولون إن استيرادها يشكل خطراً على الصناعة المحلية وعلى الصحة وهنا نتساءل: هل دخولها بشكل مهرب وانتشارها الكبير لا يشكل خطراً على الاقتصاد الوطني، وأيهما اخطر أن تدخل تهريباً أم بشكل نظامي.؟
تاجر آخر أكد ارتباطها حالياً بشكل أساس بسعر صرف الدولار بينما سابقاً كانت الليرة هي الأساس في التعامل وهذا أدى إلى ارتفاع أسعار الألبسة والأحذية المستعملة بشكل كبير والمصدر الأساس للبالة من لبنان حيث زادت تكاليف الشحن والنقل نتيجة الأخطار الأمنية وهذا أدى لارتفاع آخر في الأسعار، وتجارة البالة في سورية بحاجة إلى تنظيم فالمنع غير مجد والمستهلك هو من يحدد خياراته وحسب قدرته.
السيدة أم كريم دخلت هذا المجال مؤخرا تقول: بدأت الفكرة من الحاجة الماسة لتأمين دخل إضافي يؤمن على الأقل جزءاً من المصروف اليومي إلى جانب الراتب الذي لم يعد يكفي لسد مستلزمات الحياة اليومية لعائلة مؤلفة من خمسة أشخاص… تعرفت إلى أحد تجار الألبسة الأوروبية المستعملة واتفقت معه على انتقاء عدد معين من القطع التي تتناسب مع المنطقة التي أبيع فيها من ناحية الأسعار بشكل خاص لأن الألبسة الأوروبية تعاني أيضاً ارتفاعاً في الأسعار كغيرها من المواد وبدأت العمل محاولة استقطاب الزبائن ببيع القطع بنسبة ربح رمزية وما زلت لليوم مستمرة بهذا الطريق بعد أربعة أشهر.
جميع من التقيناهم أكدوا أنهم يجدون فيها ألبسة ذات سعر منخفض (وحتى لو ارتفعت مؤخراً متأثرة بانخفاض سعر صرف الليرة) مقارنة بالألبسة الجديدة ذات الأسعار المرتفعة نتيجة ارتفاع تكلفتها، إضافة إلى جودة هذه الألبسة مقارنة بالألبسة المحلية الصنع عموماً، أضف إلى ذلك انخفاض المعروض من الألبسة بسبب خروج الكثير من المصانع من الخدمة نتيجة عمليات التخريب التي طالت مصانع النسيج وهروب بعض المنتجين خارج البلد.
من جهته أكد الدكتور حسين علي أستاذ في كلية الاقتصاد- جامعة طرطوس أن لهذه الظاهرة نتائج وآثاراً سلبية من نواح ثلاث: الأولى والأهم أنها تستنزف القطع الأجنبي الذي يحتاجه البلد أكثر من أي وقت مضى لاستخدامات ذات حاجة ضرورية للمواطن.
والثانية منافسة الصناعة النسيجية المحلية..
والناحية الثالثة لتخصيص جزء من الموارد لغايات استهلاكية ما يشكل بديلاً غير جيد لتخصيص هذه الموارد بل كان من الأفضل لو أنها خصصت لشراء السلع الاستثمارية.
وأضاف د. علي لمعالجة هذه الظاهرة هناك وجهان أساسيان:
معالجة ظاهر المشكلة كإغلاق محلات بيعها أو مكافحة تهريبها وهو أمر ليس باليسير في ظل الظروف التي نعيشها. و الوجه الآخر للمعالجة يكون في معالجة الأسباب كالآتي:
– دفع المنتجين والبائعين إلى تخفيض أسعارهم بما يتناسب مع الدخول الحقيقية للمستهلكين وهو أمر لا يبدو قابلاً للتطبيق في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
– دفع المنتجين إلى رفع جودة منتجاتهم المحلية الصنع ليشكل حافزاً للباحثين عن الجودة لشراء المنتج المحلي وهو أمر ليس بالممكن حالياً لأسباب شتى.
أما فيما يتعلق بدور الرقابة فقد قال ماهر مرعي رئيس دائرة حماية المستهلك في مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في طرطوس: تنحصر مهمتنا كتجارة داخلية في الإشراف على المحال التجارية من حيث السعر والفاتورة، ولا يمكن تطبيق هذا على محال الألبسة المستعملة لأن أغلبها إن لم نقل جميعها يدخل بشكل غير نظامي (تهريباً)، ومراقبتها وضبطها لا يدخلان ضمن قانون التجارة الداخلية، وفي حال ضبط الألبسة المستعملة ضمن المحال التي تبيع الألبسة الوطنية الجديدة ينظم بها ضبط تمويني، وتتم إحالة المخالف إلى القضاء إضافة إلى تسجيل ضبط سجل تجاري ويتم حجر البضائع، أما محال البالة فيتم ضبط المخالفات بحق من يعمل من دون وجود ترخيص نظامي فقط، وللأسف عدد كبير جداً من محال البالة، إن لم نقل كلها، في محافظة طرطوس يعمل من دون ترخيص، حيث انتشرت هذه الظاهرة (البالة) مؤخراً عن طريق لبنان..
في النهاية أعتقد أن هذه المشكلة غير قابلة للحل بالرغم من سلبيتها وسوف تستمر أيضا إذ من غير الممكن معالجة الأسباب التي أدت لنشوئها في ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي يمر فيها البلد.









